صاحب مصنع في حلب يسعى لبيعه بسبب الحواجز و الضرائب والأرباح المتدنية

بعد أن أمضى رائد، صاحب مصنع نسيج في حلب أكثر من عشرة أعوام في العمل الدؤوب به، هاهو اليوم يعرضه للبيع.

وكان الرجل الستيني قد افتتح مصنعاً متوسط الحجم في الشيخ نجار، منطقة صناعية في أطراف حلب الشمالية الشرقية، في عام 2006، لإنتاج الأقمشة للمفروشات والستائر.

و قال رائد، لمراسلة سوريا على طول، نورا الحوراني "قضيت سنوات عمري في العمل بمجال النسيج والأقمشة وكان حلمي أن أمتلك مصنعاً في المنطقة الصناعية(...)كافحت كثيراً لأحقق حلمي والآن أراه يذهب أدراج الرياح".

ويصارع رائد وغيره من أصحاب المصانع في منطقة الشيخ نجار ليحققوا ربحاً في حلب، المدينة التي كانت سابقا مركزاً صناعياً بارزاً. وما تزال الحكومة السورية تصلح خطوط المياه والكهرباء التي يعتمد عليها الصناع والمدنيون أيضاً بعد ستة شهور من استعادة سيطرة قوات النظام على المدينة من الثوار.

وباتت عشرات الحواجز الموزعة في الطرق على مداخل المنطقة الصناعية ومخارجها تفرض ضرائب على أي شاحنة بضائع تغادر المنطقة، والتي بلغت 15ضعف ما كانت عليه قبل الحرب، بحسب ما ذكر رائد.

ولكن وبحسب صاحب المصنع  فإن "الضربة القاضية" كان المرسسوم  172 الذي أصدرته الحكومة في حزيران. وبناءً عليه تم"تخفيض الرسوم الجمركية بنسبة 50 بالمئة على المواد الأولية ومدخلات الإنتاج اللازمة للصناعات المحلية". وهذا يتضمن الأنسجة، المصنفة حالياً كمواد خام.

مصنع نسيج في الشيخ نجار، مدينة حلب. حقوق نشر الصورة لـ شبكة نوكيا كوم للأخبار السورية والعربية  

وهذا يعني أن الذين كانوا يشترون الأقمشة التي ينتجها أصحاب المصانع مثل رائد، بات بمقدورهم  أن يؤمنوا المواد من الخارج بسعر أرخص.

 

وجاء المرسوم "بهدف دعم الصناعة الوطنية حتى يتمكن الصناعيون من تأمين مواد منخفضة نسبياً ومن ثم تساعد على خفض التكاليف" ، وفق ما جاء في بيان نشرته وزارة وزارة الصناعة السورية على الانترنت في 6آب.

ولكن بالنسبة لرائد فإن المرسوم يعني أنه لن يستطيع منافسة الأقمشة المنخفضة التكلفة التي تغرق السوق من خارج البلد.

وفضل الرجل الستيني أن يبيع مصنعه ويعيل نفسه من ثمنه بدلاً من تحمل عناء ومشقة العمل للحصول في النهاية على هذا الربح الضئيل، إذا تمكن من الحصول عليه أصلاً على حد تعبيره.  

لماذا قررت بيع مصنعك بعد سنوات من الصبر الدؤوب في تطويره؟

المصنع مختص بالنسيج فيه آليات تنتج قماش تنجيد المفروشات والستائر، ويحوي أربع آلات ضخمة.

بدأت حالته تتدهور تدريجياً، فقبل الثورة كانت كل آلة تنتج ربحاً صافياً بقيمة 4000 دولار، أي أن أرباح المعمل شهرياً تصل إلى 16000 دولار.

بعد الصعوبات الكثيرة التي مر بها المصنع، والتسابق بين المعارضة والنظام للسيطرة على المنطقة الصناعية لأهميتها الكبيرة، بدأت الخسارات تتوالى إلى أن وصلت أرباح المصنع حالياً إلى 200 دولار شهرياً.

وكان قرار الحكومة الأخير باعتبار مادة النسيج من المواد الخام ضربة قاضية بالنسبة لي ولكثير من الصناعيين.

وأصبحت أرباح المعمل لا تكفي ثمن وجبة غداء يومياً.

فإذا كان ثمن آلات المصنع يتجاوز 240 ألف دولار، وقمت ببيعهم واقتطاع 200 دولار شهرياً من ثمنهم سيكون أفضل بكثير من تحمل عناء ومشقة عملهم للحصول بالنهاية على هذا الربح إذا تمكنت من الحصول عليه أصلاً.

الشيخ نجار، منطقة صناعية رئيسية في حلب، وكانت موقعاً لمعارك عنيفة بين المعارضة والنظام لسنوات، كيف أثرت هذه الاشتباكات على إمكانية تشغيل وإدارة المصنع وكيف هو وضعه الحالي؟

سيطرت المعارضة على المنطقة الصناعية في2012  كما سيطروا في نفس الوقت على المحطة الحرارية التي تغذيها وتغذي مدينة حلب بالكهرباء، في ذلك الوقت، بقيت الطرقات مفتوحة أمام الصناعيين بين مناطق المعارضة والنظام وكانت الأمور جيدة نسبياً وبقيت المنطقة الصناعية تعمل وتنتج.

وبشكل عام أغلب الصناعيين وأصحاب المصانع كانوا من مناطق حلب الغربية، فكان هناك سهولة بالتنقل بالنسبة للمنتجات والبضائع والمصنوعات وحتى لأصحاب المعامل.

وبعض أصحاب المعامل فضلوا نقل معاملهم تحسباً لأي خسارة أو ضرر، لم يكن التأثير كبيراً على وضع المصنع في تلك الفترة إلا أن نسبة الأرباح انخفضت بالتأكيد بسبب الصراع وأصبحت أرباح المصنع بين 13000 دولار إلى  14000ألف تقريباً.

وبقي الوضع على هذا المنوال حتى منتصف  2014عندما بسط  النظام  سيطرته على المنطقة الصناعية من جهة و داعش سيطرت على المحطة الحرارية من جهة أخرى وهنا بدأت الأمور تتدهور بسرعة.

انقطعت الكهرباء عن المنطقة الصناعية وأصبح العمل أكثر تكلفة وأكثر صعوبة وبالرغم من أن النظام استعاد المحطة الحرارية فيما بعد، ولكن بعد أن تم قصفها من أكثر من جهة وخرجت عن الخدمة نهائياً.

وحالياً قام النظام بنشر ما يقارب 40 حاجزاً داخل المنطقة الصناعية، وعلى كل شخص يريد الدخول ترك هويته الشخصية عند الحاجز الأول واستعادتها عند الخروج.

بدأ الصناعيون باعتماد المولدات والمازوت لتشغيل المصانع؛ الأمر الذي تسبب بتوقف الكثير من المعامل عن العمل لعدم مقدرة أصحابها تأمين المازوت أو غلاء أسعاره.

بالإضافة إلى الضرائب والأتاوات التي يضطرون لدفعها للحواجز عند الدخول والخروج.

وقبل الثورة ، كان الصناعي يدفع على كل شاحنة بضائع 100 دولار عند خروجها، الآن أصبح يدفع 1500دولار على أقل تقدير لكل سيارة أي 15 ضعفاً.

وهذا الأمر دفع الناس للاحتجاج منذ شهر تقريباً والمطالبة بتحسين الوضع وإزالة الحواجز المتحكمة بالمنطقة ولم تقوم الحكومة بالإستجابة حتى الآن.

[تظاهر مئات الأهالي في حي الشيخ نجار بمدينة حلب في 7تموز، وفق ما ذكر موقع المدن المعارض في ذلك الوقت. وطالب المتظاهرون بإزالة الحواجز التي تديرها الحكومة في المنطقة وتحسين خدمات الماء والكهرباء أيضاً ووضع حد للاستغلال والإهانة التي تمارسها الميليشيات الموالية للأسد في المنطقة].

غادر أولادك البلد بعد بدء الحرب في عام 2011؟ لماذا فضلت البقاء في حلب والاستمرار في العمل بمصنع النسيج؟

السبب الرئيسي لخروج أبنائي كان الخوف من التجنييد الإجباري وسوقهم للانخراط في العمل العسكري إلى جانب قوات النظام.

حاولوا كثيراً إقناعي ببيع جميع أملاكنا والخروج برفقتهم والبدء بحياة جديدة ومستقرة في تركيا حتى يتبين مستقبل البلد لكنني رفضت ذلك.

كيف يمكنني ترك كل مابنيته بلحظة؟ قضيت سنوات عمري في العمل بمجال النسيج والأقمشة وكان حلمي أن أمتلك مصنعاً في المنطقة الصناعية.

خمس وعشرون عاماً وأنا أعمل في هذا المكان، أعرف الجميع تقريباً، وأذهب وأعود من تلك الشوارع، كافحت كثيراً لأحقق حلمي والآن أراه يذهب أدراج الرياح.

كمساهم في مصنع النسيج في المدينة، لماذا تعتقد أن الحكومة أصدرت هذا القرار؟ وماذا ستفعل إذا لم تتمكن من بيع المعمل؟

من وجهة نظري وما يتم إشاعته بين الصناعيين بأن الحكومة تحاول الضغط على الصناعيين لدفعهم باتجاه بيع مصانعهم أو التخلي عنها للهيمنة على المنطقة الصناعية.

القرار الأخير تم الاعتراض عليه من قبل الصناعيين وغرفة الصناعة وهم يأملون بتغيير القرار ويعملون على ذلك، وباعتقادي لن يتغير شيئاً.

فحتى لو قامت الحكومة بتعديل القرار لن يتغير الوضع كثيراً، لأن الصعاب الأخرى المفروضة على أصحاب المعامل أخطر وأكثر ضرراً من القرار نفسه.

فالحكومة حتى الآن لم تتمكن من تأمين الكهرباء أو الماء أو حتى المازوت بشكل دائم ومستقر.

بالإضافة إلى تحكم الشبيحة والحواجز بالعباد والأرزاق وهو أمر يمكن للحكومة أن تضع حداً له وبشكل فوري إن أرادت.

حالياً عرضت بيع الآلات في المصنع بعد إيقافه بشكل كامل، وحصلت على عرض بقيمة 50 مليون، أي ما يعادل 100 ألف دولار مقابل الآلات الأربع في حين تبلغ قيمتها الحقيقية أكثر من 240 ألف دولار.

في الواقع أنا مضطر للبيع لأنني لم أتلق عرضاً أكثر من هذا المبلغ ولا أظن بأنني سأتلقى لأن المشتري يعلم بالظروف وسيقوم باستغلال الظروف جيداً.

ترجمة: فاطمة عاشور

نورا حوراني

حصلت نورا على شهادة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي من جامعة تشرين، عملت كصحفية في "سوريا على طول" منذ عام 2014، وحاصلة على شهادة في صحافة البيانات لتعزيز الكتابة الصحفية المتخصصة بحقوق النسان من "مركز حماية وحرية الصحفيين في الأردن"، وشاركت في العديد من الندوات المتعلقة بتطوير المجتمع المدني.