بعد قضاء العطلة على أرض الوطن، الآلاف من السوريين يقررون البقاء هناك إلى الأبد

عمان: عندما تجاوز أبو عبدو (26 عاماً) الحدود إلى سوريا قادماً من جنوب تركيا في شهر حزيران، كان يخطط للقيام بزيارة مؤقتة لمدة شهرين إلى مسقط رأسه غربي حلب، "أنا متأكد من أنني سأعود إلى تركيا"، ذكر أبو عبدو، طالب كلية الحقوق والأب لطفلين، لسوريا على طول.

كان أبو عبدو وأسرته من بين أكثر من (200.000) لاجئ سوري سافروا من تركيا جنوباً منذ شهر حزيران، وذلك وفقاً للأرقام التي قدمها اثنان من الأشخاص المسؤولين عن الحدود السورية إلى سوريا على طول، وقد منحت السلطات التركية اللاجئين، الذين يتعيّن عليهم جميعاً الحصول على وثائق تعريف تركية، إذناً خاصاً لقضاء أيام العطل الإسلامية الرئيسية في سوريا ومن ثم العودة إلى السلامة النسبية المتوفرة في تركيا، وذلك في غضون مهل زمنية تتفاوت حسب سبب العبور وشكل العطلة.

وبمجرد انتهاء مدة مهلة العودة، لا يعود عبور الحدود، التي أغلقت أمام حركة مرور المدنيين العاديين منذ عام 2015، خياراً قانونياً.

انتهت مهلة أبو عبدو في شهر آب، ومع ذلك، لا يزال هو وأسرته في سوريا، ويقول: "عندما رأيت الوضع في سوريا، قررت البقاء هناك".

لم يكن أبو عبدو الشخص الوحيد الذي قرر البقاء، بل حذا حذوه نحو (20.000) شخص من السوريين الذين غادروا في إطار برنامج العطل منذ شهر حزيران وقرروا البقاء في سوريا، وبهذا يتخلى هؤلاء السوريون عن وضع الحماية الذي حصلوا عليه كلاجئين في تركيا، بهدف العيش في منطقة عسكرية، وإن كانت تشهد المزيد من اتفاقيات وقف إطلاق النار بدلاً من تجدد المعارك.

وبمناسبة عيدي الفطر والأضحى في حزيران وأواخر شهر آب، سمح المسؤولون الأتراك للاجئين السوريين الذين يحملون وثائق تعريف صالحة بالعبور من خلال معبرين محددين من بين (11) نقطة عبور رسمية بين تركيا وسوريا، حيث يتعيّن على المسافرين الدخول والخروج من سوريا من خلال المعبر نفسه.

دخل نحو نصف السوريين من معبر باب السلامة، شمال محافظة حلب، الذي كان مفتوحاً أمام المسافرين لقضاء أيام العطلة في فترتين منفصلتين وذلك منذ شهر حزيران ، حيث انتهت العطلة الأخيرة في الأسبوع الماضي.

السوريون يعبرون من تركيا إلى شمال سوريا في حزيران. حقوق النشر لمعبر باب الهوى.

أما المجموعة الأخرى من السوريين فقد دخلت من معبر باب الهوى في محافظة إدلب التي تسيطر عليها المعارضة، وكان يتعيّن على المسافرين العودة من خلال باب الهوى إلى تركيا في تشرين الثاني وذلك بموجب الموعد النهائي للتصاريح، وعند هذه النقطة بالذات، من المرجح أن يرتفع عدد الأشخاص الذين قرروا البقاء في سوريا بصورة دائمة.

وذكر المتحدث باسم باب الهوى لسوريا على طول أن العطل هذا العام لم تكن الأولى من نوعها التي يسمح فيها للاجئين السوريين في تركيا بالعودة إلى ديارهم لفترة مؤقتة، إلا أن عدد الذين اختاروا البقاء بصورة دائمة في السنوات السابقة كان "قليلاً للغاية مقارنة مع هذا العام، بل من النادر أن يحدث ذلك سابقاُ".

وذكر المتحدث باسم باب الهوى لسوريا على طول أن العطل هذا العام لم تكن الأولى من نوعها التي يسمح فيها للاجئين السوريين في تركيا بالعودة إلى ديارهم لفترة مؤقتة، إلا أن عدد الذين اختاروا البقاء بصورة دائمة هذا العام مقارنة مع السنوات السابقة كان "مضاعفاً".

فقبل عام، كان تنظيم الدولة يسيطر على أجزاء كبيرة من المنطقة الواقعة تماماً جنوب معبر باب السلامة، وكانت المعركة من أجل السيطرة على مدينة حلب مستعرة أيضاً، وكان القصف الذي تشنه قوات النظام على إدلب، التي تسيطر عليها المعارضة، أمراً مألوفاً.

"بكل تأكيد كان للوضع في المنطقة تأثير كبير على قرار العودة والبقاء بصورة دائمة"، بحسب ما ذكر أحمد حاج المتحدث باسم معبر باب السلامة الذي تديره المعارضة في شمال محافظة حلب.

استولت القوات الموالية للنظام في شهر كانون الأول الماضي على مدينة حلب بكاملها، وبعد أشهر، قامت قوات المعارضة المدعومة من تركيا بإجبار تنظيم الدولة على الخروج من آخر معاقله الرئيسية في ريف حلب، مما أدى إلى فترة من الهدوء النسبي في جميع أنحاء المحافظة.

كما شهدت إدلب، معقل المعارضة في المنطقة الغربية، فترة من الهدوء في الأشهر التي تلت إعلان أيار والذي تمثل في خطة مدعومة من روسيا تحت اسم "مناطق تخفيف التصعيد" في سوريا. وفي شهر أيلول، تم التأكيد بأن إدلب ستكون المنطقة الرابعة والأخيرة.

وكان الوضع الأمني في شمال سوريا هو الشغل الشاغل لأبي عبدو، الذي دخل محافظة إدلب عبر معبر باب الهوى في شهر حزيران بعد أن حصل على موعد بالعودة في غضون شهرين.

ويذكر أبو عبدو: "لقد منحني [التصريح] فرصة للتفكير"، ويضيف: "فإذا لم تسر الأمور على ما يرام، وشعرت بأن وقف إطلاق النار لن يدوم، فسيكون لدي الفرصة للعودة إلى تركيا".

يعترف أبو عبدو بأن العنف قد يستمر، فيقول: "بالطبع الأمان أمر نسبي، لكنه لا يعم جميع المناطق".

وبعد أيام قليلة من التأكيد على أن إدلب تشكل إحدى مناطق تخفيف التصعيد، أطلقت قوات النظام والقوات الروسية المتحالفة معه العنان لحملة عسكرية تتمثل في شن غارات جوية فظيعة استهدفت الريف الجنوبي للمحافظة، وفقاً لما ذكرته سوريا على طول في ذلك الوقت. ومنذ ذلك الحين والقوات الموالية للنظام تواصل استهداف أجزاء من شمال غرب سوريا بين حين وآخر.

وقد تحدث أبو عبدو يوم الأحد الماضي لسوريا على طول، وقال "لقد وقع تفجير بالأمس، لكن وتيرة التفجيرات انخفضت أقل بكثير من ذي قبل".

"في تركيا، كل شيء غالي الثمن".

وذكرت رولا أمين، المتحدثة باسم المفوضية السامية للاجئين التابعة للأمم المتحدة عن شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بأن تحسين الوضع الأمني يعتبر من بين العوامل الرئيسية التي تؤثر على قرار العودة إلى سوريا.

ومن بين العوامل الأخرى لم شمل الأسر وفرص العمل المحدودة في البلدان المضيفة، حسب ما ذكرت لسوريا على طول، يوم الاثنين.

مسؤولو الحدود يتحققون من وثائق المسافرين في باب الهوى (آب). حقوق النشر لمعبر باب الهوى.

وعلى الرغم من أن تركيا، التي تستضيف حالياً أكثر من ثلاثة ملايين لاجئ سوري، بدأت في عام 2016 بمنح تصاريح عمل للسوريين، إلا أنه لم يتم إصدار سوى عدد يقل عن 20 ألف تصريح عمل، وكخيار بديل، يقوم مئات الآلاف من السوريين بالعمل في الاقتصاد غير الرسمي حيث الأجور المنخفضة والاستغلال.

ويقول أبو عبدو: "في تركيا، كل شيء غالي الثمن، فإن لم تعمل، فلا يمكنك العيش هناك".

يقول أبو عبدو إنه لم يتمكن خلال إقامته في تركيا من الحصول على فرصة عمل سوى كنجار ومن ثم كدهان مقابل أجر لا يكفي لقوته اليومي.

كما استفاد أبو عبدو من فترة قضاء العطلة في سوريا باحثاً عن فرصة عمل، وقد نجح، حيث يعمل الآن ككاتب عدل في إحدى محاكم محافظة إدلب، بالإضافة إلى أنه يستطيع مواصلة دراساته القانونية على هامش الوظيفة.

تذكرة ذهاب بلا عودة

إن فرصة تقييم الوضع في سوريا خلال العطلات قبل اتخاذ قرار نهائي بشأن البقاء في سوريا من عدمه غير متاحة لجميع اللاجئين السوريين في تركيا.

عاد أديب، وهو طالب يبلغ من العمر 22 عاماً من ريف حلب الشمالي، إلى سوريا قادماً من تركيا في شهر حزيران، وعلى عكس مئات الآلاف من السوريين الذين سافروا في إطار برنامج العطل، لم يتوفر لأديب خيار الذهاب والعودة.

فخلال فترة إقامة أديب في تركيا والتي استمرت ستة أشهر، لم يتمكن من إتمام العملية المعقدة التي تستغرق وقتاً طويلاً للحصول على بطاقة هوية صادرة عن تركيا.

فالهوية بالنسبة للاجئين السوريين ليست الإجراء الضروري الوحيد الذي يوفر لهم فرصة الوصول إلى الخدمات العامة مثل الرعاية الصحية والتعليم، بل أيضاً الإجراء الذي يمكنهم من الحصول على إذن السفر في إطار برنامج العطل.

عندما يصل اللاجئون إلى الحدود كجزء من البرنامج المذكور، يُطلب منهم تسليم بطاقات الهوية الصادرة عن تركيا قبل الحصول على إذن بالعودة واختيار الموعد المناسب.

عودة السوريين إلى تركيا عبر باب الهوى يوم السبت. حقوق النشر لمعبر باب الهوى.

ولن يكون هناك أي ضمان لعودة أديب إلى تركيا دون القيام أولاً باستصدار هوية خاصة به، لذلك كان عليه أن يفكر ملياً قبل اتخاذ قرار العودة ومغادرة الأراضي التركية، وإلا ستكون المسألة بمثابة المقامرة.

أشار أديب إلى أن المنطقة أصبحت "هادئة نسبياً" بعد اتفاق تخفيف التصعيد الذي تدعمه روسيا، بيد أنه قال أيضاً إن تكاليف المعيشة في تركيا لعبت دوراً في عملية اتخاذ قرار العودة.

يقول أديب: "يجب أن تعمل 12 ساعة يومياً لتغطية النفقات. وبهذا تصبح الدراسة أمراً مستحيلاً".

وبعد أن اتخذ أديب قرار العودة، عبر إلى سوريا عبر معبر جرابلس، شمال غرب محافظة حلب، حيث لا يستطيع السوريون السفر إلا في اتجاه واحد، وبهذا لم يحصل على إذن بالعودة إلى تركيا.

وبصورة مشابهة ووفقاً لإحصائيات الأمم المتحدة، عاد نحو (20.000) لاجئ سوري من تركيا للإقامة في سوريا بصورة دائمة تحت عنوان "المساعدة الذاتية على العودة" وذلك في النصف الأول من عام 2017.

من الجدير ذكره أن الأمم المتحدة لا توصي بهكذا خطوة.

وتذكر رولا أمين، المتحدثة باسم المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، لسوريا على طول: "لا تقوم المفوضية السامية بتشجيع أو تسهيل عودة اللاجئين إلى سوريا".

وتضيف: "إن مستوى تدمير المساكن والبنية التحتية والخدمات الأساسية وشبكات الأمان الاجتماعي وفرص كسب العيش داخل البلاد عالٍ للغاية؛ كما أن الوضع الأمني ما يزال متقلباً."

ويضيف أبو عبدو أنه في حال عاد القصف المكثف على شمال سوريا: "فسيكون هناك بعض الأسف" بشأن قراره.

لكنه راضٍ بالوضع الراهن.

"وضعنا جيد، فهو أفضل بكثير مما كان عليه في تركيا."

 

نورا حوراني

حصلت نورا على شهادة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي من جامعة تشرين، عملت كصحفية في "سوريا على طول" منذ عام 2014، وحاصلة على شهادة في صحافة البيانات لتعزيز الكتابة الصحفية المتخصصة بحقوق النسان من "مركز حماية وحرية الصحفيين في الأردن"، وشاركت في العديد من الندوات المتعلقة بتطوير المجتمع المدني.