المدارس في ريف السويداء: تدني في الخدمات ونقص في الكوادر التعليمية

في الشتاء الماضي، دخل طالب إلى غرفته الصفّية في المدرسة التي يشرف عليها المدير فائد عبد الله ومعه "طاسة مازوت"، وقال أنه لا يستطيع التركيز بهذا البرد، وكانت الغرف المدرسية باردة لأن إمدادات وقود المازوت اللازمة لتشغيل المدافئ، والتي يفترض أن تأتي من مديرية تربية السويداء لم تصل أبداً، بحسب ماقاله المدير عبدالله، وكانت الحجة أن الوقود غير متوفر، ولايوجد تمويل لشرائه.

وقد عمل عبد الله في التدريس بمحافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية، والتي تخضع لسيطرة النظام، لأكثر من ثلاثة عقود، وذكر مدير المدرسة الكائنة في ريف السويداء الغربي، ذو الخامسة والخمسين من عمره، لـ نورا الباشا، مراسلة في سوريا على طول أن الكادر التعليمي والطلاب يعانون من تدني الخدمات في المدارس نتيجة الحرب.

وقال أنه "في العام الماضي تغيب عشرات الطلاب عن المدرسة التي أعمل مديرا لها بسبب نقص الوقود" وأضاف "ودائما كانت حجة مسؤولي النظام في ذلك هو عدم وجود إمكانية مادية حالياً وظروف الحرب التي تشهدها سوريا".

ومع اقتراب فصل الشتاء، يخشى عبدالله  تكرار سيناريو العام الماضي، وحاول موقع سوريا على طول التواصل مع مديرية التربية في السويداء هاتفياً أكثر من مرة للتحدث بهذا الموضوع، وأشار موظف في المديرية التواصل مع المكتب الإعلامي، ولم يكن هناك أي رد، وتم التواصل مع موظفة ثانية في يوم الإثنين، وذكرت أنها لا تعتقد أن هناك مكتب إعلامي للمديرية.

وتواصلت سوريا على طول أيضاً مع وزارة التربية والتعليم في دمشق، وتم إخبارها أن تقدم طلب من خلال الفاكس لأي استفسار، وحاولت سوريا على طول مراسلة الوزارة من خلال الفاكس باستخدام رقمين مختلفين، إلا أن المحاولتين باءتا بالفشل، ولم ترد الوزارة على جميع الاتصالات الهاتفية الأخرى لها.

وفي ظل غياب الخدمات الأساسية في محافظة السويداء ونقص الكوادر التعليمية واللامبالاة بمستقبل الطلاب في بلاد التي مزقتها الحرب وأرهقت اقتصادها فإن عدد الطلاب "المتخلفين عن المدرسة أكثر من أولئك الذين هم داخلها"، بحسب ما قال المدير.

"فنحن أمام مشكلة كبيرة تتعلق بمستقل العلم وإعداد الجيل القادم".

كيف تصف لنا وضع المدرسة اليوم؟

إذا ما أردنا مقارنة وضع المدارس كيف كان حالها قبل ستة أعوام، وكيف أصبح الآن باختصار أقول لك أن المدارس انحدرت بشكل كبير من الناحية المهنية و الناحية الأخلاقية، مروراً بالناحية الخدمية.

هل يمكن أن تسهب أكثر؟ وماذا تعنيه بتدني الناحية الخدمية؟

نحن اليوم على أبواب فصل الشتاء وبطبيعة الحال تحتاج المدارس لوقود لتدفئة الطلاب، وحتى اليوم لم يتم تزويد المدارس بكمية مازوت كافية لتدفئة الطلاب، بحجة عدم وجود الوقود.

ففي العام الماضي تغيب عشرات الطلاب عن المدرسة التي أعمل مديرا لها بسبب نقص الوقود، حتى أنني أذكر حادثة صادفتني في شهر كانون الثاني العام الماضي أن أحد الطلبة جاء إلى المدرسة ومعه (طاسة مازوت) من البيت، وعندما سألته لماذا؟ قال أريد أن أتعلم و أفهم (مو جاي عالمدرسة لأبرد واتشنطط).

صف دراسي في السويداء في كانون الأول 2016. حقزق نشر الصورة لـ مديرية التربية في السويداء.

و في اجتماع للمدرسين العام الماضي تحدث المدرسون عن قيام الطلاب بتحطيم مقاعدهم من أجل التدفئة،كنوع من الاحتجاج على نقص الوقود، وعلى الرغم من ذلك أكمل الطلبة في جميع مدارس السويداء فصل الشتاء في ظل برد قارس والمدافئ مطفئة.

هل تعاني المدارس من مشاكل في الكادر التدريسي؟

نعم أدى فصل عشراتالمدرسين من مختلف مدارس السويداء لنقص الكادر التدريسي في عدد من المدارس.

ففي المدرسة الثانوية ببلدتنا على سبيل المثال، قام الطلاب بتقديم طلبات نقلهم إلى مدارس مدينة السويداء بسبب نقص الكوادر من المدرسين وعدم وجود مدرسين متخصصين للفرع العلمي، وقام البعض باللجوء لبعض المدارس الخاصة حتى لم يبق في المدرسة إلا صف واحد يحوي 33 طالبا فقط، مع العلم أن البلدة تحوي 17 ألف نسمة من سكان محليين ولاجئين من محافظات عدة.

هناك أيضاً مشكلة الكهرباء فمدرسة الفنون النسوية تحتاج لكهرباء حتى يتم تشغيل (ماكينات الخياطة) وإعطاء الطلاب دروس عملية على هذه الماكينات.

تم التخلي عن الكثير من هذه الدروس بسبب وضع الكهرباء السيء وعدم امداد المدارس بمولدات يمكنها تشغيل هذه الماكينات لتعوض عن نقص الكهرباء والحجة أزمة الوقود وعدم توفر الميزانية الكافية لشراء مولدات ضخمة.

برأيك، ما أسباب المشاكل التي تواجهها المدارس؟ كيف تطورت هذه المشاكل خلال السنين الماضية؟

السبب هو إهمال الجانب التربوي من قبل حكومة النظام واعتنائها فقط بالشأن الخارجي، فمثلا هناك مئات الشباب من خريجي الجامعات يحتاجون لفرص عمل، وعلى الرغم من ذلك فإن المسابقات نتيجة الفوضى والرشوى والمحسوبيات تأخذ أعداد قليلة من غير المؤهلين ممن يمتلكون الواسطة والباقيين إما أنهم يهاجروا أو يلزموا بيوتهم بسبب البطالة.

هل صادفتك حادثة تدخلت فيها الواسطة بتعيين مدرس في مدرستك؟

نعم قدمنا طلب لمديرية التربية في السويداء العام الماضي أننا بحاجة لمدرس يدرس اللغة العربية في مدرستنا نتيجة سفر المُدرِسة التي كانت موجودة، وبعد أن انقطع الطلاب عن دروس اللغة العربية لمدة أسبوعين، أرسلوا لنا صبية درست معلم صف، وقالوا يمكنها إعطاء  الطلاب مادة العربي باعتبار اللغة العربية بمدرستكم مادة ثقافية، والمدرسة لم تكن كفؤاً لتعليم اللغة العربية، وأصلا هو  ليس اختصاصها، فصارت حصة اللغة العربية عند الطلاب حصة فراغ و لعب وضحك وفتح أحاديث مع المدرسة، وعلى الرغم من تنبيهها مرات عدة إلى الاهتمام بعملها بشكل أكبر، إلا أنه لاحياة لمن تنادي.

باعتبار أنك مدير ألا يمكنك أن تُقيل مدرسة بسبب التقصير؟

لا طبعا كل ما يمكنني فعله هو تقديم شكوى لمديرية التربية، وعلى ضوئها تقوم الأخيرة برفع الطلب للوزارة، ويتم إرسال موجه من التربية لحضور درس لهذه المدرسة بشكل مباغت وطبعا ليتم تقييمها وبعدها اما يتم اقالتها من قبل الوزارة أو لا.  ولكن من هو مدعوم بواسطة فلا مدير مدرسة ولاغيره يمكنه أن يقيله.

هل طلبت مساعدة من النظام ؟ وماذا كان رده؟ وكيف تقيم أداء النظام بما يخص قطاع التعليم؟

نعم توجهنا بطلب المساعدة، إذ أننا عانينا مؤخراً من ظاهرة انتشار مجموعة من المتسكعين (الزعران) على دراجات نارية أمام المدرسة والتحرش بالفتيات بعد انتهاء الدوام.

طلبنا من المخفر الموجود في البلدة أن يضع عناصر أمام المدرسة لردع هؤلاء الزعران، إلا أنه لم يستجب وبعد ضغوطات على المخفر من قبل مديرية التربية أرسل عنصرين ووضعهم أمام المدرسة، إلا أن هذا لم يحل المشكلة فقد تكرر الشجار بين الطلاب والزعران، وتطور الأمر في مرات عدة لاستخدام السلاح الأبيض وسقوط جرحى.

أرى أن النظام لا يهتم بالتعليم ولا بشؤون المدارس حالياً من كافة الجوانب، سواء من تأمين الكادر التدريسي أو من خلال تأمين الخدمات من مياه ووقود، وكتب وغيرها، ودائما حجة مسؤولي النظام في ذلك هو عدم وجود إمكانية مادية حالياً وظروف الحرب التي تشهدها سوريا.

في رأيك، هل يمتلك النظام القدرة على توفير خدمات كاملة للمدارس في المناطق تحت سيطرته؟

نعم، إنه قادر لكنه لا يريد المساعدة فعليا بوضع المدارس، وعلى وجه الخصوص في ريف محافظة السويداء الغربي الذي يعتبر خارجا عن سيطرته بعض الشيء.

 [في أجزاء من محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية، السلطة الحقيقية ليست بيد قوات الحكومة وإنما الوجهاء المحليين والميليشيا.]

ونحن نعلم أن الكثير من المنظمات العالمية تقدم الدعم للمدارس في سوريا إلا أن هذا الدعم لا يصل منه إلا القليل، وحتى على مستوى الكتب الدراسية. فمثلا توزع الكتب مجانا على طلاب المرحلة الابتدائية، إلا أن الكتب الجديدة ليست متوفرة كاملة وهناك كتب مهترئة يتم تقديمها للطالب، لا بل ويطلبون منا محاسبته في حال عدم اهتمامه بالكتاب المهترىء أصلا، ولا يتم تسليم كتب جديدة للطالب إلا عندما يغيرون المنهاج الدراسي كما حدث هذا العام.

والأوراق الامتحانية في الحقيقة الطلاب من يدفعون ثمنها، حيث يفرض عليهم رسم (تعاون ونشاط) سنويا ويتم جمعه وشراء أوراق امتحانيه به.

وفي مدرسة الفنون النسوية يفترض أن يقدم راتب للطالب وهذا ما كان يحصل قبل ستة أعوام.  هو راتب رمزي لكنه يكفي الطلاب مصاريف الطريق وأجور النقل تقريبا، ومنذ العام الماضي لم يتم تقديم راتب لهؤلاء الطلاب إلا مرتين خلال العام بحجة عدم وجود ميزانية وأموال.

ولا يقتصر الأمر على الراتب فحسب بل أيضا على الكثير من المستلزمات، التي ينبغي للمدرسة أن تقدمها للطالب بالمجان.

ما هو مستقبل تلك المدارس برأيك إذا ما استمر الوضع على حاله؟

أرى أن النتائج بدأت تظهر و أعداد الأطفال  في المرحلتين الإعدادية والثانوية على وجه الخصوص ممن هم متخلفين عن المدرسة أكثر من أولئك الذين هم داخلها.

 وفي ظل عدم نفاذ قوانين إلزامية التعليم نتيجة الفوضى،فإن العدد هذا مرجح بالزيادة، لا سيما مع تشكل قناعة جديدة لدى هؤلاء اليافعين مفادها (إنو رح ندرس ونتعلم ونتعب وآخر شيء عالشارع أو عالعسكرية بلا الدراسة من أصلها) فنحن أمام مشكلة كبيرة تتعلق بمستقل العلم وإعداد الجيل القادم.

ترجمة: فاطمة عاشور