تحت القصف وبملابسهم التي يرتدونها ينزح أهالي الغوطة الشرقية من بلدة إلى أخرى

 ازدادت الأزمة الإنسانية الناجمة عن مئات الغارات الجوية على الغوطة الشرقية في الأشهر الأخيرة، حيث أكد السكان أنهم ينتقلون من بلدة إلى أخرى، بملابسهم التي يرتدونها هرباً من خط المواجهة المشتعل.

ويدور القتال في الوقت الراهن بين كلاً من النظام وقوات المعارضة للسيطرة على إدارة المركبات، الواقعة شمال شرق دمشق، والمحاصرة بشكل كامل تقريباً بمناطق تابعة لقوات المعارضة في جيب الغوطة الشرقية الواقع تحت سيطرة الثوار.

أما بالنسبة لسكان الغوطة الشرقية الذين يعيشون بالقرب من الإدارة فإن المعارك البرية والقصف الجوي من قبل الحكومة دفعتهم للبحث عن الأمان في أماكن أخرى، وهو ما حصل مع إحدى العائلات التي اضطرت للفرار من منزلها في مدينة حرستا، الواقعة شمال إدارة المركبات مباشرة، بعد أن دمرت غارة جوية حكومية منزلهم الواقع بالقرب من خط المواجهة الأسبوع الماض.

وقال عبد الرحمن كوكي، يبلغ من العمر 51 عاماً من مدينة حرستا في الغوطة الشرقية، لسوريا على طول "خرجنا بملابسنا التي نرتديها فقط "، حيث غادرت العائلة مسقط رأسها قبل أسبوع وسط غارات جوية حكومية والقتال البري القريب، مضيفاً أن منزله "تعرض للقصف وتدمر بشكل كامل".

وبعد يومين من البحث تاركاً زوجته وأطفاله في محل تجاري غير مكسو يبعد عدة كيلومترات من منزلهم، استطاع الكوكي ايجاد منزل جديد بإيجار مقبول في مبنى يقع في بلدة مسرابا التي يسيطر عليها الثوار على بعد ثلاثة كيلومترات شرقاً، ويعتمد هناك على المنظمات الإغاثية للحصول على الغذاء "من أجل البقاء على قيد الحياة" على حد قوله.

والشئ الوحيد الذي ساعد الكوكي على إيجاد شقة رخيصة نسبياً هو موقع الشقة المرتفع، حيث تقع في الطابق الثالث، وهي في هذه الظروف غير مرغوبة من السكان لأنها أكثر عرضةً للقصف، وقال "في الغوطة غالباً لا أحد يستخدم البيوت المرتفعة لأن درجة خطورتها كبيرة ويوجد قصف شديد".

بعد الغارات الجوية على عربين، الغوطة الشرقية يوم الاثنين، تصوير عامر الموهباني.

وكان كوكي من بين آلاف السكان الآخرين الذين فروا من حرستا خلال الأسبوعين الماضيين، بعد المعركة الشرسة التي بدأت في تشرين الثاني واستمرت أسبوعاً بين الحكومة السورية وقوات المعارضة في محاولة للسيطرة على إدارة المركبات.

وقد فر ما لا يقل عن 900 عائلة من مسقط رأس كوكي، حرستا التي تقع شمال إدارة المركبات المحاصرة مباشرةً  خلال الاثنى عشر يوماً الماضية، وفقاً لما ذكره حسام البيروتي، رئيس المجلس المحلي في المدينة، كما استهدفت المدينة بما لا يقل عن 85 ضربة جوية صباح يوم الأربعاء، وفقاً لإحصاءات نشرها الدفاع المدني السوري على الإنترنت.

والجدير بالذكر أن الغوطة الشرقية، والتي تتألف من مجموعة من الضواحي التي تسيطر عليها قوات المعارضة والواقعة شمال شرق دمشق، مدرجة فى اتفاق وقف التصعيد الذي توسطت فيه إيران وروسيا في شهر أيار الماضي الذي شمل أربع مناطق في جميع أنحاء البلاد.

وفي ظل الاشتباكات البرية المستمرة، تطلق القوات الموالية للحكومة وابلاً من الغارات الجوية وقذائف المدفعية على الغوطة الشرقية مدمرةً بذلك الجيب المحاصر.

كما أن أثر القصف خارج حرستا كان كارثياً، حيث قتل ما لايقل عن 85 شخصاً بينهم 30 طفلاً جراء الغارات الجوية والقصف المدفعي في الغوطة الشرقية منذ 31 كانون الأول الماضي، وفقاً لبيان صادر عن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين نشر على الانترنت يوم الأربعاء.

وكانت قوات الحكومة السورية قد حاصرت الغوطة الشرقية منذ عام 2013، واشتد الحصار في الأشهر الأخيرة بعد إغلاق القوات الحكومية معبراً تجارياً رئيسياً في الجيب التي كان يتم عن طريقها إدخال الأغذية والإمدادات الأخرى سابقاً.

 ولا يسمح النظام السوري للسكان بمغادرة الغوطة الشرقية إلى المناطق الحكومية المحيطة باستثناء بعض الحالات الطبية العاجلة، تاركاً أولئك الذين يأملون بالفرار من القصف دون أي خيار سوى التنقل داخل الجيب بالرغم من تدمير الغارات الجوية الحكومية والروسية أماكن كثيرة من الغوطة الشرقية.

ولم تذكر كلاً من وكالة الأنباء السورية سانا ووكالة تاس الروسية  شيئاً عن تفجيرات الأسبوع الماضي.

وقال أبو أحمد زين، عضو المكتب الإعلامي في حرستا لسوريا على طول أن العاملين في مجال الإغاثة والمجالس المحلية داخل الغوطة الشرقية غير مجهزين لخدمة هذا العدد من الأسر النازحة المتدفقة، كما أن  الطرق الرئيسية إلى الخارج "خطرة ومرصود بالقذائف" على حد قوله.

وأضاف "وإن تمكن السكان من الوصول إلى الخارج، فإن الوضع لن يكون أفضل، لأنه لا يوجد مأوى، وإن وجدوا فالإيجارات ستكون مرتفعة جداً".

وكما هو الحال بالنسبة لآلاف النازحين، فإن أبو حسين الرفاعي، البالغ من العمر 38 عاماً أحد سكان حرستا ليس لديه في الوقت الحالي أي مأوى ليعيش فيه.

وكان الرفاعي فر من حرستا إلى بلده مسرابا المجاورة الأسبوع الماضي مع زوجته وأطفاله الثلاثة ولكنه على عكس كوكي لم يتمكن من العثور على سكن ميسور التكلفة، فهو الآن يتنقل من منزل إلى آخر "بين الأقارب والأصدقاء" كل يوم، على حد قوله.

وذكر الرفاعي أن منزله دمر كلياً في حرستا بعد أن أصابته قذيفة صاروخية الأسبوع الماضي، مما اضطره إلى ترك وظيفته وهو الآن لا يملك المال وليس لديه مكان لتخزين المواد الغذائية وغيرها من الضروريات اللازمة لأسرته.

وأضاف " في المنزل يمكنك أن تحتفظ ببعض المونة للأوقات الصعبة، ولكن كل ذلك خسرناه بعد النزوح".

وتابع "رجعنا لنقطة الصفر".

 

ترجمة : بتول حجار

عمار حمو

عمار من مدينة دوما، في غوطة دمشق الشرقية، درس الصحافة في جامعة دمشق. بدأ عمله الصحفي مع "سوريا على طول" عام 2014، ويعمل حالياً كمحرر ومراسل. شارك في عدد من الدورات الإعلامية في الأردن وإسبانيا، أشرف على مشروع "الصوت السوري" وهو موقع شريك لـ"سوريا على طول".