سكان الغوطة الشرقية يكافحون من أجل دفن الموتى ويلجؤون إلى "المقابر الجماعية"

يقضي أحمد أيامه بنقل الجثث من المرافق الطبية في الغوطة الشرقية إلى مواقع الدفن، حيث يقوم هو وزملاؤه، الذين يعملون كجزء من فريق متخصص، بجمع الجثث والأكياس البلاستيكية السوداء المملوءة ببقايا بشرية من مكان تواجدهم في الممرات والأقبية والمستشفيات والعيادات في الجيب المحاصر.

وإلى ذلك قال أحمد، الذي طلب عدم ذكر اسمه الكامل، لمراسلة سوريا على طول نورا حوراني أن "مراسم الدفن والجنازة اللائقة أصبحت أموراً منسية حتى أن الحصول على قبر للمتوفي أصبح رفاهية".

وأسفرت الغارات الجوية والقصف المدفعي التابع للقوات الموالية للحكومة أكثر من ألف شخصاً في الغوطة الشرقية الواقعة تحت سيطرة المعارضة منذ منتصف شهر شباط، وفقاً لمنظمة أطباء بلا حدود، كما أن العنف لايزال مستمراً في جيب المعارضة على الرغم من النداءات الدولية لوقف إطلاق النار.

ويتخذ اليوم العديد من سكان الغوطة الشرقية من الملاجئ والأقبية السرية مأوى لهم، ولا يمكنهم المخاطرة والخروج لجمع جثث أحبائهم أو ممارسة تقاليد الجنازة، ونتيجة لذلك تبقى الجثث لأيام في المستشفيات أو تحت الأنقاض أو في الشوارع.

وقال أبو فهد عامر، مدير الدفاع المدني في دوما لـسوريا على طول، أن المسؤولين المحليين في دوما يحفرون الآن مقابر جماعية في الحدائق العامة لأنه "لا يوجد مكان آخر".

في حين استخدم سكان دوما المقابر الطابقية لتوفير المساحة واستيعاب ضحايا الغارات الجوية في وقت مبكر من عام 2015 ، حسبما أفادت به سوريا على طول، فإن القبور التي يتم حفرها اليوم هي ببساطة حفر كبيرة في الأرض.

وذكر أحمد أن الأهالي يأملون فقط بأن "يهدأ القصف حتى نتمكن من دفن أبنائنا".

من المسؤول عن نقل جثث القتلى في الغوطة الشرقية؟

عادة ما تكون عائلة المتوفي هي المسؤولة عن دفن أقاربه، لكن الوضع الآن كارثي تتراكم الجثث في المرافق الطبية لأن القصف المستمر والمتكرر يجعل من الصعب على السكان الخروج ونقل الجثث، كما أنه ليس منطقياً  أن يُقتل شخصاً ما من أجل نقل شخص متوفي ودفنه.

مقبرة جماعية يحفرها مجلس دوما المحلي يوم الأحد. الصورة من صفحة مجلس دوما المحلي.

لا يوجد طرف واحد اليوم مسؤول عن دفن القتلى فالجميع يشارك ويساعد على حسب استطاعته، ونأمل فقط أن يتوقف القصف حتى نتمكن من دفن أبنائنا

ما هي الصعوبات التي تواجهها حالياً مع الأعداد الكبيرة من الضحايا؟

الوضع حالياً مأساوي للغاية، واستمرار القصف هو أكبر مشكلة تعيق عملية الدفن وأصبحت حركة الأهالي معدومة تقريباً والغالبية العظمى لا يمكنها مغادرة الأقبية. وبات الضغط على فرق الإخلاء الطبية والدفاع المدني كبيراً بسبب انخفاض دور الأهالي بالمساعدة.

الصعوبة الثانية هي الأعداد الكبيرة من الضحايا خلال وقت قصير مما يسبب عجزاً في القدرات، فمنذ بداية الحملة لدينا  بمعدل من 30 إلى 100 شهيد يومياً، بالإضافة إلى استهداف كل شيء يتحرك من سيارات إخلاء أو إسعاف أو دفاع مدني او المراكز الطبية نفسها.

كما أن الردم الموجود في الطرقات يعيق عبور السيارات، وأصبحنا نقوم بنقل الجثث حملاً على الأيدي، مما يجعل نقل كل جثة إلى مقبرة البلدة التي تتبع لها صعباً للغاية.

كيف اختلف الوضع عما كان عليه قبل بالنسبة للدفن؟

اختلف كتيراً، وأصبحت مراسم الدفن والجنازة اللائقة أموراُ منسية بالنسبة لأهالي الغوطة، حتى الحصول على قبر للمتوفي صار رفاهية، فقد أصبحنا نلجأ إلى المقابر الجماعية ونقوم بدفن عائلات كاملة معاً.

واليوم ترانا نخرج خلسةً في الظلام لتجنب القصف وكأننا نرتكب جريمة من أجل دفن أحبائنا، علماً أن الدفن في الليل مكروه في الدين الإسلامي.

كما قمنا بزيادة عدد القبور المحفورة مسبقاً، فأصبح حفار القبور يحفر 20 قبراً على الأقل. اليوم انحرم أهالي الغوطة من مراسم توديع أحبائهم ومن تأمين الكفن الأبيض المعتاد الذي بات حلماً بعدما نفذت الأكفان. بدأنا نستخدم أي شي متوفر من الأقمشة والبطانيات والأكياس لتكفين الجثث، وشاهد العالم بأكمله الجثث المكدسة في ممرات النقاط الطبية أو الأقبية وهي ملفوفة بأكياس مساعدات الأمم المتحدة.

هل من الممكن أن تسرد لي موقفاً صعباً واجهته؟

هناك الكثير من القصص لا يمكن نسيانها، وأذكر منها قصف أحد النقاط الطبية التي كانت تحوي جثثاً مكدسة، وبسبب القصف الكثيف تم إخلاء النقطة لكن بقيت الجثث ممددة هناك.

وفي اليوم التالي قمنا بتعميم صور هذه الجثث حتى يتمكن أقربائهم من التعرف عليهم، وجاء بعض الأهالي ونقلوا بعض الجثث، وبقيت جثث مجهولة الهوية لمدة أربعة أيام لم نتمكن من دفنهم.

وبعد أربعة أيام، عدنا أنا وبعض الشباب من فريق العمل كي نقوم ندفنهم. كان المشهد مؤلماً جداً، لن يفارق مخيلتي أبداً. بعضهم كان مجرد أشلاء مجمعة في أكياس من النايلون الأسود المغلقة. تقريباً كنت فاقد الوعي بسبب الموقف المؤلم والجوع الذي أنهك جسدي، فأنا لم أتمكن من تناول شيء على مدار يومين.

في ذلك الوقت بدأت أفكر.. هل نحن بشر؟ ..هل نستحق أن نسمي أنفسنا "إنسان"؟. نحن حقاً لا نملك شيئاً من الإنسانية. لقد شاهدت كيف يكون الإنسان بلا قيمة، فهو مجرد كتل لحم مجموعة بأكياس كتب عليها أشلاء.

عندما عدت إلى المنزل بدأت بحفر قبر في البستان القريب من بيتي. لا أعرف ما الفائدة، فقد أموت بأي لحظة نتيجة القصف وأتحول إلى أشلاء مجهولة ولا يتم دفني في القبر الذي حفرته.

ولكن الوضع في الغوطة أصبح كارثياً، وكل يوم يزداد سوءاً وأعتقد أن الناس ستبدأ بدفن الجثث في نفس المكان الذي توفيت به. اليوم وأنا في طريقي إلى أحد الأقبية شاهدت جثثاً في الشوارع، ومررت بجانب جثة رجل عجوز مرمية على جانب الطريق، ربما من عدة أيام ولا يوجد من يدفنها.

الناس مذهولون وكل واحد منهم مشغول بمصيبته وكأنه يوم القيامة فعلاً.  

ترجمة: بتول حجار

 

نورا حوراني

حصلت نورا على شهادة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي من جامعة تشرين، عملت كصحفية في "سوريا على طول" منذ عام 2014، وحاصلة على شهادة في صحافة البيانات لتعزيز الكتابة الصحفية المتخصصة بحقوق النسان من "مركز حماية وحرية الصحفيين في الأردن"، وشاركت في العديد من الندوات المتعلقة بتطوير المجتمع المدني.