بعد انشقاقه عن قوات سوريا الديمقراطية، جندي كردي: شعرت بالتعب والعذاب النفسي من حمل السلاح والقتل والحياة العسكرية بالمجمل

سلك عامر محمد علي طريقه إلى الحدود الشمالية لسوريا، مختبئاً في سيارة مليئة بالبضائع، وفور توقف السيارة قرب الجانب التركي من الحدود، انطلق عامر باتجاه الأراضي التركية عبر الأسلاك الشائكة.

كان عامر، البالغ من العمر 25 عاما، من بلدة عامودا في محافظة الحسكة، انشق لتوه عن صفوف قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد، والتي تقاتل تنظيم الدولة الآن في الشمال،

حيث تطوع الشاب، بعد تخرجه من الجامعة، للقتال مع قوات سوريا الديمقراطية، في عام 2015 بعد ضغوط من أصدقائه.

ويقول علي إن أحد أسباب انضمامه للقوات هو "ضغوط الأصدقاء، الذين انضموا للقوات من أجل محاربة الإرهاب والخطر الذي كانت تواجهه مناطقنا الكردية".

ولكن بعد ما يقارب عامين من الخدمة العسكرية، أدرك علي أن حياة المقاتل لا تناسبه.

ويتابع قائلا، من ألمانيا حيث يعيش الآن، لمراسلة سوريا على طول نيفين الكردي، "شعرت بالتعب والعذاب النفسي من حمل السلاح والقتل والحياة العسكرية بالمجمل".

وحاول علي الحصول على استقالة أو تسريح مبكر من الخدمة، إلا أن طلباته الأربعة قوبلت بالرفض.

وبعد أن تعرض للإصابة في معركة، قرر أن الوقت حان للقيام بالترتيبات مع أحد المهربين للفرار من البلاد.

مجموعة من مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية يكملون دورتهم التدريبية، آذار 2017. تصوير: وكالة أنباء هاوار.

وتواصلت سوريا على طول مع متحدث باسم قوات سوريا الديمقراطية للسؤال عن عقوبة الانشقاق العسكري، فأجاب "تتعامل القيادة مع هذه المسائل، كما إن القوانين المتعلقة بالانشقاقات لا تعرض على العامة".

ما الذي دفعك لترك قوات سوريا الديمقراطية؟ متى أدركت أن الوقت حان لتهرب؟

أسباب عدة جعلتني أهرب من الحرب الدائرة في سوريا. خسرت الكثير من الرفاق والأصدقاء أمام عيني وهذا الشيء بالذات خلق في نفسي نقطة ضعف أدت إلى كرهي لحمل السلاح والمحاربة والقتل، حتى لو كان دفاعا عن النفس والأرض. وبكل بساطة كوني حامل شهادات جامعية قررت الاستقالة والعودة إلى أهلي وأصدقائي ودراستي ووظيفتي القديمة، لكن المشكلة بدأت عند رفضهم طلب الاستقالة لعدة مرات آنذاك، ما جعلني أفكر بالرحيل من الوطن كله لأن بقائي كان يساوي دمي.

وفي أخر فترة من تواجدي معهم (قوات سوريا الديمقراطية)، كنت أمر بضغوطات نفسية صعبة وكنت أعيش حالة خوف وذعر كبير، كما أنني كنت أتعرض كثيراً للإيذاء الجسدي بسبب الحرب القائمة، وفي إحدى المرات تعرضت لوعكة صحية اضطررت لأخذ إجازة مرضية فقد كان وضعي لا يحتمل البقاء، من هنا بدأت فكرة الهروب تزداد لدي.

كيف كانت حياتك أثناء فترة التجنيد؟

كانت حياة عذاب لأبعد حد، فالموت كان قريبا منا وكأننا نبصره، خاصة أننا دائما مستهدفين وأغلب تواجدنا في مناطق الاشتباكات، كنت أقضي أيامي في الحراسة والمعارك من مكان لمكان، وفترات الإجازة (الشخصية) كانت محدودة وقليلة، كما أنني كنت بعيدا عن أهلي ولم أكن ألتقي بهم لفترات طويلة. كان يمر علينا العديد من الأيام بلا نوم أو حتى مأكل.

هل يوجد لدى قوات سوريا الديمقراطية نظام تسريح مبكر أو استقالة؟

فقط في حالات الإعاقة، والاستقالة بالطبع تجوز لكن ما حصل معي كان غير ذلك، فقد طلبت منهم الاستقالة أربع مرات ودون أي جدوى، وكل مرة يرفضون لنفس الأسباب، ومنها بأن الوضع الآن غير مناسب وأنهم بحاجتي، أو لأنهم لا يريدون خسارة الشباب الجامعيين من بينهم.

كيف كانت حياتك في عامواد قبل التجنيد؟

أتممت دراستي وكنت أملك كفيتيريا صغيرة أعمل فيها بدوام ليلي. كما كنت موظفاً في معمل أعمل فيه محاسباً بدوام صباحي، وكانت حياتي بسيطة جداً كحياة باقي الشباب. انضِممت إلى الخدمة (قوات سوريا الديمقراطية) في عام 2015، واستمرت فترة تجنيدي ما يقارب الواحد والعشرين شهراً، ولم يكن إلزامياً فقد انضممت للتجنيد تطوعاً.

ماهو سبب انضمامك إلى صفوف قوات سوريا الديمقراطية؟

انضمامي كان نتيجة استشهاد أحد أبناء عمي وضغط الأصدقاء، كما أن جميع الشباب انضموا ليحاربو الإرهاب (تنظيم الدولة) والخطر الذي كان يواجه مناطقنا الكردية، وأنا من هذا المنطلق قررت الانضمام دون التفكير بشيء غير الدفاع. كنت أعتقد أن الحرب لن تدوم كل هذه السنوات، وأنني لن أبقى عسكرياً إلى الأبد. وتلك المشاكل أثناء الاستقالة لم أكن أتوقعها بصراحة لأنني توقعت أنه عندما ينتهي الخطر سأتمكن من ترك السلاح والعودة إلى القلم.

لماذا هربت إذا كنت أنت من تطوع للخدمة، ألم تشعر بالمسؤولية اتجاه ذلك؟

بعد خدمة طالت سنتين في المعارك، شعرت بالتعب والعذاب النفسي من حمل السلاح والقتل والحياة العسكرية بالمجمل، ومن جهة أخرى استشهاد العديد من أصدقائي في المعارك معي كان له أثر كبير في حياتي، وخوف الأهل علي وإقناعي بترك الخدمة، مع العلم أنهم كانوا رافضين الفكرة منذ البداية، وبالطبع شعرت بالمسؤولية اتجاه هربي لكن بعد خروجي لم يبق باليد حيلة.

هل لك أن تصف لي رحلتك منذ تركت سوريا حتى دخولك إلى تركيا، ومن ثم إلى ألمانيا؟

الهرب كان أصعب فترة لدي، تعرفت على بعض المهربين الذين يقومون بإخراج الناس إلى الطرف الآخر من الحدود. مع العلم أثناء هربي كنت مطلوباً للقتل من الطرفين، القوات الكردية والقوات التركية، فالقوات الكردية لم تكن تسمح لي بالخروج، والقوات التركية لم تكن ستسمح لي بالدخول، وخاصة أني كنت منتسباً للقوات الكردية والجميع يعلم علاقة تركيا مع الأكراد.

(تهيمن قوات الحماية الكردية، وهي الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي، على قوات سوريا الديمقراطية. من جهته، يحافظ حزب الاتحاد الديمقراطي، وهو حزب كردي سياسي، على علاقته بحزب العمال الكردستاني، وهو منظمة مقرها تركيا تخوض مواجهات عنيفة ضد الحكومة منذ عقود).

كان المهرب معروفاً في المنطقة وكان يتواصل مع الأتراك والقوات التركية لكي يأمن طريق التهريب، ذاك المهرب كان يهرب البضاعة دائماً من تركيا إلى روج آفا والعكس، وكان يشتري الطريق كله ليشتري بضاعته. من ناحية القوات الكردية قام بإخفائي ضمن سيارات البضاعة كي لا يراني أحد علماً بأنه لم يكن يهرب الناس أبداً وكان ذاك الطريق فقط لتهريب بضاعته لكن معرفتي به ودفعي له الكثير من المال، جعله يخاطر ويأخذني معه ليوصلني إلى الطرف الأخر.

أما بالنسبة للطرف التركي، كان علي الركض وتسلق الأسلاك الشائكة، لأن السيارات كانت تصل لنقطة معينة قبل الحدود التركية وتتوقف هناك، القصة واضحة في جميع دول العالم، دائماً هناك مهربين لهم تواصل مع حرس الحدود لشراء الطريق وعبور البضاعة بسلامة.بقيت فترة زمنية في تركيا باحثاً عن عمل وسكن، ولم أحظى بأي منهما، هكذا حتى تواصلت مع أحد أقاربي في ألمانيا للإستفسار عن كيفية وصولي إلى هناك ومساعدتي بمنحي أرقام هواتف بعض المهربين، وبعد عدة إجراءات وترتيبات في رحلة طالت سبعة شهور وصلت إلى ألمانيا بالسلامة.

(عبر عامر البحر المتوسط إلى أوروبا. ولم يرغب بتقديم أي تفاصيل أخرى عن تهريبه إلى ألمانيا).

ذكرت أن كلا من حرس الحدود الكردية والتركية كانا يشكلان تهديدا بالنسبة لك. هل كانت قوات سوريا الديمقراطية على دراية بانشقاقك؟

القوات الكردية تحرس الحدود أيضا مع تركيا، وعند خروج المدنيين تستطيع أن ترى من يخرج، والبطاقة التي يحصل عليها المدنيين للخروج، أي بطاقة الجمرك، لم أستطيع الحصول عليها من حرس الحدود، لأنهم يعرفونني من القوات الكردية، ولدي هوية عسكرية عندهم.
القوات التركية تعلم أننا كنا منتسبين للقوات الكردية، لأنني كنت في فترة زمنية حرس على منطقة حدودية مع تركيا، ودائماً كانوا يوجهون كاميرات المراقبة الحدودية علينا ليعرفوا من نحن بالأسماء، والقوات التركية تقتل وتعتقل الجميع بدون استثناء، ولا تسمح لأحد بالعبور وخاصةً أننا قادمون من جهة المناطق الكردية.

فالكثير من الشباب والأطفال والشيوخ والنساء تعرضوا للقتل على الحدود التركية أثناء عبورهم.

(في آيار، 2016، نشرت الهيومن رايتس ووتش تقريرا يوثق حالات عديدة قام فيها حرس الحدود التركي، والمعروف بالجندرما، بقتل وإصابة العديد من السوريين أثناء محاولتهم الوصول إلى تركيا).

كيف هي حياتك الآن في ألمانيا؟

حاليا في ألمانيا وصلت إلى المرحلة الثالثة في تعلم اللغة وما زالت مستمرا بالتعلم حتى أدخل الجامعة وأنهي دراستي وأعادل شهادتي السورية، كما أنني أعمل في صالون حلاقة هنا في ألمانيا، يسمونها فترة براكتيكوم، وهي عبارة عن 6 أشهر لتعلم المهنة بشكل جيد. لدي منزل صغير أعيش فيه وأصبح لدي أصدقاء ألمان وحياتي تسير بشكل طبيعي.

هل تخشى على أهلك من قوات الحماية؟ هل يمكن أن يتعرضوا للمضايقات بسبب هربك؟
لا أعتقد أن يحصل شيء كهذا، وإلى هذه اللحظة لم يحصل أي تهديدات موجهة لأهلي بسببي.
الجيش هو وسيلة لحماية الأرض والأهل، ألا تعتقد أنه واجب على كل شاب قادر أن يقوم بهذه الوظيفة لحماية أهله؟

بالتأكيد حماية الأهل والوطن مطلوب من الجميع، لكن لكل شخص ظروفه وحالته ووضعه الاجتماعي، وحمل السلاح بالذات لا يُطلب من الجميع فهناك طبيب وصحفي ومحامي .. الخ، وكل منهم يعمل ويخدم الوطن كما يخدم الجندي.

ترجمة: سما محمد.

محمد عبدالستار إبراهيم

من محافظة الحسكة، مدينة عامودا، انتقل محمد إلى الأردن في عام 2004 بعد الأنتفاضة الكردية آنذاك ضد نظام البعث. مع بداية الثورة في الداخل السوري عمل ناشطاً مع تنسيقية الثورة السورية في الأردن. وانتقل فيما بعد إلى النشاط الإغاثي والتعليمي والدعم النفسي. ويسعى إلى تعلم الصحافة لنقل الحقيقة كما هي. ومحمد كاتب قصصي وروائي.

نيفين الكردي

من القامشلي، سوريا. درست إدارة مطارات وعلوم الطيران. انضمت للتدريب في سوريا على طول بمجال الصحافة والإعلام متأملة بإيجاد الحلول للحرب الدائرة في سوريا من خلال تعلم ونشر التقارير.