بعد خمس سنوات في لبنان لاجئة سورية تتحدث عن عودتها

بينما كانت الحافلة التي تقل رحاب أم بكر تشق طريقها في شوارع دمشق، يوم الأحد الماضي، كانت السيدة البالغة من العمر ٣٦ عاماً تنظر من النافذة إلى المدينة المنهكة من سنوات الحرب.

وكانت تلك أول مرة ترى فيها أم بكر العاصمة السورية منذ هجرتها مع أسرتها المكونة من ستة أفراد من منزلهم في معضمية الشام إلى لبنان، منذ أكثر من خمس سنوات.

وهناك، في سهل البقاع شمال شرق لبنان، استأجرت العائلة منزلاً، ووجد زوج أم بكر عملاً في متجر للحلويات، تقول الممرضة السابقة لمراسلة سوريا على طول بهيرة الزرير "كنا مستورين"، واستخدمت اسماً مستعاراً خوفاً من ملاحقتها من قبل الحكومة.

لكن ظروف الأسرة ساءت مع مرور الوقت، حيث وصل أكثر من مليون سوري إلى لبنان وازداد العداء تجاه اللاجئين، وعلى حدّ قولها  "يعاملوننا كأننا قمامة، أصعب شعور أن تحسّ بأنك شخص غير مرغوب فيه"

اللاجئون السوريون يستقلون الحافلات على الحدود اللبنانية السورية، يوم الأحد. تصوير: حسن جراح/AFP

وعندما قال أقارب أم بكر في سوريا أن الوضع في بلدتها المحاصرة سابقاً قد تحسن، بعد أن استعادت الحكومة السيطرة عليها عام ٢٠١٦، بدأت العائلة تفكر بالعودة.

قالت أم بكر "لم نكن ننوي العودة قبل سقوط بشار"، لكن ظروف المعيشة في لبنان، خاصة بعد وفاة زوجها بنوبة قلبية قبل شهرين، كانت صعبة للغاية.

وفي يوم الأحد الماضي، انضم أفراد عائلة أم بكر إلى العشرات من سكان المعضمية الآخرين في القافلة الثالثة التي ينظمها السوريون للعودة طواعية إلى سوريا من لبنان، منذ بداية العام.

وفي المعضمية، التمّ شمل العائلة مع الأصدقاء والأقارب بعد سنوات من الانفصال، وشعرت أم بكر بحلاوة ومرارة العودة في آن واحد، فمنزلها لا يزال قائماً لكنه فارغ، حيث نهب كل ما فيه وصولاً إلى الأسلاك الكهربائية.

وقالت أم بكر، بعد سنوات من الحرب والحياة في المنفى، إن العودة إلى الوطن والعيش في مدينة تسيطر عليها الحكومة "شعرتُ بالحزن... عدنا لنعيش تحت سيطرة النظام وكأن شيئاً لم يكن".

متى ولماذا غادرت سوريا إلى لبنان؟

خرجنا من المعضمية بشهر كانون الأول من عام ٢٠١٢، وكان سبب خروجنا لأن الأمن استدعاني أكثر من مرة للتحقيق بتهمة أن لي صلة بالإرهابيين، وأنني أعالجهم، وكما تعلمين بحسب عاداتنا وتقاليدنا في سوريا إذا انطلبت المرأة من قبل الأمن هذا عيب كبير وشيء مستهجن، عندها خاف زوجي بعد أن طلبني الأمن وتركنا كل شيء وخرجنا من المدينة.

خشي زوجي عليَ من الاعتقال وهذا الشيء بمجتمعنا يعني أن العائلة كلها ستتدمر، لم يكن أمامنا إلا الخروج عن طريق التهريب إلى لبنان، لم أتمكن من الخروج بطريقة نظامية لأن النظام عمم اسمي.

 

كيف كانت حياتك كلاجئة سورية في لبنان؟

أول سنتين من نزوحنا إلى لبنان كان الوضع مقبولاً، وكنا مستورين وسجلنا بالمفوضية، وبعدما وصلنا إلى لبنان استأجرنا بيت في قرية اسمها الصويري في البقاع الغربي، كان يقيم بها أقارب زوجي، وعمل زوجي بعد وصولنا إلى لبنان بمحل معجنات.

لكن في آخر سنتين الوضع أصبح مخيفا لدرجة إذا سمعنا شخص لبناني نتكلم باللهجة السورية يعاملنا على أننا زبالة أو حرف ناقص، اللبنانيون كرهونا بعد أن طالت مدة بقائنا هناك، كنا نسمعهم يشتموننا ونصمت، وأصبحنا نتكلم اللهجة اللبنانية وغيرنا طريقة لبسنا السوري كي لا نسمع أي كلمة جارحة منهم. أصعب شعور أن تشعر بأنك شخص غير مرغوب فيه.

تدهور وضع اللاجئين كثيرا وأصبحت الحكومة اللبنانية تضيق علينا وتطلب إقامات وتراخيص، طردوا زوجي من عمله، وأولادي توقفوا عن الذهاب إلى المدرسة، منذ سنة انقطعوا عن الدوام.

ثم مرض زوجي وبقي بلا عمل وليس لدينا المال لندفع تكاليف علاجه، "والله صارت أيامنا سودا".

ما هو سبب اتخاذكم قرار العودة؟

عندما استعاد النظام المعضمية، كنت أتواصل مع إخوتي وأقربائنا وأسألهم عن وضعهم، كانوا يتكلمون معنا بلغة الألغاز، ويقولون الوضع جيد والمعضمية آمنة بعد ما تحررت من الإرهابيين ونصحونا بالعودة ويقولون إن الأوضاع تعود تدريجياً كما كانت قبل، وقالوا لنا "انسوا ما حدث في عام ٢٠١٢، أصبح ماضي" وطبعاً كلامهم كان بالألغاز لأنهم يخافون من النظام وأن تكون خطوط هواتفهم مراقبة.

كنا دائماً نتابع الأخبار وما يحدث في سوريا، رأينا كل البلدات تستسلم وتتسلم للنظام، وبسبب وضعنا السيء بلبنان بدأنا نفكر بالعودة بشكل جدي.

لم نكن ننوي العودة قبل سقوط بشار، لكن للأسف سقوط بشار هو مجرد حلم لكل السوريين.

ومنذ خمسة أشهر ذهبت أنا وزوجي وسجلنا طلب عودة طوعية بالأمن العام اللبناني، وكتبنا كل أسماء العائلة ورقم الهاتف وقالوا لنا نحن نخبركم إذا تم قبول أسمائكم للعودة، لأن من يود العودة ينبغي أن يعمل مصالحة مع النظام السوري، والموافقة تكون من مكتب الأمن الوطني على الأسماء التي يتم رفعها من قبل السلطات اللبنانية.

وعندما أصدروا القانون رقم ١٠ حسب ما فهمنا أنه إذا لم نعد سنخسر بيتنا ومحل زوجي لذا قررت أن أرجع.

وبعد أن قدمنا طلب العودة بثلاثة أشهر توفي زوجي بجلطة قلبية، بعد موت زوجي تواصلت مع هيئة المصالحة بالمعضمية وأخبرتهم بوضعي بشكل تفصيل منذ لحظة خروجنا من سوريا، قاموا بتشييك أمني على اسمي وقدموا لي ضمانات أنه لن يتم اعتقالي كون يداي لم تتلوث بدماء السوريين، والضمان بعدم التعرض لأولادي وأن أرجع لوظيفتي بالمشفى.

ومع كل المسؤوليات وازدياد العبء عليَ كأرملة وأولادي دون مدارس وإيجار بيت متراكم وفواتير ماء وكهربا، جاء الخلاص عندما سمعت بإمكانية العودة مهما كانت النتائج.

كيف كانت رحلة العودة من لبنان إلى سوريا؟

غادرنا لبنان على متن حافلتين، ظهر الأحد. عدد الأِشخاص الذين عادوا معنا حوالي ٥٠ شخص أو أكتر قليلا أغلبهم نساء وأطفال وشباب تحت عمر ١٨ والنساء اللواتي كن معي تركن أزواجهن بلبنان إلى حين التأكد من الوضع بالمعضمية.

انطلقت الحافلات ثم بقينا حوالي ساعتين ونصف بمنطقة المصنع ننتظر الحافلات السورية حتى تنقلنا للداخل، كان الأمن العام اللبناني ولجنة مصالحة المعضمية وسيارة الأمن السوري موجودة، وبعد أن وصلت الباصات السورية صعدنا فيها وبكل باص عنصرين من الأمن السوري، وعندما دخلنا الأراضي السورية النظام لقّح الاطفال بلقاح شلل الأطفال ورحبوا بعودتنا.

ماذا رأيت وكيف شعرت عندما دخلت سوريا؟

رأيت الشام حزينة وآثار الحرب موجودة بكل الطرقات التي مشت فيها الباصات.

 

شعوري كإنسانة عادت لحضن وطنها وبيتها وأرضها وناسها كيف سيكون؟ "كنت طايرة من الفرحة" مع غصة كبيرة بقلبي أني فقدت زوجي أبو أولادي وسندي لو كان معي لكانت فرحتي اكتملت.

شعرت بالحزن لما خسرناه بالسنين الماضية، وكيف تعرضنا للذل والإهانة، وعدنا لنعيش تحت سيطرة النظام وكأن شيئاً لم يكن وكل همنا رضا النظام، هذا الشعور كان قهراً، لكن ما بقي أمامنا سوى هذا الحل.

كيف كانت عودتك لبيتك وأهلك؟ هل كنت قادرة على العودة لمنزلك؟

أهل المعضمية جميعهم خرجوا لاستقبالنا ورشوا علينا الأرز، عندما رأيت أهلي بعد ست سنوات، أمي لم تكن تصدق أنني أمامها وإخوتي وأهل زوجي، كنا نبكي ونضحك بنفس الوقت وتمنيت لو زوجي كان معنا بهذا اليوم.

بيتي كان مسروقاً، كل ما فيه ليس فقط الأثاث، وإنما الأبواب والشبابيك حتى أسلاك الكهرباء "يعني رجعنا من الصفر" لكن الحمد لله أن المنزل مازال موجوداً.

الآن أنا موجودة في بيت أهلي والناس تأتي لتسلم علي وتهنئني بعودتي سالمة، أريد أن أصلح منزلي حتى لو غرفة لأسكن فيها أنا وأولادي.

هل لديك أي مخاوف من عودتك لسوريا بعد سنوات من الغياب عنها؟

خائفة جداً من أن يخلف النظام بوعوده معي ويقوم باعتقالي بتهمة مدبرة مسبقة منه، وخائفة على مستقبل أولادي، إذا لا قدر الله أصابني شيء ليس لهم غيري قد يصبح وضعهم أسوأ مما كان عليه بلبنان.

 

ترجمة: سما محمد

بهيرة الزرير

ولدت في دمشق. ودرست إدارة الأعمال والتسويق، غادرت إلى الأردن في العام 2013 بسبب الحرب. عملت كمتطوعة في منظمات دولية لمساعدة اللاجئين. قررت الانضمام إلى فريق سوريا على طول لتطوير مهاراتها وايجاد طريق جديد في حياتها.

أيفري أدلمان، مراسل ومترجم

تخرج أيفري من جامعة تفتس عام 2014، وحصل على شهادة البكالوريوس بتخصص العلاقات الدولية واللغة العربية.