أربع بلدات تجمعها اتفاقية واحدة، ونفس المآساة: قوافل الباصات تجتمع للإجلاء الجماعي

دخلت حافلات الإجلاء أربع مدن سورية محاصرة (بلدتين مواليتين للنظام وبلدتين مواليتين للمعارضة) يوم الخميس، حيث ينتظر آلاف المدنيين والمقاتلين والناشطين والعاملين في المجال الطبي عمليات الإجلاء، في إطار اتفاقية معقدة بين الطرفين المتنازعين.

ومن المقرر أن يغادر ما يقارب 8 آلاف شخص، بمن فيهم جرحى ومقاتلين مؤيدين للرئيس بشار لأسد، بلدتي كفريا والفوعة المواليتين للنظام، في إدلب، شمال غرب سوريا. وتحاصر قوات معارضة إسلامية متشددة المدينتين المتجاورتين ذاتا الغالبية الشيعية، منذ أكثر من عامين.

ومقابل عمليات الإجلاء في كفريا والفوعة، سيغادر نحو 3400 شخص، من بينهم مدنيين و160 مقاتلا في المعارضة تقريبا، بلدتي مضايا والزبداني، الواقعتين في جبال القلمون شمال غرب دمشق، وتحاصرهما قوات النظام وميليشيات حزب الله الحليفة له، منذ تموز 2015.

إلى ذلك، قال حسام محمود، ناشط وعضو سابق في الهيئة الإغاثية الموحدة في مضايا والزبداني، لسوريا على طول، الخميس "يوم أمس (الاربعاء) كان الحزن أعمق وكل شخص يودع الشخص الآخر، ولم يبق أي شخص في مضايا إلا وبكى للفراق. أما اليوم، أصبح الأهالي يترقبون وهم متخوفون من تأجيل خروج الدفعة".

وتعد عمليات الإجلاء هذه، جزءاً من اتفاق بين النظام السوري وثوار جيش الفتح، وهي غرفة عمليات تضم أعضاء من هيئة تحرير الشام، تم التوصل إليه في أواخر آذار. وبموجب الاتفاق الذى تم بوساطة قطرية وإيرانية، سيغادر كل من سكان كفريا والفوعة، البالغ عددهم 20 ألفاً، منازلهم باتجاه مناطق سيطرة النظام، على أن تسيطر المعارضة على المنطقة. في المقابل، سيغادر الثوار وأهالي بلدتي مضايا والزبداني، ممن اختار الخروج، باتجاه مناطق سيطرة المعارضة، على أن يستعيد النظام السيطرة على البلدتين.

وفى حال تم تنفيذ الاتفاق بنجاح، فإن ذلك سيشكل نهاية عامين من الحصار والقصف ونيران القنص، في البلدات الأربعة. حيث ارتبطت البلدات الأربعة المذكورة، بما يعرف بـ"اتفاقية البلدات الأربعة"، التي تم التوصل إليها بوساطة إيرانية، وتنص على تسليم المواد الإغاثية وإجلاء المرضى، إلى البلدات الأربعة على نحو متزامن.

وبدأت المرحلة الأولى من تنفيذ اتفاق البلدات الأربعة الجديد، والذي تم التوصل إليه في آذار، ليلة الثلاثاء، من خلال تبادل الأسرى (مقاتلين ونساء وأطفال) والجثث بين ثوار جيش الفتح والقوات الموالية للنظام، في كفريا والفوعة.

سيارات الإسعاف داخل الفوعة، الخميس. تصوير: شبكة أخبار الفوعة وكفريا المحاصرتين.

وبحسب وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، الأربعاء، فإن عمليات التبادل هي "المرحلة الأولى من الاتفاق الذي تم التوصل إليه لإخراج الأهالي من بلدتي كفريا والفوعة".

وأوضحت مصادر في المعارضة، أن المرحلة الأولى من عمليات الإجلاء، من المقرر أن تبدأ الأربعاء، لكن تم تأجيل العملية، حتى الخميس، بسبب "أمور لوجستية".

في السياق، دخلت الحافلات إلى بلدات ريف دمشق، المحاصرة من قبل النظام، يوم الأربعاء، لكنها لم تصل إلى بلدتي إدلب المحاصرتين من قبل الثوار، حيث زعمت شبكة أخبار الفوعة وكفريا المحاصرتين، أن الحافلات تلقت "تهديدا"، من قبل "المجموعات الإرهابية".

ودخلت عشرات الحافلات وسيارات الإسعاف، بلدتي كفريا والفوعة، يوم الخميس، وفقاً لصور نشرتها شبكة أخبار الفوعة وكفريا المحاصرتين، وتقارير لوسائل إعلام محلية موالية للمعارضة. في حين دخلت الحافلات مضايا، يوم الخميس، بينما كان السكان ينتظرون الإجلاء.

ويشكل المرضى والجرحى الغالبية العظمى ضمن المسجلين في قوائم إجلاء البلدات الأربعة. وأدى نقص الإمدادات الطبية إلى جانب القصف وعمليات القنص، إلى خسارة محتمة في الأرواح، أثناء سنوات الحصار.

وفي حين ساعدت عمليات الإنزال الجوي المنتظمة للمعونات، التي قامت بها الطائرات التابعة للنظام السوري، أهالي كفريا والفوعة على تحمل الحصار، اعتمد أهالي مضايا والزبداني على المساعدات التي سمح بها النظام فقط. وحالت الألغام الأرضية وقناصة القوات الموالية للنظام دون تهريب البضائع أو دخول وخروج الأشخاص، من بلدتي ريف دمشق المحاصرتين.

سيارات الإسعاف التابعة للهلال الأحمر العربي السوري تنتظر دخول الزبداني، يوم الأربعاء. تصوير: Stringer/AFP.

ونتيجة لذلك، انتشرت مجاعة في مضايا في أوائل عام 2016 ذاع صيتها في العالم. وفي الوقت الذي سمحت فيه قوات النظام بدخول شاحنات المساعدات الدولية، على نحو متقطع، استمر القناصة باستهداف الأهالي المحاصرين، إلى جانب انتشار الأمراض والأوبئة المختلفة.

وبعد أن عايش الحصار لمدة عامين، قال محمود، الذي كان يستعد لمغادرة البلدة، يوم الخميس، لسوريا على طول "إننا على الرغم من ذهابنا إلى إدلب أو أي مكان، لم يعد يعنينا القصف أو أي شيء آخر، فالذي عاش في مضايا وتحمل الوضع فيها يستطيع العيش في أي مكان لأنه سيكون أرحم منها".

ويواصل النظام وروسيا والتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة استهداف مدينة إدلب بالغارات الجوية، حيث شنت قوات النظام هجوما بالكيماوي على بلدة خان شيخون، جنوب إدلب، مما أسفر عن مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

وفي الشهور الآخيرة، تضخم عدد السكان في إدلب مع وصول آلاف الثوار السوريين والمدنيين إلى المحافظة بالباصات الخضراء عبر اتفاقيات استسلام مع النظام في سلسة من البلدات في أنحاء البلد.

الطبيب محمد درويش، طالب طب أسنان سابقاً وواحد من ثلاثة من المختصين الطبيين الذين عاشوا في مضايا خلال الحصار، واختار أن يغادر البلدة مع الدفعة الأولى في عملية الإجلاء.  

كنت أنتظر هذا اليوم منذ شهور، ولكن مع تأجيل الأربعاء، أصبحت مشاعري مضطربة، لا أفكر سوى بالخروج من مضايا، وأجلس الآن في مضايا وفي داخلي بركان سينفجر بسبب الانتظار".

وقال "الخروج من مضايا هو كخروج الروح من الجسد ولكن كان هذا المقرر علينا،النظام يريد فرض سيطرته عاجلا أو آجلاً".  

وما يزال من غير الواضح كم عدد أولئك الذين سيغادرون مضايا من أصل 40.000 نسمة تقريباً إلى محافظة إدلب في الأيام والأسابيع القادمة. ورغم أنه لم يفرض على الأطباء المدنيين والنشطاء وأفراد عائلات المقاتلين الرحيل من مضايا والزبداني، إلا أن الكثير على أبواب الرحيل خوفاُ من انتقام النظام بعد أن يسيطر على البلدة.

رولا غصن، سيدة من مضايا توفي شقيقها علي بالفشل الكلوي كنتيجة مباشرة للحصار في وقت سابق من هذه السنة، قالت لسوريا على طول أنها لن تبرح من مضايا.

وقالت غصن "قررت البقاء مع قاتلي أخي، لأنني لا أريد الخروج من مضايا التي ولدت فيها، فإدلب غير آمنة، بسبب القصف وأنا ووالدتي فقط، لا يمكننا تحمل أن نعيش في المخيمات".

وشجب البعض داخل مضايا والزبداني، والموالين المعارضين والشخصيات المسؤولة اتفاقية الإجلاء الآخيرة باعتبارها تغييراً ديمغرافياً، كون السُّنة في البلدات المحيطة بدمشق وكل السكان الشيعة في الفوعة وكفريا سيُرحلون عن أوطانهم.

ورددت مصادر داخل مضايا والزبداني اتهامات التغيير الديمغرافي. وتظاهر مئات الأهالي يوم الأربعاء ضد الاتفاقية، وأطلقوا عليها تسميات "التهجير" و"التغيير الديمغرافي".

وتُؤمِن الاتفاقية نفسها إجلاء مقاتلي فتح الشام (الجناح السوري للقاعدة سابقاً) من جنوبي دمشق، ووقف إطلاق النار لمدة تسعة شهور وإدخال المساعدات.

وفي بلدتي الفوعة وكفريا المواليتين للنظام اللتين سيتم إفراغهما كلياً من السكان الأصليين في الأسابيع المقبلة، حزم الأهالي كما نظرائهم في مضايا أمتعتهم وقالوا الوادع في "ترقب حذر" للرحيل.

وكثير من أولئك الذين سيغادرون يوم الخميس من بلدات إدلب هم من المرضى والمصابين وكذلك أفراد عوائلهم، وفق ما قال أحمد شحادة، طبيب في الفوعة لسوريا على طول، الأربعاء،  لافتاً إلى أن "هناك مخاوف بعرقلة عملية الخروج من قبل المسلحين المحيطين بنا"، ويعتزم شحادة البقاء في بلدته حتى الدفعة الآخيرة في عملية الإجلاء.

أهالي مضايا ينتظرون ومعهم أمتعتهم الأربعاء. حقوق نشر الصورة لـ مضايا.

"من الممكن أن يكون تغييراً ديمغرافياً"، وفق ما قال حسين، ممرض وأب لطفلين من كفريا الموالية للنظام، لسوريا على طول، الأربعاء. واستأنف "لكن لا يوجد حل أمامنا غير هذا".

وفي يوم الأربعاء، منح حسين وعائلته ما يملكون لأقربائهم وأصدقائهم الباقين بعدهم في هذه المرحلة الآنية على الأقل. وزار وغيره من الأهالي الأشخاص والأماكن التي تعنيهم وتهمهم.

وقال حسين "أعيش شعورا لا أستطيع وصفه، لا أعرف هل يجب أن أكون مزعوجاً أو مرتاحاً، نعم أنا أترك منزلي لكن بنفس الوقت أخرج عائلتي من الحصار الطويل، سوف أمنحهم أمل الحياة من جديد".

وأضاف الممرض "لا أحد يعرف ما كنا نمر به خلال فترات الحصار، نحن نشعر بإخواننا في مضايا والزبداني، لأننا نعيش نفس المأساة، رغم اختلاف الآراء السياسية، لكن نبقى في نفس الحصار".

"الندم"

وتشمل عمليات الإجلاء المقررة يوم الخميس أيضاً 350 نسمة من أهالي وادي بردى، مجموعة من البلدات في شمال غرب دمشق. وكان الأهالي اختاروا في البداية البقاء في ظل اتفاقية استسلام سابقة بعد عودة بلدات وقرى الوادي إلى سيطرة النظام في وقت سابق من هذه السنة.  

إلا أن بعض المدنيين والمقاتلين ندموا على اختيارهم البقاء، والآن هاهم أمام فرصة أخرى للمغادرة.

ومن بينهم أم حارث، 30 عاماً، وأم لستة أطفال من قرية دير قانون في وادي بردى.

وقالت لسوريا على طول، الأربعاء، وهي تنتظر أن تركب على متن حافلات الإجلاء "أنا ندمت على عدم خروجي مع الدفعة الأولى مع زوجي"؛ فزوجها مقاتل، وتم إجلاؤه إلى محافظة إدلب في وقت سابق من هذه السنة، وبقيت أم حارث والأطفال، "ولكن تم مداهمة منزلي مرتين، لأن زوجي مع "الإرهابيين"، وخوفاً من أن تتفاقم الأمور سوءاً، تخطط للرحيل الخميس إذا تم الإجلاء.

ترجمة: فاطمة عاشور وسما محمد

بهيرة الزرير

ولدت في دمشق. ودرست إدارة الأعمال والتسويق، غادرت إلى الأردن في العام 2013 بسبب الحرب. عملت كمتطوعة في منظمات دولية لمساعدة اللاجئين. قررت الانضمام إلى فريق سوريا على طول لتطوير مهاراتها وايجاد طريق جديد في حياتها.

محمد الحاج علي

محمد ولد في درعا، وأكمل سنته الأولى في دراسة الصحافة والإعلام في جامعة دمشق قبل أن يترك سوريا في آب من العام 2012. أمضى سنة ونصف في العمل بالعلاقات الاجتماعية لقناة أخبار سورية معارضة وفي محطة راديو سوريا في عمان قبل أن ينضم إلى سوريا على طول. يأمل بمستقبل افضل لسورية مدنيّة ترحب بالجميع، وتنصف الجميع، بغض النظر عن الدين، العرق أو الطائفة.