حياة جديدة في المنفى لطالب وطبيب بيطري أشرفا على علاج الآلاف خلال حصار مضايا

 

يقضي محمد درويش معظم أمسياته يشاهد الأفلام في شقته في إسطنبول بتركيا، وخلال النهار ليس لدى اللاجئ السوري، البالغ من العمر 27 عاماً، سوى القليل من الالتزامات مثل أخذ دروس في اللغة التركية وزيارة لأصدقاء في المقاهي وتقديم طلبات إلى الجامعات.

ولا يشبه روتين درويش الحالي حياته قبل عام، حيث كان يمضي أيامه في إجراء عمليات جراحية طارئة ويفعل ما بوسعه لعلاج المرضى، الذين يعانون من سوء التغذية في مستشفى ميداني يتعرض للقصف ويعاني من نقص في عدد الموظفين، ويقع في مسقط أاسه في الجبال الغربية من دمشق.

وقال درويش "في بعض الأوقات كنت أبقى في المستشفى لعدة أيام، وفي بعض الأحيان كنت أنام هناك فقط في أوقات الفراغ".

كان درويش طالباً في طب الأسنان في السنة الرابعة بجامعة دمشق عندما أعلنت المعارضة سيطرتها على مدينة مضايا، في عام 2012، ومع اندلاع القتال بين القوات الحكومية وقوات المعارضة واقترابه من منزله خرج درويش من الجامعة قبل أشهر من تخرجه وعاد إلى مضايا للتطوع في مستشفى ميداني.

وفي مضايا عمل درويش جنباً إلى جنب مع أطباء يعالجون الجرحى المصابين جراء الغارات الجوية وتبادل إطلاق النار من المعارك، وفي تموز عام 2015،  حاصرت القوات الحكومة وآلاف من مقاتلي حزب الله البلدة، وفرضوا حصاراً محكماً على سكانها البالغ عددهم 40 ألف نسمة.

وأقامت القوات التابعة للحكومة نقاط تفتيش على جميع الطرق المؤدية إلى مضايا، وزرعت الألغام الأرضية على أطراف المدينة، ونشرت القناصات على محيطها. وبعد أشهر، بدأ درويش يرى جيرانه يموتون من الجوع و الفشل الكلوي بسبب سوء التغذية الحاد، كما أن إرسال المساعدات الإغاثة المتقطعة إلى مضايا، لم يساعد في تخفيف حدة الكارثة الإنسانية المتزايدة هناك.

وعندما بدأ حصار مضايا، غادر معظم الطاقم الطبي في المدينة لعلاج المرضى في البلدات الأخرى المجاورة التي تشهد قتالاً عنيفاً ثم وجدوا أنفسهم عاجزين عن العودة، وفقاً لما قاله الدرويش. كما غادر آخر طبيب مختص في المدينة في شتاء 2015 من خلال الصفقة التي عقدت مع الحكومة.

ومع عدم وجود طاقم طبي مختص في المدينة، قام درويش واثنين من زملائه، الطبيب البيطري المحلي محمد يوسف وزميله الطالب حسين أسعد، بدور الأطباء وأحياناً جراحين بالرغم من افتقارهم إلى المؤهلات المناسبة.

وذكر درويش لسوريا على طول من خلال الواتساب من منزله في اسطنبول أن " عملي كطبيب بشري كان أمراً طارئاً، كانت قضية حياة أو موت".

محمد درويش في مستشفى مضايا في صورة غير مؤرخة. الصورة من محمد درويش.

وعلى مدار العام ونصف التاليين، تعامل الأطباء الثلاثة مع جميع حالات الطوارئ الطبية والجراحة في مضايا، حيث كان يستخدم درويش وزملاؤه الواتس آب لسؤال الأطباء في أماكن أخرى من سوريا وخارجها عن كيفية إجراء العمليات الجراحية باستخدام الأدوات الأساسية والأدوية التي كانت بحوزتهم أو يمكنهم الحصول عليها.

وأضاف درويش "لم يكن لدينا الأدوات واللوازم الصحيحة أو الدواء الصحيح أو المعرفة الكافية، لكن فعلنا كل مابوسعنا".

وفي نيسان 2017، بعد عامين من الحصار تقريباً، أنهت صفقة إجلاء تمت بين قوات المعارضة والحكومة السورية حصار مضايا، وأرسلت بدرويش وزملائه بالإضافة إلى أكثر من 3000 شخصاً إلى الشمال السوري.

واليوم، تسيطر القوات الحكومة على مدينة مضايا، بخلاف ماكانت عليه منذ عام. وافترق أطباء مضايا الآن واتجه درويش ليتابع تعليمه في اسطنبول، وأسعد يعيش في منطقة أخرى في تركيا، فيما عاد يوسف لعمله كطبيب بيطري في محافظة إدلب الواقعة تحت سيطرة المعارضة.

وأخبر كلاً من درويش ويوسف سوريا على طول عن تجربتهما من خلال سلسلة من المحادثات التي جرت هذا الشهر، وقالا أن ذكريات حصار مضايا، ولا سيما الجرحى الذين لم يتمكنوا من إنقاذ حياتهم، لاتفارقهما حتى وهما يحاولان بدء حياة جديدة في المنفى.

"وعود كاذبة"

من المرجح أنك لن تجد أي تقرير عن مضايا خلال فترة الحصار، لاسيما باللغة الإنجليزية أو العربية، إلا وذُكر محمد درويش في مكان ما فيه، فإن قصة طبيب الأسنان الطموح الذي تحول إلى طبيب وجراح كان لها صدى كبير في العالم، كما أن درويش تحدث بحرية وبسهولة مع وسائل الإعلام.

لذلك عندما غادر درويش مضايا في عام 2017، اعتقد أنه سيجد مستقبلاً أفضل بسهولة، وقال إنه تلقى عشرات المنح الدراسية غير الرسمية وعروض عمل من العديد من الأشخاص والمنظمات الإنسانية خلال فترة وجوده في ظل الحصار.

وقال درويش "بدا الأمر كما لو أني إذا غادرت سوريا، فسأحظى بالعديد من الفرص، كان هناك الكثير من الوعود".

لكن الوعود والمديح الذي تلقاه في مضايا لم تكن فرصاً حقيقية، وبمجرد وصول درويش إلى اسطنبول قال "الواقع كان صعب بعض الشيء".

وفور وصوله إلى تركيا في نيسان 2017، اتخذ درويش قرار العودة إلى الدراسة، ولكن هذه المرة أراد أن يدرس الطب البشري ويعيد تعلم المهارات التي اكتسبها أثناء عمله في المستشفى الميداني في مضايا على أمل العودة في نهاية المطاف إلى بلده،

ولكن في تركيا حتى مهمة جمع الأوراق والوثائق البسيطة اللازمة للتقديم إلى الجامعة كانت بمثابة معركة بالنسبة لدرويش.

وللحصول على كشف علاماته، كان يجب على درويش التواصل مع جامعة دمشق، الواقعة تحت سيطرة الحكومة، والتي رفضت إعطاءه كشف العلامات على مدى أشهر، على حد قوله.

الطبيب البيطري محمد يوسف (إلى اليسار) وزملاءه في مضايا، أب 2016. صورة من الهيئة الطبية في مضايا.

وبعد أن غادر درويش الجامعة في عام 2012، قامت قوات الأمن الحكومية باستجواب أصدقائه وزملائه في الدراسة حول مكان وجوده ، كما يقول، مما دفعه إلى الاعتقاد بأنه مطلوب.

وذكر درويش "لقد استغرق الأمر أكثر من شهرين من أجل أن أجمع الأوراق المطلوبة للجامعة" ونتيجة لذلك فاته جميع المواعيد النهائية للتسجيل في الجامعات التي كان يأمل في التسجيل فيها.

وببطء بدأ وضعه في اسطنبول يسوء، فالجامعة أصبحت بعيدة المنال - في الوقت الحالي- وتبخرت معظم الفرص الموعودة.

وفي عام 2017، تم ترشيح اسم محمد درويش في الدور النهائي لجائزة أورورا، وهي جائزة إنسانية دولية يتم تقديمها إلى شخص يساعد في الحفاظ على حياة الإنسان وبسبب وضعه كلاجئ في تركيا، لم يتمكن من حضور حفل توزيع الجوائز في أرمينيا في نيسان 2017، وقال "لقد شاهدت الحفل على اليوتيوب".

وحيداً في اسطنبول، يواجه درويش فترات طويلة من الفراغ وذلك لأول مرة منذ سنوات، في حين يعيش معظم أصدقائه وزملائه السابقين بالقرب من الحدود السورية، وبينما يقوم درويش بتحسين لغته التركية، لم يُقم الكثير من العلاقات والمعارف الجدد خلال العام الماضي.

وللهروب من الفراغ كان يمضي درويش ساعات في مشاهدة الأفلام والبرامج التلفزيونية والمسلسلات الأمريكية الحائزة على جائزة الأوسكار وحتى رسوم بيكسار.

وفي بعض الأحيان يتواصل درويش مع محمد يوسف، الطبيب البيطري الذي كان يعمل معه في مضايا، وعلى الرغم من أن الاثنين لم يلتقيا منذ أكثر من عام، إلا أنهما لا يزالان قريبان من بعضهما البعض وتربطهم تجارب كثيرة في ظل الحصار.

وقال درويش "كنا مثل الأخوة، ولا أعتقد أن أي أحد يمكن أن ينسى شخصاً مثله".

"بلدي الثاني"

بعد عام من مغادرته مضايا، محمد يوسف الطبيب البيطري يعيش في أحد زوايا محافظة إدلب الشمالية الغربية، الواقعة تحت سيطرة المعارضة، من جديد، وبدلاً من خياطة جراح المصابين بالرصاص، يعالج الماشية والحيوانات الأخرى.

وفي إدلب، هو واحد من بين آلاف السوريين الآخرين الذين تم إجلاؤهم إلى الشمال الواقع نحن سيطرة المعارضة في سلسلة من اتفاقات الإستسلام والإجلاء مع الحكومة على مدار العامين الماضيين تقريباً.

ولكن حتى مع بدء يوسف مع زوجته وأطفاله الستة حياة جديدة في إدلب، إلا أن تقكيره لا يبعد أبداً عن مضايا.

وقال يوسف لسوريا على طول عبر الواتساب "ليلاً ونهاراً أتذكر أحداث مضايا وأيام المشفى الميداني، وكيف كنت أفرح عند شفاء أو إنقاذ حياة مصاب وأبكي عند عجزي عن ذلك".

وفي مضايا، كان يعالج يوسف الحيوانات إلى أن فرّ معظم الموظفين الطبيين من المدينة المحاصرة، والتي قصفت في أواخر عام 2015، وبعدها تم استدعاؤه للمساعدة.

ولمدة عامين تقريباً، لم بغادر يوسف المستشفى الميداني في مضايا، كما أجرى مئات العمليات الجراحية للمصابين والجرحى في مضايا.

وصرح يوسف " لا يختلف الطب البيطري عن الطب البشري بالمعلومات العامة، مثل الأدوية واستخدامها ومكونات الجسم فطريقة خياطة الجروح وأنواع التخدير واعطاء الدواء".

مدينة مضايا في شباط 2017. الصورة من صفحة مضايا.

وخلال الفترة التي قضاها في مضايا، كان الطبيب البيطري يجبر الكسور ويغّير الضمادات على جروح المرضى، بالإضافة إلى إجراءات أكثر تعقيداً مثل عمليات البطن للمصابين بالرصاص والشظايا.

ومع نهاية فترة تواجد يوسف في مضايا، كان قد أجرى 135 عملية قيصرية للنساء الحوامل، على حد قوله.

ويتذكر يوسف قائلاً "كل يوم وكل ساعة قصة مرضية تختلف عن الاخرى، ذكرى مؤلمة لا اتمناها لأي أحد وبنفس الوقت جميلة بالنسبة لي".

وبعد مغادرته مضايا مع عائلته قبل عام، اختار يوسف البقاء في سوريا بدلاً من النزوح مع زملائه إلى تركيا. ويقول إنه لا يستطيع أن يتخيل أنه يغادر بلاده. ولكن في الوقت الذي يصف فيه يوسف ادلب بأنه "بلدي الثاني" فإنه لا يزال يتأمل العودة إلى مضايا يوماً ما.

وعلى الرغم من أن البنية التحتية الطبية في إدلب لا تزال ضعيفة وتتعرض للهجوم بشكل منتظم، إلا أنه ليس هناك حاجة إلى يوسف بنفس الطريقة التي كان بها في مضايا، وهو حر في العمل مع الحيوانات مثلما كان يفعل قبل بدء الحرب.

وعندما لا يعمل يوسف، فإنه يتواصل مع صديقه محمد درويش ليطمئن عليه من وقت لآخر.

وقال " كان الصديق و الأخ و السند و الرجل في كل المواقف، كنت أراه اكثر من أولادي".

وتابع "مستقبل محمد أمامه ويجب عليه أن ينهي دراسته الجامعية".

" سأعود وأصحح الأمور"

وبالعودة إلى اسطنبول، يبذل محمد درويش قصارى جهده لتولي مسؤولية هذا المستقبل، ومع المستندات والأوراق التي جمعها في العام الماضي قدم الطبيب الطموح أوراقه إلى عدد من الجامعات التركية في وقت سابق من هذا العام، والآن ينتظر بفارغ الصبر الرد في شهر آب.

وقال "لدي أمل بأن الأمور ستنجح".

وبعد أن أجرى درويش عمليات جراحية وعمل في مستشفى ميداني في منطقة حرب، يمتلك خبرة فريدة تجعله متميزاً عن غيره من طلاب الطب. ومع ذلك ، فإن تجاربه غير قابلة للقياس الكمي: فليس لديه شهادة جامعية، كما أنه لم يكن مؤهلاً حتى للقيام بالعمل الذي قام به في مضايا.

وبينما ينتظر درويش رداً من الجامعات، يعمل على تحسين لغته التركية التي سيحتاجها لدراسته، وبعد عام من دورات اللغة في اسطنبول يقول أنه لا يزال يجد صعوبة في التعبير عن بعض الأفكار المعقدة.

وذكر درويش "يمكنك أن تقول أن لغتي التركية 50٪، ليس لدي الكثير من الأصدقاء الأتراك لذلك لا أزال ضعيفاً بالمحادثة والفهم".

محمد درويش يقرأ في محل لبيع الكتب في اسطنبول في وقت سابق من هذا العام. الصورة من محمد درويش.

وفي حين أن درويش متفائل بفرصة الالتحاق بكلية الطب، فإنه يشعر أن الوقت ينفد بالنسبة له لإكمال شهادة الطب التي تحتاج سنوات.

ومع ذلك ، فإن كل ما يفعله درويش اليوم هو سعيه إلى الوصول لهدف واحد، وهو العودة إلى سوريا كطبيب مختص يملك المهارات التي لم تكن لديه في مضايا.

وقال درويش "لهذا السبب جئت إلى تركيا، ولو كنت طبيباً بالفعل لما غادرت سوريا أبداً".

وفي الوقت الذي يعمل فيه لتحقيق هدفه، فان درويش مثل يوسف ، كثيراً ما يجد أفكاره تعود إلى مضايا: فالألم المشترك عند فقدان أي مريض والعلاقة المقربة مع زملائه، جلهما الشخصان الوحيدان اللذان يمكنهما أن يفهما حقاً ما عاناه.

ووصف درويش لسوريا على طول "عشنا الحرب معاً،  كنا نبكي ونشعر بالألم عندما يموت أحد المرضى بينا أيدينا".

ومع نقص المعدات والأدوية والمعرفة، قاموا الثلاثة بفعل "ما بوسعهم" ومع ذلك، يتمنى الدرويش لو أنه كان بإمكانه فعل المزيد وإنقاذ المزيد من الناس.

وأضاف "حتى ولو أني سأبد من جديد  بالنسبة للطب البشري سأكمل دراستي وأتخرج".

وختم "سأعود وأصحح الأمور".

 

ترجمة: بتول حجار

جستن كلارك، مراسل ومترجم

درس اللغة العربية في جامعة غرب ميشيغان وأكمل دراسته في جامعة بيت لحم في فلسطين. الدراسة والعمل قادتا جستن إلى الأردن، فلسطين، مصر واليونان.