النظام يفرض "رسوماً" على المحاصيل الزراعية في الجنوب والمزارعون يخسرون مصدر رزقهم

قال مزارعون في مناطق سيطرة المعارضة بمحافظة القنيطرة، جنوب سوريا، أنهم يخسرون آلاف الدولارات منذ أن فرض النظام "تعرفة جمركية" على المحاصيل خلال الأشهر الأخيرة، مما ألحق الضرر بالنظام الاقتصادي "الهش" القائم بين الحكومة والمعارضة في جنوب غرب البلاد.

وبدأ موسم الحصاد في بساتين البندورة والبامية في محافظة القنيطرة، على طول الحدود الجنوبية الغربية لسوريا مع مرتفعات الجولان التي تحتلها إسرائيل، الشهر الماضي، ويشكل محصول الصيف مصدر دخل رئيسي للمزارعين في مناطق سيطرة المعارضة، وهو ما يساعد على سد احتياجات آلاف العائلات خلال أشهر الشتاء.

ويتم نقل البندورة والبامية والفلفل بالصناديق عبر حواجز النظام إلى مناطق سيطرة النظام في محافظة درعا المجاورة، حيث يعتمد السكان على الخضراوات القادمة من ريف القنيطرة.

وقال المهندس ياسر الفحيلي، مدير مديرية زراعة القنيطرة، وعضو في المؤسسة العامة للزراعة في الحكومة المؤقتة، لسوريا على طول، الأربعاء "النظام بحاجة لهذه المواد والمزروعات (...) لأن أغلب المناطق الزراعية [في جنوب سوريا] خارج سيطرة النظام "، كما يدفع الفائض في الإنتاج المزارعين إلى البيع في الأسواق التابعة للنظام.

وتابع الفحيلي "كلا الطرفين بحاجة إلى الآخر بطريقة أو بأخرى".

لكن التعرفة الجمركية التي فرضها النظام، هذا العام، على المنتجات القادمة من مناطق سيطرة المعارضة في درعا والقنيطرة، عند أحد الحواجز في الأشهر الأخيرة، تمنع المزارعين من نقل محاصيلهم عبر حواجز النظام، بحسب ما قاله اثنان من المزارعين لسوريا على طول.

مزارع في ريف القنيطرة، يوم الأربعاء. تصوير: معاذ الأسعد.

ومنذ آذار، فُرضت التعريفة الجديدة عند حاجز خربة غزالة شمال مدينة درعا، حيث تدخل من خلاله جميع المنتجات القادمة من مناطق سيطرة المعارضة في درعا والقنيطرة إلى مناطق النظام، وتأثر المزارعون بشكل كبير بعد فرض التعرفة الجديدة، خاصة مع اقتراب موسم الحصاد.

وتوقف تدفق الخضراوات إلى مناطق سيطرة النظام يعني انهيار النظام الاقتصادي القائم في جنوب غرب سوريا مع اقتراب فصل الشتاء، مما يتسبب بخلل كبير في المنطقة التي تعتمد على الزراعة بشكل رئيسي.

واليوم، بقي محصول البندورة والبامية والفلفل في البساتين الممتدة دون حصاد، حيث يقول الأهالي "إن بعض المزارعين ممن يعتمدون على مبيعات أواخر الصيف يقولون إنهم لا يستطيعون دفع رسوم نقل محاصيلهم إلى مناطق النظام".

وقال علي أبو المجد، أحد المزارعين في ريف القنيطرة، لمراسل سوريا على طول معاذ الأسعد، الأربعاء "لم أبدأ في حصاد محصول البندورة بسبب ارتفاع الأسعار".

وأوضح أن التعرفة هي ٢٥ ليرة [حوالي ٠.٠٤ دولار]، للكيلوغرام الواحد من الخضراوات التي ينقلها عبر حاجز النظام، وهو مبلغ لا يستطيع تحمله.

وقال المجد "كان هذا العام سيء جدا بالنسبة لي".

من جهة أخرى، أدى ارتفاع أسعار المياه والوقود اللازم للري إلى إلحاق الضرر بمزارعي درعا والقنيطرة في الأسابيع الأخيرة.

وفي الشهر الماضي، سيطرت القوات الموالية للأسد على امتداد من الأراضي الخاضعة لحكم الثوار في محافظة السويداء، على بعد أكثر من 100كم شرق بساتين القنيطرة.

وبهذا التقدم، قُطع طريق التهريب المعقدة التي كانت تؤمن الديزل "منخفض التكلفة" من حقول النفط التابعة لتنظيم الدولة في شرقي سوريا عبر امتداد الصحراء ومن ثم إلى الغرب نحو مزارع درعا والقنيطرة، وهناك يحصل المزارعون المحليون على الوقود الرخيص لتشغيل أنظمة الري في مزارعهم وغيرها من التجهيزات الأخرى.

وقال أحمد أبو كرم، أحد مزارعي الطماطم في ريف درعا الشمالي على أطراف القنيطرة، لسوريا على طول، إن ما تبقى من الوقود والتجهيزات تنفد شيئاً فشيئاً ، وتباع بأسعار مرتفعة.

حقل طماطم في القنيطرة، الأربعاء. حقوق نشر الصورة لـ معاذ الأسعد.

وقال المزارع، وهو أب لخمسة أطفال، أن "ليتر المازوت وصل لـ500 ليرة سورية، مما زاد العبء على الفلاحين في المنطقة"، مشيراً أن مصاريف "حصاد و بيع المحصول من أجرة لعمال القطاف وأجرة نقل وضريبة المعابر تفوق سعر بيع المحصول".

وفي محاولة لتعويض ما أنفقه على المحروقات ومعدات الزراعة  في هذه السنة، لجأ أبو كرم إلى بيع المحاصيل في الأراضي التي يسيطر عليها النظام في محافظة دمشق المجاورة، ولكن تكاليف النقل عبر حواجز النظام كانت باهظة جداً وأكثر مما يُطاق.

و حين يئس كان الحل الأخير أمامه بيع المحصول لمعامل العصير في المنطقة "التي تشتري محصول البندورة بسعر رخيص جداً".

وقال أبو كرم لسوريا على طول "كنت أعتمد على المواسم الصيفية مثل البندورة والخيار و البامية و بعض المزروعات الأخرى لكي أستر نفسي وعائلتي في شتاء كل عام"، واستأنف "لكن المعابر التي وضعها النظام، أدت إلى تغيير السوق وكافة الأمور بشكل عام وقد أثرت على كل شيء هنا في المناطق المحررة".

ويقدّر المهندس ياسر الفحيلي، رئيس مديرة زراعة القنيطرة أن حجم الخسائر الإجمالية لمزارعي الطماطم المحليين خلال موسم الحصاد، لا تقل عن 2 مليار ليرة سورية، "وهذا خسارة محصول واحد فقط" حسب قوله.

ولا تعدو هذه الخسائر سوى جزءاً من الأضرار التي لحقت بالمحاصيل الغذائية في القنيطرة ودرعا منذ بدء الحرب والتي فاقت مئات الملايين من الدولارات، وفقا لتقرير أصدرته منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة عام 2017.

وإلى علي أبو المجد، مزارع من محافظة القنيطرة، فلم تطاوعه نفسه على البدء بحصاد محصوله من البندورة والذي ستذهب مرابحه سدى "ويعود ذلك إلى وضع نظام الأسد معابر على حدود المناطق المحررة والتي تأخذ ضريبة مالية على كل شيء"، بحسب ما قال، ولا يزال ينتظر أملاً بارتفاع الأسعار.

وتابع "ولكني لا أستطيع التأخر كثيراً في جني المحصول خوفاً من تلفه بالأرض، حيث أن المزارعين الذين هم بنفس المنطقة بدؤوا بقطاف محاصيلهم منذ بداية الشهر الثامن، ويستمر حصاد الموسم لنهاية شهر 11".

ساهم في التقرير معاذ الأسعد.

هذا التقرير هو جزء من تغطية سوريا على طول عن وضع المنطقة الجنوبية التي ستستمر لشهر بالتعاون مع منظمة كونراد أديناور وفريق من مجموعة مراسلين على أرض سوريا.

لقراءة تقريرنا التمهيدي عن المنطقة الجنوبية لسوريا هنا.

محمد عبدالستار إبراهيم

من محافظة الحسكة، مدينة عامودا، انتقل محمد إلى الأردن في عام 2004 بعد الأنتفاضة الكردية آنذاك ضد نظام البعث. مع بداية الثورة في الداخل السوري عمل ناشطاً مع تنسيقية الثورة السورية في الأردن. وانتقل فيما بعد إلى النشاط الإغاثي والتعليمي والدعم النفسي. ويسعى إلى تعلم الصحافة لنقل الحقيقة كما هي. ومحمد كاتب قصصي وروائي.