الحرب تدفع سوريات لمزاولة "أعمال شاقة" كانت حكراً على الرجل

حين وصلت ناديا مكان العمل في يومها الأول، حدقت بها أعين زملائها وتعالت الهمسات والتمتمات والضحكات.

ودخلت السيدة الدمشقية ذات الأربعين عاماً في مضمار البناء حالياً، الذي يسوده الرجال بشكل تقليدي؛ فزوجها، والذي كان المعيل الوحيد للأسرة، لم يعد بإمكانه العمل بعد إصابته بالعمود الفقري. وهو لا يغادر المنزل خشية أن يتم إيقافه على الحواجز وسحبه إلى الاحتياط بالجيش. وبالتالي لم يكن أمامها خياراً سوى أن تنضم للقوى العاملة منذ عامين.

وقالت ناديا، وهي أم لأربعة أطفال لـ رهام توهان، مراسلة في سوريا على طول، "كما يقول المثل: مجبرٌ أخاك لا بطل". وذكرت أن أصدقاءها ينتقدونها بقسوة. ويردد الناس من حولها أن عملها بنقل الحصى والرمل يعتبر ضربة للنسيج الأخلاقي للمجتمع. وناهيك عن المضايقات التي تتعرض لها من قبل الرجال في العمل.

وأوضحت "كانوا يسمعوني كلاماَ مستفزاً: لاحقينا على لقمة عيشنا، شو بدكن تقلبوا الكون"، أو "مفكرة حالك رجال؟  كانت هذه العبارات تنزل على مسمعي كالرصاص".

واعتذرت ناديا عن نشر أي صور، وطلبت أن تبقى تفاصيل مكان عملها وإقامتها مجهولة حتى تحمي هويتها. 

ماهي الأسباب التي دفعتك للعمل في مجال البناء؟ ومنذ متى وأنتِ تعملين؟

ظروف الحياة صعبة وخاصة بزمن الحرب وغلاء المعيشة، وزوجي ذو الستة وأربعون عاماً مريض غير قادر على العمل؛ بسبب انقراص فقرات بالعمود الفقري منعته من العمل، وبسبب الأوضاع الأمنية في البلد فهو يخاف الخروج من المنزل، خوفاً من سحبه إلى مقاعد الاحتياط، وأنا لدي أربعة أطفال بحاجة إلى مصاريف ومتطلبات ولا بد لي من تأمينها، وتفكيري الدائم بأولادي ومستقبلهم، ولا أدعهم يحتاجون أحداً، وحاجتي الماسة للمال دفعتني لأعمل بنقل الرمل والبحص، فلم أكن أملك خياراً آخر ومثل ما بيقولوا: مجبراً أخاك لا بطل. وعملت في هذا المجال منذ قرابة السنتين؛ وكان ذلك عن طريق صديقة لي تعمل في هذا المجال ساعدتني وقدمت لي الدعم.

ماهي نظرة المجتمع لكِ بعد مزاولتك مهنة خاصة بالرجال وتحتاج بنية جسدية قوية؟

المجتمع لا يرحم وكلام الناس كحد السيف فهم ينظرون لعمل المرأة في هذا المجال على أنه مناف للعادات والتقاليد، وأنه عمل غير أخلاقي كونكِ تعملين عمل الرجل، وكأني أرتكب جريمة بحق مجتمعي، وبحق من حولي، فقد رفض كل من كان حولي طبيعة عملي وأعتبروه مناف لعاداتنا وأخلاقنا، وأنا بدوري آخذ مكان الرجل، أهلي وجيراني وأصدقائي جميعهم استنكروا عملي ووصفوه بالجنون، باستثناء عائلتي فقد ساندتني  ومنحتني القوة في مواجهة المجتمع، وبذلك  ضربت جميع العادات والتقاليد بعرض الحائط، ولم اكترث بأقاويلهم ومبرراتهم، فعائلتي أهم من كل معتقداتهم.

لماذا قررت مزاولة هذا العمل رغم صعوبته؟ وماذا كنت تعملين في السابق؟ وهل هذا العمل يوفر لكِ ما تحتاجينه من مال؟

بصراحة أنا بحياتي لم أعمل ولم أخرج من بيتي، وكان زوجي يؤمن لي كل احتياجاتي أنا وأولادي، ومستورة والحمد لله.

في بداية الأمر لم يخطر ببالي أني سأعمل بالبناء أبداً وهو عمل خلق للرجل، فعندما قررت الخروج للعمل عملت في بداية الأمر بالمزارع؛ ولكن عمل المزارع موسمي وأجرته زهيدة كانت 500 ليرة سورية في اليوم، فلم يغطي العمل ولو جزء بسيطا من متطلباتي، ثم عملت في مجال خدمة البيوت وكانت أجرتي في اليوم 1000 ليرة سورية، ولكنه غير ثابت فكنت أعمل في الأسبوع يومين، وكذلك المواصلات غالية والطريق صعب بسبب كثرة الحواجز، فكان الطريق يستغرق معي ذهاباً ثلاث ساعات وإياباً ثلاث ساعات، فأصل في وقت متأخر للبيت، ورغم كل ذلك أيضاً لم تسد حاجة عائلتي، بعدها قررت العمل بالبناء رغم صعوبته ومشقته إلا أنه لبى جزء من احتياجاتي، والحمد لله.      

وبالطبع هذا العمل لا يسد كل احتياجاتي ولا يغطي جميع  مصاريفي ولكنه يسندني (الرمد ولا العمى)، وهذا كله بسبب استغلالنا من قبل أصحاب العمل، وتشغلينا لساعات طويلة وبأجور زهيدة، فأنا أعمل من الساعة 7 صباحاً حتى 4 عصرا ًوبأجرة زهيدة  1500 أو 2000 ليرة سورية باليوم حسب العمل، ولا يحق لنا الأعتراض أو المطالبة بزايدة، فأول كلمة يقولونها لنا "الي مو عاجبها الله معها"، وابني زيد عمره 15 سنة ترك المدرسة ويساعدني بالمصروف فهو يعمل في محل لـ"الفروج".

ماهو شعورك أول يوم عمل لك ِفي البناء؟ صفي لي ذلك؟

أول يوم لا يمكن نسيانه كنت متوترة وخائفة، وهي كانت خطوة جريئة مني أن أعمل في هذا المجال، وكانت أول مرة أخرج من بيتي بغرض العمل، كان تفكيري هل سأنجح، هل أستطيع الاستمرار بهذا العمل، كيف سأتعامل مع الناس من حولي، هل سيتقبلوني بينهم، لدرجة أني فكرت بالتراجع والعودة لبيتي، لكن كنت مضطرة أن أخوض هذه التجربة وأواجه المجتمع، عانيت كثيراً أول يوم وكنت أشعر بالتعب بسرعة وألم بظهري بسبب نقل الرمل، وكان الشباب الموجودين بالورشة طوال النهار ينظرون إليّ نظراتٍ غريبة ويضحكون ويتهامسون علي، هذا الأمر خلق بداخلي قوة وتحدي كبير، وأنه لا بد أن أثبت نفسي أمامهم، استمريت بالعمل وكنت منهكة تماماً.

ماذا كان يعمل زوجك سابقاً؟ وماهي ردة فعله على عملك؟

كان يعمل في مجال الباطون قبل نزوحنا ولكنه تعرض لإصابة أثناء عمله على أثرها لم يستطع الاستمرار بعمله، فلم يكن أمامي سوى أن أعمل عوضاً عنه ولا سيما أن أولادي صغار، في البداية كان الأمر صعباً عليه وعارض عملي، ولكن الظروف كانت أقوى مني ومنه، فالمال الذي كان بحوزتنا بدأ بالنفاد عندها وافق على عملي، فقد كان مجبراً وعاجزاً.

هل أثر هذا العمل على دورك ضمن عائلتك؟

بصراحة أثر كثيراً على عائلتي، ففي البداية كنت أصل للبيت منهكة تماماً، وغير قادرة على الحركة فأهملتُ شؤون عائلتي، ولكن عائلتي كانت تقدر تعبي وخروجي منذ الصباح فلم يتذمروا من تقصيري اتجاههم، ولكني أدركت المشكلة وأحاول جاهدةً أن أنسق قدر الإمكان بين عملي وواجباتي تجاه أبنائي، فأنا أعمل وأتعب لأجلهم.

هل تعرضت لأي مضايقات أثناء عملك؟ اشرحي لنا بعض المواقف الأيجابية والسلبية التي تعرضت لها؟

المعروف بمجتمعاتنا العربية أن المرأة الوحيدة عرضة للاستغلال والسخرية؛ وخاصةً إذ مارست عملا خاصا بالرجال يحتاج بنية جسدية قوية، يجعلون منها سخرية. واجهت مضايقات في بداية عملي من بعض الرجال وكانوا يسمعوني كلاماَ مستفزاً أذكر منه "ماخليتوا شي إلا واشتغلتوا في، لاحقينا على لقمة عيشنا، شو بدكن تقلبوا الكون، ما راح تقدري تستمري مفكرة حالك رجال، العما انعدمت الرجولة بها البلد وين جوزك عنك"، كانت هذه العبارات تنزل على مسمعي كالرصاص، وأشعر بالضيق والرغبة بالبكاء والصراخ بوجهم، فلا أحد يعلم حاجة الناس وما هي الظروف التي دفعتني للعمل، ورغم كل هذه المضايقات كان هناك أُناسٌ يُثنون علي رغم أنهم قلة ويشجعوني على العمل غير آبهةً بكلام الآخرين، فأكثر كلمة كُنتُ أُطرب لسمعاها والله إنكِ أُخت رجال، كانت تمدني بالقوة والتحدي ومواجهة كل الصعوبات.

ترجمة: فاطمة عاشور

ريهام توهان

من مواليد ريف دمشق. تخرجت من كلية الحقوق بجامعة دمشق. غادرت سوريا إلى الأردن بسبب الحرب. أتمت دورة اعداد قادة في مركز الدراسات الاستراتيجية. تسعى لتعلم الصحافة لنقل الحقيقة من داخل سوريا.