طبيب في الغوطة الشرقية: واقع مرير جداً أن تختار بين حياة شخصين

يضم قسم العناية المركزة الذي يعمل فيه محمد المرحوم، في الغوطة الشرقية، ١٦ سريراً، ويعالج هو وزملاؤه الأطباء ضعف هذا العدد، يستلقي المرضى المصابون بجروح خطيرة على فرش إسفنجية ممددة على الأرض بينما بالكاد توفر الستائر المعلقة الحد الأدنى من الخصوصية للمرضى.

يقول المرحوم لمراسلة سوريا على طول بهيرة الزرير "لا يوجد أسرة كافية"

يعمل المرحوم كطبيب مساعد في مشفى الغوطة الشرقية منذ خمس سنوات - منذ أن فرضت قوات النظام الحصار على الغوطة الخاضعة لسيطرة المعارضة حيث لم يتمكن من إكمال دراساته الطبية في دمشق.

واليوم، يتدفق العشرات من المرضى إلى المرافق الطبية ومراكز العناية المركزة كالتي يعمل بها المرحوم، حيث يشن النظام السوري وحلفائه حملة جوية وبرية دموية ضد الغوطة الشرقية.

وبسبب النقص الحاد في المعدات والإمدادات الطبية، يتوجب على المرحوم وزملائه أن يفكروا في الأشخاص الأكثر احتمالاً للنجاة والبقاء على قيد الحياة قبل تقديم العلاج.

يقول المرحوم يتوجب علينا "أن نختار بين طفل يأخذ دواء ويتحسن وضعه ويخرج لاحقاً، وبين رجل كبير في السن ويعاني من أكثر من مرض"، مضيفاً "بالتأكيد سنختار حياة الطفل".

طفل مصاب جراء غارة جوية يتلقى العلاج في مركز طبي في الغوطة الشرقية يوم الأربعاء. تصوير: مركز الغوطة الإعلامي.

وطلب المرحوم من سوريا على طول عدم نشر موقع المشفى الذي يعمل فيه خشية استهدافه من قبل الطائرات الحربية السورية أو الروسية.

ومع وصول مرضى جدد إلى قسم العناية المركزة، يقوم المرحوم أحيانًا بإجلاء المرضى الذين لا يزالون بحاجة إلى مراقبة طبية لإفساح المجال أمام الجرحى الأكثر خطورة.

يقول الطبيب "واقع مرير جداً... أن تختار بين حياة شخصين".

كم عدد الغرف الموجودة في قسم العناية المركزة في المشفى؟

في أغلب مراكز العناية المشددة الموجودة في الغوطة الشرقية، لا يوجد غرف تفصل بين المرضى، فغرف العناية تكون عبارة عن صالة فيها أسرّة، والفاصل بين المرضى عبارة عن ستائر وليس فاصل كغرف نظامية، لأن هذه الأماكن لم تكن مجهزة لكي تصبح مشافي، وأغلب المشافي خرجت عن الخدمة لذا هذه الأماكن جهزت بسرعة وليس هناك إمكانية لتصبح مجهزة كغرف عناية مشددة، على سبيل المثال ليس لدينا أدوات تعقيم للحفاظ على الغرف معقمة.

عانينا بالحملة الأخيرة جداً بسبب قصف عدة مستشفيات وعدد الجرحى الكبير جداً.

وإذا تحدثنا عن العناية المشددة فإن الغرفة مجهزة بـ ١٦ سرير فقط، وحالياً نضطر لاستقبال ٣٧ مريض وأكثر، أي ثلاث أضعاف ما هي مجهزة لاستقباله، مما يضطرنا أن ننقل بعض المرضى لفرشات على الأرض لأنه لا يوجد أسرّة كافية ولا يوجد مساحة فبين السرير والسرير الآخر يكون هناك فرشة إسفنجية، أي أن مريض العناية المركزة يكون على الأرض وأنا هنا أتكلم عن واقع حصل طبعا.

لدينا تجهيزات بسيطة وعدد محدود من أجهزة التنفس.

في الغوطة، هناك أطباء يتواصلون معنا كل يوم للسؤال عما إذا كان لدينا جهاز تنفس متاح للاستخدام للمرضى.

في حال لم تجد مساحة كافية للمصابين في قسم العناية المركزة، كيف يؤثر ذلك على عملية فرز المصابين (ترتيب الأولويات)؟

ترتيب المرضى حسب الأولوية، فالمريض الذي يكون هناك احتمال كبير لبقائه على قيد الحياة ويستجيب بعد تأمين المنفسة أو وحدات الدم والمستلزمات الطبية، يكون له الأولوية أكثر من المريض الذي تكون حالته صعبة وقد لا يتسجيب لعلاج.

أعقاب غارة جوية على دوما يوم الأحد. تصوير: مركز الغوطة الإعلامي.

بالإضافة إلى أننا كل يوم نستقبل عدداً كبيراً من المصابين، نحاول أن نخرج المريض الذي تحسنت حالته ليتلقى علاجه في مركز عناية متوسطة، ونتابع مع المريض، لكن نحاول تأمين سرير لمصاب حالته أسوأ.

وهناك مرضى يخرجون لمنازلهم وهم لا يزالون بحاجة لمتابعة حالتهم الصحية ومراقبة جروحهم لكن لا يوجد مكان بسبب الضغط، كما أننا نقوم بتجهيز غرف لإيواء مرضى بحاجة لإعطائهم الدواء فقط، لكن هؤلاء المرضى لو لم يكن هناك ضغط لتوجب أن يبقوا بالمشفى لاستكمال علاجهم، بدلا من خروجهم إلى منازلهم.

من خلال حديثي معك، ذكرت أنكم وصلتم لمرحلة الاختيار بين المصابين ذوي الحظ الأكبر في الحياة لتقديم سبل العلاج، وخصوصاً على المنفسة والعناية المركزة، كيف تشعر كطبيب عند اتخاذك مثل هذا القرار الصعب؟

أي طبيب عندما يختار بين مريض ومريض آخر، فهو بالطبع يختار بين روحين، وهو أمر صعب ومؤلم جداً.. صعب من الناحية الدينية وصعب من الناحية الإنسانية أن تختار بين روحين، أن تختار بين حياة شخصين، لكننا مضطرون لنواجه هذا الموقف، أن نختار بين طفل يأخذ دواء ويتحسن وضعه ويخرج لاحقاً، وبين رجل كبير في السن ويعاني من أكثر من مرض، بالتأكيد سنختار حياة الطفل.

أو أن نختار بين إصابة دماغية، حيث هناك ضياع مادي كبير لأن المريض بحاجة لجهاز تنفس، أو أن يأتي مريض آخر، بحاجة لجهاز تنفس لفترة وجيزة ويتحسن بعدها، وشاهدنا فعلاً حالات كثيرة تحسنت، وهنا بالتأكيد سنختار صاحب الحظ الأكبر بالنجاة لنعطيه جهاز التنفس، ليس لدينا خيار آخر، وفي النهاية ليس لديّ سوى مكان واحد، ليس بمقدوري أن أقدم العلاج لكليهما.

عندما كانت الأمور أفضل من الآن، كنا نبقى مع المريض لآخر لحظة دون أي تقصير منا، لم نكن نختار بينه وبين شخص آخر، لكن الوضع الآن مختلف.

وكنا نناقش وضع المريض مع أهله، أما الآن، نقوم بإخباره فوراً أنه ليس بمقدورنا القيام بأي شيء... إنه واقع مرير جداً.

بالنسبة لك كطبيب هل هناك حالات طبية استوقفتك وشعرت أمامها بالعجز عن تقديم واجبك الطبي؟

الحالات التي استوقفتني كطبيب، هي حالات الأطفال الصغار الذين لم يروا شيئاً في حياتهم إلا الحصار والجوع والقصف وغبار الأقبية، لم يعلم أن هناك عالم آخر في الخارج، هناك شيء اسمه حدائق، شيء اسمه بحر، لعب، أصدقاء وبالنهاية نرى الطفل لدينا بالمشفى مصاب.

أحياناً نرى أقاربنا في المشفى، أصيبوا أو استشهدوا. الأطفال يولدون ويموتون تحت الحصار.

هناك حالة طفل استوقفتني وأثرت فيَ شخصياً، منذ ثلاثة أشهر، جاءنا طفل عمره ثمان سنوات، لديه إصابة بساعده وإصابة ببطنه، وتم بتر ساعده. عندما استيقظ من البنج، كان ينظر لساعده المبتور ويقول لي عمو "شربني مي"، ثم ينظر لساعده المبتور ويسألني "وين إيدي" وهو ينظر لي نظرة البراءة.

هذا قهر كبير لنا وخاصة عندما نرى رد فعل العالم وصمته تجاههم، ما ذنب هذا الطفل؟ لم يحمل سلاح، هل ذنبه أنه يعيش بحرب، هو حتى لا يعرف معنى الحرب.

حالات كثيرة، كل قصة تترك جرحا فينا، وقفنا عاجزين أمام هذا الطفل.

 

ترجمة: سما محمد.

بهيرة الزرير

ولدت في دمشق. ودرست إدارة الأعمال والتسويق، غادرت إلى الأردن في العام 2013 بسبب الحرب. عملت كمتطوعة في منظمات دولية لمساعدة اللاجئين. قررت الانضمام إلى فريق سوريا على طول لتطوير مهاراتها وايجاد طريق جديد في حياتها.