سلسلة من التفجيرات في أقل من أسبوع وبعض الدمشقيين يخشون من "عراق آخر"

خلال الأسبوع الماضي، أسفرت ثلاثة تفجيرات انتحارية في دمشق عن مقتل وإصابة العشرات، وغالبيتهم من المدنيين، وتركت الأهالي في حالة ذعر وقلق، وقوات الأمن في استنفار تام.

وفي ظهر يوم الأربعاء، قتل هجوم انتحاري على الأقل 31 شخصاً وأصاب أكثر من 100 في القصر العدلي، دار القضاء الرئيسية وسط دمشق. وجاء التفجير في وقت الذروة، فالمبنى الذي يقع بجانب سوق الحميدية وسط دمشق كان يعج بالمحامين والقضاة والمراجعين والزوار.

وبعد وقت قصير من الانفجار الأول، فجرّ انتحاري ثان مطعماً في منطقة الربوة بدمشق، مما أدى إلى إصابة أكثر من عشرين شخصاً. ولم تتبنّ أي جهة مسؤولية الهجمات.

وجاء تفجير يوم الأربعاء بعد أربعة أيام فقط على مقتل عشرات الأشخاص، ومعظمهم من الزوار العراقيين، في تفجير انتحاري مزدوج قرب مقبرة باب الصغير في وسط دمشق.

وتبنّت هيئة تحرير الشام تفجيرات يوم الأحد. وهي اتّحاد إسلامي متشدد تقوده جبهة فتح الشام. وادّعت تحرير الشام أن الهجوم كان ضد "الميليشيا الإيرانية".

وفي الوقت نفسه، نفت هيئة تحرير الشام أي صلة لها بالهجمات الانتحارية على قصر العدل والمطعم. كما أن حركة أحرار الشام الإسلامية أصدرت بياناً أيضاً تتنصّل فيه من التفجيرات.

قوات الأمن السوري أمام مبنى قصر العدل في دمشق بعد التفجير الانتحاري في 15 أذار. حقوق نشرالصورة لـ لؤي بشارة.

وحتى دمشق التي كانت تتربع على هامش جبهات المعارك العديدة المشتعلة، باتت بعد التفجيرات مكاناً خطراً، وفق ما قال ثلاثة من أهالي العاصمة لمراسلي سوريا على طول، نورا الحورانيومحمد الحاج علي.

وذكروا أن الانفجارات "يمكن أن تحدث في أي زمان وأي مكان".

فيما يلي ثلاثة من الأهالي يصفون ما رأوه وسمعوه في  شوارع العاصمة منذ الهجمات الأخيرة.

 

  • رنيم (35عاماُ) تعمل في مكتب للطباعة والنشر في دمشق تعيش مع والدتها المسنة والمريضة وتقوم برعايتها.

 

كيف عرفت بالتفجير ومتى؟ وهل شاهدت أو سمعت ما حصل؟

عرفت بالتفجير حين اتصلت بي صديقتي وأنا في العمل، حيث نشر الحادث الذعر بين الناس وبدأ الواحد تلو الآخر يتصل ليستفسر عما يجري ويطمئن على أقربائه وأصدقائه في الخارج.

بدأت الاتصالات الواحد تلو الآخر لم يهدأ هاتفي، كان ذلك قرابة الساعة الواحدة و50 دقيقة عندما عرفت بالخبر، اتصلت بي أمي المسكينة لتطمئن عليّ وكذلك لتطمئن على أخي المتزوج.

لم أكن قريبة من مكان الحادث، ولكن ذهبت إلى عملي كالمعتاد في الصباح الباكر، ومررت من أمام المبنى العدلي لم ألاحظ أي تغيير أو تحركات غريبة، وعند الظهيرة سمعت بخبر الانفجار وكان مفاجئاً ومفجعاً.

صفي لي المنطقة التي حصل فيها التفجير؟ ومن المسؤول باعتقادك عن هذا التفجير؟

المنطقة نقطة حيوية ومكتظة غالباً بالناس، كما أن المبنى هو مؤسسة حكومية مهمة ويوجد فيها الكثير من المراجعين والمواطنين.

في الواقع لا أستطيع أن أوجه الاتهام لجهة بعينها، ولكن هناك لوم على الأمن، فالمبني مسيج ولا يوجد إلا مدخل واحد يمر الناس منه، وعلى الباب هناك حاجز للأمن يتم تفتيش الأشخاص بدقة، فأين دور الأمن هنا؟ ولماذا لم يتم ضبط الفاعل والتعامل معه قبل حصد هذه الأرواح؟

نقل التلفزيون الرسمي عن قائد شرطة العاصمة قوله إن الانتحاري في الهجوم الأول فجر ما بحوزته من متفجرات الساعة 01:20 ظهراً بالتوقيت المحلي (11:20 بتوقيت غرينيتش) بينما كانت الشرطة تحاول تفتيشه ومنعه من دخول المبنى).

ولي صديق يعمل في المبنى، وعندما سمعت بالخبر سارعت واتصلت به لأطمئن عليه، وسألته كيف حدث ذلك؟

كان مذهولاً تماماً ولكنه بحمد لله لم يصب بمكروه، فمن حسن حظه كان في الطوابق العليا من المبنى، وأخبرني أنه فجأة سمع صوتاً ترتجف له القلوب وانبطح أرضاً، وعمت حالة من الفوضى والرعب والصراخ في كل  المكان، وقال لي اليوم خلال حديثي معه أنه لم يتمكن من النوم بسبب ما شاهده من أشلاء ودماء.

السبت الماضي، حصل تفجير آخر ذهب ضحيته عشرات الضحايا، برأيك كيف أثرت هذه التفجيرات على حياتك وحياة الناس؟

أنا لم أذهب إلى عملي اليوم، والبارحة بقيت 3 ساعات من كثرة الحواجز والتفتيش حتى تمكنت من العودة لبيتي ورؤية أمي المريضة، فاتها موعد الدواء وعندما وصلت كانت تبكي من خوفها علي وكانت بحاجة أن أنقلها إلى الحمام، هي لا تستطيع أن تمشي وحدها لذلك اضطرت أن تذهب للحمام فوقعت على الأرض.

رأيتها بحالة يرثى لها، بكيت كثيراً على الحال الذي وصلنا له، لم يعد هناك أمان، الخوف في كل مكان، وربما تخرج من منزلك صباحا ولا تعود إليه.

البارحة بعد التفجيرات كانت شوارع دمشق خالية تماماً بسبب خوف الناس لم يبق بالشارع إلا الأمن والشرطة، الحواجز انتشرت في كل مكان ويدققون على السيارات كثيراً، وعندما كنت في طريق عودتي للبيت قلت للضابط على الحاجز أن يسرع قليلا بالتفتش وتوسلته من أجل والدتي، لكنه رفض وقال لي إنه ما زال هناك شخص آخر لديه حزام ناسف لاذ بالفرار ويبحثون عنه، كما أن هناك سيارتين مفخختين أيضاً يبحثون عنهما.

الناس بالأصل متعبة ومرهقة بسبب الأوضاع، والأهالي هم أكثر المتضررين مما يحصل، كل فترة يسقط صاروخ هنا وهناك ويسبب أضراراً مادية للناس، منذ أسبوع سقط صاروخ بالمبنى المجاور لبيتي وتسبب بتحطيم السيارات، في الواقع معظم الناس أصبحت يائسة وتريد نهايةً لما يحصل.

 

  • عبود الشيخ، 25 عاماً، طالب ماجستير في جامعة دمشق.

 

كيف هي ردة فعل المدنيين الآن في دمشق بعد هذه الفتجيرات الثلاثة التي حصلت على مدى الأسبوع في مناطق حيوية في وسط العاصمة؟

هناك تخوف كبير بين المدنيين، الحركة في الشوراع تبدو أقل ولكن ليس بكثير.

وهذا بسبب اعتياد سكان دمشق على هذه الحوداث المتكررة. لا تستطيع الناس الجلوس في المنازل، يجب أن يذهبوا إلى أعمالهم. ولم يكن هناك أي عطلة رسمية معلنة من قبل النظام.

الناس هنا في دمشق اعتادوا على ذلك، أغلب من بقي في دمشق ليس له مكان آخر يذهب إليه. لا يوجد أي مفر من هذا الوضع. ربما التفجير هو الأسوأ، فالمدنيون اعتادوا على قذائف الهاون بشكل متكرر، وأيضا على الاعتقال من الحواجز بسبب الخدمة العسكرية وغيرها. وحتى الخطف أيضا الذي يحصل في النهار.

هل هناك تشديدات أمنية أو حواجز إضافية في العاصمة دمشق؟

يوجد استنفار أمني واضح في شوارع دمشق. هناك عدد من الحواجز الأمنية الجديدة، ويتم التدقيق بشكل كبير على الأسماء والسيارات وتفتيشها بدقة كبيرة، حتى أن بعض الحواجز تقوم بتفتيش الأغراض التي نحملها.

كما تمّ وضع حواجز اسمنتية أمام المركز الأمنية والدوائر الحكومية، وكانت موجودة في السابق لكن أصبحت الآن بشكل أكبر. كما تمّ إغلاق بعض الطرقات ولا سيما تلك التي تؤدي إلى المراكز الأمنية أو الدوائر الحكومية الكبيرة.

وحدث هذا التغيير مباشرةً بعد التفجيرات التي حصلت في منطقة الشاغور.

ما هو حديث الناس عن التفجيرات، إلى أي جهة ينسب المدنيون الاتهامات؟

الاتهامات تكون حسب توجههم الشخصي. نعرف أنّ كل المؤيدين للنظام السوري يتهمون "الإرهابيين" لكن دون تحديد الجهة بدقة؛ فلا يقولون مثلا ًجبهة النصرة أو داعش. لكن المتدوال بين الفئة المعارضة أنّ من قام بهذا التفجير هو النظام نفسه.

وحسب ما يحللون فإنّ هذه المناطق هي مناطق أمنية ويصعب على الأشخاص العاديين الوصول لها. فكيف استطاعوا الوصول لها وزرع العبوات الناسفة.

هل حدث تغيير في روتين حياتك بعد هذه التفجيرات الأخيرة؟

بكل تأكيد كان هناك بعض التغييرات، فرضتها عائلتي علي. الآن يجب علي الذهاب إلى الجامعة والعودة فور الانتهاء إلى المنزل، وإذا تأخرت بضع دقائق يبدؤون بالاتصال بي.

كنت في السابق أخرج مع أصحابي إلى المقاهي أو المطاعم بعد الجامعة لكن الآن لا أستطيع.  ويردد أهلي أنّ التفجيرات قد وصلت إلى القصر العدلي، ويمكن بكل سهولة أن تصل حتى إلى الجامعة.

برأيي الشخصي أنّ الوضع الآن في دمشق أصبح خطير جداً. في البداية  كان الخوف يتمثل  بالاعتقال. ثم أصبح الخوف من السحب للخدمة العسكرية وبعد ذلك من الخطف. وثم تحول إلى قذائف الهاون والصورايخ . والآن انتشر موضوع التفجيرات والتي وصلت الى أماكن حيوية جداً في قلب العاصمة دمشق، والمخيف أنه وخلال أسبوع واحد حصل 3 تفجيرات.

 

  • أبو صلاح (25 عاماً) من حي الميدان بدمشق، طالب أدب عربي سنة رابعة.

 

كيف علمت بالتفجير؟ وهل كنت قريبا من المنطقة؟

في الواقع لم أكن قريب من المنطقة ولكن عرفت من أصدقائي الذين يعملون في السوق القريب من التفجير (سوق الحميدية) فالقصر العدلي موجود أول شارع النصر وسط العاصمة، مقابل قلعة دمشق وسوق الحميدية الأثري في المدينة القديمة، والمنطقة مكتظة بالناس في العادة خصوصاً وقت الظهيرة وقت الذروة وهو الوقت الذي حدث فية التفجير.

بصراحة الأمر لم يكن متوقعاً، كان مفاجئاّ للجميع، ولم يلاحظ أصدقائي الذين كانوا موجودين في السوق أي شيء غريب أو ملاحظ في المنطقة أو محيطها.

صف لي المنطقة والوضع الأمني بها؟ وماذا سمعت؟

شارع النصر الذي  يضم قصر العدل لا يوجد فيه حاجز لا ذهاباً ولا إياباً  فهو طريق رئيسي وأقرب حاجز يقع عند باب الجابية.

ولكن يوجد مفارز أمنية  خارج القصر العدلي وهناك واحدة عند بابه للتفتيش والتدقيق، وكان مرور السيارات طبيعياً فالطريق رئيسي ومزدحم دائما وأيضاً كان مرور الناس على الرصيف والشارع طبيعي جدا.

برأيك من الجهة المسؤولة عن التفجير؟ وماذا يقول الناس في الشارع؟

لا يمكن الجزم بالجهة المسؤولة عن التفجير، ولكن الرواية التي اتفق عليها أغلب سكان دمشق هي أنّ من قام بذلك هو شخص يرتدي الزي العسكري ولديه بطاقة أمنية تمكنه الوصول لمثل هذه الأماكن ولكن من وراءه أو من أرسله لا نعلم فلا توجد إجابة واضحة حالياً.

والزي العسكري في دمشق منتشرٌ بشكل كبير بين المدنيين، وبكل سهولة يستطيع الشخص الحصول على  بطاقة أمنية تمكنه من العبور على الحواجز.

وفكرة أنّ العاصمة محصنة أمنياً فهذا التحصين فقط على المدنيين البسطاء، شريحة لا بأس بها من الناس في الشارع تحلل الموضوع على أنّ أياد روسية فجرت بمنطقة باب مصلى الأسبوع الماضي، والبارحة أياد إيرانية ردّت عليها .

هي حرب سلطة بين الطرفين بدمشق، وطبعاً داخل النظام يوجد مؤيدين من الطرفين ولديهم ولاء للدولتين وولاء للمال.

كيف أثرت هذه التفجيرات على الناس، وهل شعرت بأثرها على حياتك؟

أثرت كثيراً على حركة الناس، لأنّ الناس متعبة نفسياً من قبل، ويعانون من التدقيق والملاحقات وسحب الاحتياط. الآن سيصبح التشديد على الحواجز أكثر بكثير وتزداد الازدحامات وتسلط الجهات الأمنية على الناس.

إضافة إلى الخوف والرعب الذي تراه واضحاً بعيون الناس، فإذا حدث تفجير بمكان كالمحكمة والمطعم فهذا يعني أنّه سيحدث بأي مكان وبأي وقت.

وبدأت الناس تردد أنّه إذا تكرر ذلك فإننا سنشهد عراقا آخر في دمشق.

ترجمة: فاطمة عاشور

نورا حوراني

حصلت نورا على شهادة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي من جامعة تشرين، عملت كصحفية في "سوريا على طول" منذ عام 2014، وحاصلة على شهادة في صحافة البيانات لتعزيز الكتابة الصحفية المتخصصة بحقوق النسان من "مركز حماية وحرية الصحفيين في الأردن"، وشاركت في العديد من الندوات المتعلقة بتطوير المجتمع المدني.

محمد الحاج علي

محمد ولد في درعا، وأكمل سنته الأولى في دراسة الصحافة والإعلام في جامعة دمشق قبل أن يترك سوريا في آب من العام 2012. أمضى سنة ونصف في العمل بالعلاقات الاجتماعية لقناة أخبار سورية معارضة وفي محطة راديو سوريا في عمان قبل أن ينضم إلى سوريا على طول. يأمل بمستقبل افضل لسورية مدنيّة ترحب بالجميع، وتنصف الجميع، بغض النظر عن الدين، العرق أو الطائفة.