ابن مضايا، ابراهيم عباس: كل يوم أسوأ من سابقه

منذ سنتين، في يوم الجمعة، في الثالث من تموز سنة 2015، حين كان كل ما يشغل ابراهيم عباس أداء الصلاة على وقتها، في طريقه إلى المسجد اتجهت إليه رصاصة قناص ومزقت أحشاءه. أصيب عباس برصاصة قناص متمركز على إحدى حواجز الـنظام وحزب الله الـ 65 التي تحيط بمضايا. ويحول طوق رصاص القناصة المزروع مع آلاف الألغام البرية حول البلدة دون السماح لأي شخص أو شيءٍ كان من الدخول أو الخروج.

ومنذ تموز 2015، وأكثر من 40ألف من الأهالي محتجزون داخل البلدة التي كانت يوماً منتجعاً صيفياً يبعد 26كم شمال غرب دمشق.

ولم يبق في البلدة سوى ثلاثة أخصائيين طبيين، طالبا طب أسنان وطبيب بيطري، وليس لدى أي منهم المعدات أو الخبرة لمعالجة إصابة طلق ناري كتلك التي مزقت جسد عباس. والذي يحتاج إلى إجراء عملية (مفاغرة) للأمعاء الغليظة (كولوستمي).

وبعد أن تعايش لسنة مع فتحة في بطنه تكشف عن الأمعاء الغليظة، كان عباس من ضمن الـ 250مصاب ومرافقيهم الذين تم إخلاؤهم من قبل الهلال الأحمر العربي السوري في نيسان 2016 إلى إدلب الخاضعة لسيطرة الثوار، حيث تمكن أخيراً من إجراء عمل جراحي.

وبعد أربعة شهور، غادر سوريا ليستقر في تركيا وخلال السبعة شهور الفاصلة، قتل الحصار والديه.

  ابراهيم عباس، الأسبوع الماضي، يتحدث في فيديو من تركيا لسوريا على طول، عن قصته.

"مات أبي، في أواخر تشرين الأول 2016، نتيجة نقص الغذاء والدواء، وغياب الرعاية الطبية، والعناية بمن يعانون من أمراض مزمنة"، وفق ما قال عباس، لمراسل سوريا على طول، عمار حمو.

وبعد شهر واحد، قال عباس أن رصاصة قناص أردت أمه قتيلة بينما هي واقفة خارج منزلها.

"لا يوجد كلمة تصف مشاعرك عندما تخسر أحداً من أهلك وأحبابك، وأنت بعيد عنه لا يمكن أن تودعه، أو تترك قبلة على جبينه، فكيف إذا كان أبوك أو أمك!!"

هذه المقابلة الثالثة لسوريا على طول مع ابراهيم عباس، في شهر أيار الماضي، وصف كونه محتجزاً في مضايا قبل إخلائه. وبعد شهر حدثنا عن حياته خارج قيد الحصار

لو تحدثنا عن شعورك أثناء خروجك من مضايا، وهل حصلت على ما خرجت من أجله؟

مواقف لا أنساها، الأول عندما تلقيت اتصالاً من النقطة الطبية في مضايا، قالوا لي "جهّز حالك، فريق الهلال الأحمر جاء من أجل عملية إخلاء جرحى، واسمك ضمن القائمة".

والثاني آخر كلمات أمي لي قبل خروجي من الحصار "الله يرضى عليك يا ابني"، والدمعة في عينيها، وكان ذلك في 20 نيسان 2016.

ركبنا الحافلات وانطلقنا إلى الشمال السوري، تلقيت العلاج في أحد المستشفيات، وتم إجراء عمل جراحي لي "مجاناً" بمساعدة منظمة السراج للتنمية والرعاية الصحية في ريف إدلب.

أخذت فترة علاجي 15 يوماً قبل أن أصبح قادراً على الحركة، وتناول الطعام بشكل طبيعي، لا  سيما أن إصابتي كانت في الأمعاء، ولا زلت أعاني من بعض الأعراض الناجمة عن إصابتي، والتأخر في إجراء العمل الجراحي.

بقيت في إدلب لمدة أربعة شهور، ثم دخلت إلى تركيا بحثاً عن الأمان والحياة، فعمري 26 عاماً، ولم أصنع شيء لمستقبلي حتى الآن، منعني من ذلك الحرب والحصار، خرجت من أرض الحرب (سوريا) إلى تركيا، أرض الأمل.. أرض الميعاد "كما نسميها نحن السوريون".

في تركيا بدأت رحلة "الجدّ" بداية التسجيل في دوائر الدولة للحصول على بطاقة الحماية المؤقتة للسوريين، ومن ثم البحث عن فرصة عمل، وكانت أول فرصة عمل مستخدم في فندق، ومن ثم في شركة لتركيب خطوط الإنترنت، وجدت في عملي الجديد راحة، رغم العائد المادي "القليل" نسبياً.

ماذا عن عائلتك في مضايا؟

تركت عائلتي وهم بأصعب الظروف: أبي , أمي , أختي , أخي و زوجته و لديهم بنتين، وخصوصاً كما تعلمون حال مضايا وأهلها، وماذا فعل الحصار بهم، من الموت جوعاً، إلى تفشي الأمراض والأوبئة، وحواجز النظام وحزب الله التي تقنص كل من يحاول الفرار من الحصار.

كان أبي – رحمه الله - يعاني من مرضين مزمنين:  ضغط الدم والسكري , وتدهورت صحته بفعل الحصار، إذ أنه بحاجة لأدوية بشكل دوري، ونظام غذائي متوازن، وكلاهما مفقود في مضايا، حتى أن النقطة الطبية الوحيدة في مضايا أعلنت توقفها عن العمل لعدم توفر الأدوية والمستهلكات الطبية.

وفي أحد الأيام، اتصل بي أحد أصدقائي من مضايا، وقال "كيف إيمانك بالله؟" وبمجرد سؤاله عرفت أن أبي مات!!

مات أبي، في أواخر تشرين الأول/ أكتوبر 2016، نتيجة نقص الغذاء والدواء، وغياب الرعاية الطبية، والعناية بمن يعانون من أمراض مزمنة، وما لبثت أن أخرج من صدمتي، حتى وقعت بأخرى أشد، وهو نبأ استشهاد أمي، بعد شهر واحد من استشهاد أبي، وكان ذلك في أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي.

كيف تلقيت نبأ استشهاد أمك؟

اتصل بي صديقي وسألني: "استشهدت امرأة بطلقة قناص في مضايا اليوم واسمها كاسم أمك، هل هي أمك!!"، وبعد محاولات للاتصال بأختي وأخي والجيران، لم أتمكن من التأكد، حتى اتصلت بطبيب من النقطة الطبية، مؤكداً خبر استشهاد أمي جراء تعرضها لطلقة قناص، بينما كانت واقفة أمام المنزل، وحاول أخي وأختي إسعافها لكن دون فائدة!!.

لا يوجد كلمة تصف مشاعرك عندما تخسر أحداً من أهلك وأحبابك، وأنت بعيد عنه لا يمكن أن تودعه، أو تترك قبلة على جبينه، فكيف إذا كان أبوك أو أمك!!

ماذا يعني لك أن تخرج من "الحصار" ولا يزال فيه أهلك وأصدقاؤك؟

رغم أني خرجت من الموت إلى الحياة، ولكني منذ ذلك الوقت أعيش حالة من الصراع، فأنا سعيد جداً بخروجي من السجن الكبير، وتعافيت من مرضي بعد خروجي للعلاج، وعدت للحياة بعد أن سُلبت مني...

ولكن حزني شديد، لأني خرجت وحيداً دون أهلي وأحبابي، وخصوصاً أني ذقت مرارة الحصار لمدة 9 شهور، ولكني تركتهم وخرجت وحيداً... وبعد خروجي من مضايا لطالما تحدثت عبر الإنترنت مع أهلي وأصدقائي مكالمات طويلة، سألتهم عن كل شيء إلا سؤال واحد وهو: ماذا أكلت اليوم؟! فأنا أستطيع أن أتناول ما لذّ وطاب، ولكنهم ببساطة لا سيتطيعون!

ما هي ظروف مضايا حالياً (من خلال حديثك مع أهلك)؟

مضايا تنتقل من ظروف سيئة إلى أسوأ، فكل يوم أسوأ من سابقه، والموضوع هنا لم يعد متعلق بالطعام فحسب، وإنما على كل الأصعدة، ففي مضايا حرب إبادة جماعية على المستوى الفكري، والثقافي، والصحي، والاجتماعي، والنفسي، وقد تم الإبلاغ عن أكثر من حالة انتحار من قبل بعض المراهقين المحاصرين.

وإلى جانب الحصار، لم يتوقف حزب الله والنظام السوري عن القصف، وعمليات القنص التي تحدث بشكل يومي، ليكون ضحيتها أطفال ونساء وشيوخ، وكما أسلفت سابقاً من بين الضحايا أمي.

ولا ننسى الأوبئة التي مرت على أهالي مضايا من سوء التغذية، والتهاب السحايا، وأخيراً الفشل الكلوي الذي أصاب 25 محاصراً، منهم اثنين فارقوا الحياة.

أترك لك أن تتخيل نفسك في سجن كبير، ممنوع عليك المغادرة، أو الزيارة، وطعامك محصور بأصناف قليلة جداً، فكم بإمكانك أن تتحمل؟!! أهالي مضايا الآن هم في الشهر الخامس عشر من الحصار.

عباس واصدقائه في مضايا، تشرين الاول 2015

إلى أين ستذهب الأحداث بسوريا برأيك؟

تحولت بلدي إلى ساحة صراع لتصفية حسابات القوى الكبرى، وكأن كل دولة أو جهة تقول لأخرى: إذا أردت أن تواجهني، تفضل إلى سوريا!!

ورغم كل الدمار والدماء لا تزال هذه القوى تتوافد على بلدي لتعيث في الأرض دماراً، وهو ما يجعلني أفكر دائماً "هل ستنتهي الحرب يوماً؟ وهل سأكون حياً؟".

آمل أن تنتهي الحرب قريباً، وأعتقد أن الحياة ستعود لسوريا رغم كل التحديات والصعوبات التي نمرّ بها، ولكن بكل صراحة لا يمكن لسياسيين وعسكريين من كل الأطراف تنبؤ كيف ينتهي الوضع في سوريا نظراً لتضارب المصالح والتعقيد، فكيف لشاب مثلي أن يعرف؟!

ترجمة: فاطمة عاشور

 

عمار حمو

عمار من مدينة دوما، في غوطة دمشق الشرقية. درس الصحافة في جامعة دمشق. وخلال دراسته تنقل بين سوريا والاردن حيث كان يعمل في دار للنشر في الأردن.