سكان في شرقي دمشق محتجزون مع تجدد الحملة العسكرية للنظام

في 18شباط، رأت أم مهند من خلال نافذة منزلها في شرقي دمشق صاروخاً يسقط باتجاه مبنىً مجاور.

وفي غضون ثوان، ارتج منزلها، فصرخت حفيدتاها وهرعت أم مهند بعائلتها إلى الشارع، تركض جزعةً، وفق ما سردت لـ آلاء نصار، مراسلة في سوريا على طول,

وكان الجيش العربي السوري، في اليوم ذاته قد بدأ بـ "حملة عسكرية واسعة" لـ "طرد الإرهابيين" من ثلاثة أحياء ثورية في شرقي دمشق: القابون وتشرين وبرزة، وفق ما ذكر موقع المصدر نيوز في 18شباط.

ويبدو أن الحملةهي محاولة لاستعادة السيطرة على الأحياء الثلاثة التي تعتبر مدخلاً لتهريب الغذاء والإمدادات إلى شرقي الغوطة المحاصرة التي تسيطر عليها المعارضة.

اليوم، تشرين وحي القابون، الذي تسكن فيه أم مهند دُمرا بكل ما تعنيه الكلمة، وفرغا تقريباً من من السكان بسبب الهجوم البري والجوي للجيش.

وهرب آلاف الأهالي، بمن فيهم أم مهند وعائلتها إلى المساجد والحقول وشوارع برزة المجاورة، حيث هم عالقون الآن.

وأوضحت "حاصرتنا قوات الأسد ولم تسمح لنا بالخروج (...) وهو ما أجبرني على البقاء تحت القصف والموت إلى الآن داخل حي برزة".

 

  • أم مهند، 48عاماً، نزحت من القابون إلى برزة في 18شباط مع ابنتها وحفيدتيها.

كيف نزحت من القابون إلى برزة، وماهي الأسباب التي دفعتك لذلك؟

ضربات الأسد المفاجئة والمتلاحقة منذ بداية الحملة العسكرية على الحي بتاريخ 18/2/2017  هي السبب الذي دفعنا إلى النزوح إلى برزة، "هربنا من الموت.. من القلّة والغلاء.. هذا سبب هجراننا لبيوتنا ومنازلنا.. التي تهدمت ولم نخرج سوى بثيابنا التي نلبسها.. قاتلهم الله على ما فعلوه بنا".

كنت أجلس أنا وابنتي داخل منزلنا لوحدنا في حي القابون، عندما بدأ القصف وسقط أول صاروخ فيل تمكنا من رؤيته من النافذة، على بعد أمتار من منزلنا وقد جننّا لحظتها من الخوف والرعب والارتجاج الذي أصاب المنزل، حتى أن أطفال ابنتي اختبؤوا في حضني وحضنها، وأصواتهم تعلو "ياماما خبينا.. يا تيتا خبينا.."، وأنا وابنتي كنا لحظتها خائرتي القوى، حيث أخذنا الطفلتين واختبئنا في المطبخ، وفي هذه اللحظات سقط صاروخ آخر أتلف قوانا، حاولت بلحظات بين الوعي واللاوعي أن أفتح باب الحديقة الملحقة بمنزلنا، لنهرب من الرعب الذي نعيشه، وإذ بي أرى أهالي الحي بالعشرات يركضون نازحين من بيوتهم، وهم "يولولون"، وعندما رأيت هذا المشهد، مسكت بيد ابنتي وطفلتيها، وركضت مع النازحين. لا أحب استذكار تلك اللحظات فهي ككابوس بالنسبة لي أو ما يسمى بفيلم رعب حقيقي عشناه أنا وابنتي.

وكان الرعب الأكبر في قلبي هو أنني لا أعرف مصير ابني الذي كان في زيارة لصديقه لحظة التصعيد المفاجئ، وحتى الآن ما زلت أسأل عنه في برزة، ولا أعلم أين هو وإلى أين ذهب لحظة القصف على الحي، ولا زلت أعيش على أمل أنه ما زال في القابون ولم يمت.

مبنى دمرته الحرب في حي برزة. في دمشق حقوق نشر الصورة لـ ستار الدمشقي.

لماذا نزحت إلى برزة، لماذا لم تفكري في التوجه لدمشق؟

كانت وجهتي دمشق ولكن عناصر قوات النظام المتواجدين على حواجز برزة منعونا من الخروج واحتجزنا داخل بزرة، يريدون أن يقضوا على كافة المناطق التي تعارضهم بشتى الوسائل والأساليب غير آبهين بالشعب بالأطفال والنساء، بالمدنيين العزل والذين من المفروض أن يكونوا محيّدين عن الصراع.

ومنذ ذلك وأنا أحاول ولكنني لا أملك المبالغ التي فرضتها قوات النظام على النازح للخروج.

(المسؤولون على الحواجز يفرضون على الأهالي دفع من 100$ إلى 200$ لمغادرة برزة، وفق ما ذكرت عنب بلدي، في شباط)

مع أنني ذهبت إلى عناصر الحاجز وطلبت منهم أن يسمحوا لي بالمغادرة وشرحت لهم وضعي كحالة إنسانية بأن لدي روماتيزم في المفاصل وخاصة الركبة وحركتي بطيئة ولا أستطيع العيش في منطقة تعتبر عسكرية، ولكنهم رفضوا وهذا ما زاد حقدي على هكذا نظام مجرم لا إنساني، لا يحمل في قلبه سوى الحقد والإجرام دون تمييز بين مدني وعسكري، وهو ما أجبرني على البقاء تحت القصف والموت إلى الآن داخل حي برزة.

أين تعيشين الآن في برزة؟

نعيش الآن في الجوامع من "قلة الموت"، مع غالبية العائلات التي نزحت من القابون وهنا أهل الخير يقدمون لنا ما يستطيعون تقديمه، ولكنه لا يسمن ولا يغني من جوع، حيث أنهم يقدمون لكل 5-6عائلات ربطة خبز واحدة، ولكل عائلة صحن واحد فيه أكل مطبوخ يوزع علينا ولا نستطيع الأكل لمرحلة الشبع كي لا نحرم أطفالنا من الطعام. هذا فضلا عن الصواريخ المنهالة علينا في كل الأوقات وحالات الهلع والخوف التي تزرعها في قلوب أطفالنا. إلى متى سنبقى على هذا الحال؟.

حاصرتنا قوات الأسد ولم تسمح لنا بالخروج وكأنها تريد إبادتنا جماعيا، فنحن نعيش الآن تحت القصف والجوع والعطش، لا تتوفر أقل مقومات الحياة هنا.

تحدثت مواقع إعلامية معارضة عن اتفاقية (مصالحة) رفضها الثوار، هل توافقيهم على رأيهم هذا؟

بعد ما رأيته من قذارة عناصر النظام على الحواجز ومن نظام يقتل البشر والشجر والحجر ازددت إصرارا على محاربة النظام حتى آخر رمق، لأننا لن نستطيع العيش تحت حكم هكذا قاذورات، سيقتلوننا حتى وإن صالحناهم، لن يكون وضعنا تحت سلطتهم أفضل بل سيتحكمون بنا أكثر فأكثر وهذا ما تشهده جميع البلدات التي صالحت النظام.

فضلا عن سوق شباب المناطق التي يأخذونها إلى الجبهات ليقاتلوا أبناء بلدهم وإخوانهم في مناطق أخرى حرة من سوريا وهذا ما أخشاه على ابني مستقبلا إن كان ما زال حيا.

هل تتوقعين العودة يوما إلى القابون؟

بإذن الله سنعود لها، كلي أمل بربي أن يفرجها علينا ويريحنا من حكم الطاغية الذي حرمنا طعم الحياة في كل شبر من بلادنا.

ترجمة: فاطمة عاشور

آلاء نصار

آلاء من سكان وادي بردى في دمشق ، درست اللغة العربية في جامعة دمشق ولكنها لم تستطع إكمال دراستها بسبب الثورة، غادرت آلاء سوريا إلى الأردن ،وهي تأمل بإيجاد حلول جذرية للحرب ا.

رويدا جمال

من مواليد درعا، خريجة جامعة دمشق كلية الحقوق عام 2007، عملت بالمحاماة حتى عام 2013، ثم انتقلت إلى عمان بسبب الحرب الدائرة. خضعت لدورة تدريب في مركز الدراسات الاستراتيجية بالجامعة الأردنية بالتنسيق مع الوكالة الإسبانية، حضرت الكثير من ورشات العمل لمناقشة أوضاع اللاجئين السوريين في الأردن، ثم التحقت بمنظمة سوريا على طول املا بإحداث تأثير نحو الأفضل فيما يتعلق، خصوصا بالأوضاع الإنسانية للشعب السوري.