عائلات هاربة من مناطق تنظيم الدولة في دير الزور تنقسم خلال رحلتها في الوصول إلى برّ الأمان

كانت عائلة أم طلاع المكونة من سبعة أفراد تعيش في إحدى قرى دير الزور الخاضعة لسيطرة تنظيم الدولة، ومع اقتراب جبهات القتال والقصف المدفعي من قريتها  في بداية شهر تشرين الأول اضطرت العائلة للفرار.

وقبل أن تبدأ الرحلة الخطيرة، المتجهة من ريف دير الزور الخاضع لسيطرة تنظيم الدولة إلى بر الأمان في  المخيمات الحدودية الواقعة على الحدود الشمالية الغربية مع تركيا، منذ أكثر من شهر، انقسمت عائلة أم طلاع إلى قسمين.

وكانت فكرة الانقسام اقتراح زوجها ، فهو يرى إذا أصاب نصف العائلة أي مكروه سينجو النصف الآخر ويبقى على قيد الحياة.

وقالت أم طلاع لمراسلة سوريا على طول، بهيرة الزرير "أخبرته إما أن نعيش معاً أو نموت معاً، لكنه لم يقبل"، وأضافت "أراد أن ينجو بعضنا ليحملوا اسم العائلة".

وبعد دفع مبلغ مالي للمهرب غادرت أم طلاع برفقة ابنتها واثنين من أولادها بإحدى الشاحنات، في حين غادرت ابنتها الأخرى وابنها الثالث مع والدهم في شاحنة أخرى.

وأضافت أم طلاع "شعرت بأنها ستكون المرة الأخيرة التي أراهم فيها".

وأعيد لم شمل العائلة مرة أخرى في مخيم السد، وهو مخيم للنازحين تديره قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة، شمال سوريا.

وفي مخيم السد دفعت الأسرة مبلغاً مالياً أيضاً لمهرب آخر، وانقسمت مجدداً لتكمل رحلتها نحو محافظة إدلب الخاضعة لسيطرة المعارضة ومنها إلى المخيمات الحدودية.

وبعد رحلة شاقة، وصل نصف العائلة، النصف الذين غادر مخيم السد مع أم طلاع، إلى مخيم النازحين في إدلب، ولم يكن هناكأية أخبار عن زوجها وباقي أطفالها، حتى أن أسماءهم لم تكن موجودة بسجلات مخيمات الحدود.

ولم تكن أم طلاع تدرك ما يجري، إلى أن أخبرها سكان المخيم، ممن كانوا ينتظرون أفراد أسرتهم أيضاً، أن باقي أفراد أسرتها قد يحتاجون إلى مزيد من الوقت ليصلوا، وبقيت أم طلاع تنتظر بقلق وخوف من أن بحدث ما هو أسوأ.

وقالت أم طلاع "صمدنا أمام ظلم الدواعش والقصف، ونجونا من كل شيء، لأفقد باقي عائلتي على الطريق!!".

وأضافت " ليس بوسعي فعل شيء لهم، غير البكاء كل يوم".

كيف غادرتي من القرية باتجاه مخيمات ادلب؟

غادرنا قرية خشام منذ أكثر من شهر ونصف بسبب كثرة القذائف والقصف الذي أحاط بنا من كل اتجاه، ولم يبقى أحد في خشام، فالجميع غادر القرية.

وأرسل لنا ابني طلاع، الذي غادر إلى تركيا في عام 2014، المال حتى نتمكن من الخروج من خشام  والذهاب إلى مخيمات الحدود الشمالية لمدينة إدلب ومن ثم السفر إلى تركيا حيث يعيش.

دفعنا للمهرب 100 دولار على كل شخص، أي 700 دولار لكامل العائلة مقابل إخراجنا من أراضي التنظيم.

ولم يقبل المهرب أن يفاوض على المبلغ إطلاقاً، كما أنه كان يستغلنا ويقول إذا كنت تريد أن تدفع، إدفع وإذا لم يكن لديكم كامل المبلغ هناك الكثير من الناس غيركم يريدون الذهاب.

صورة التقطت العام الماضي لنازحوا دير الزور. الصورة من صفحة تجمع مخيمات قاطع دير حسان/الدانا.

وقرر زوجي أبو طلاع أن ننقسم وأغادر أنا مع أولادي عبد الله وسليم وابنتي سماهر مع أحد المهربين

وهو  يغادر مع مهرب آخر برفقة ابنتي الأخرى رجوى وعدي، لأنه كان يخشى أن تلقي داعش القبض علينا أو أن يتم قصفنا ونقتل جميعاً، فهو يريد أن يبقى قسم منا على الأقل على قيد الحياة ليحمل أسم العائلة، وقلت له إما نعيش معا أو نموت معا، لكنه لم يقبل ذلك.

وغادرنا المكان عند الساعة الثانية صباحا وشعرت بأنها ستكون المرة الأخيرة التي أراهم فيها.

ماذا حدث بعد خروجك من أراضي تنظيم الدولة؟

عندما تحركت شاحنتنا كانت شاحنة أبو طلاع ورائنا واتجهنا شمالاً بطريق الصحراء بين دير الزور والحسكة قرابة ستة ساعات وحينها شعرت بالتعب ونمت قليلاً.

وعندما استيقظت نظرت إلى الوراء لم أرى الشاحنة التي تقل أبو طلاع والأولاد خلفنا، وبدأت بالبكاء، فقال لي المهرب إن هناك الكثير من حواجز التفتيش التابعة لقسد على الطريق ومن الممكن أن يكونوا قد سلكوا طريقاً آخر ليتجنبوا بعضها.

وأوصلنا المهرب إلى مناطق قسد حسب الاتفاق وسمحوا لنا بدخول مخيم السد بعد أخذ اسمائنا وتفتيشنا.

وبعد تسعة ساعات التقينا مرة اخرى مع زوجي وأولادي وكانوا قد دخلوا المخيم من حاجز تفتيش آخر.

وقضينا يومين في مخيم السد إلى أن وجدنا مهرب آخر يخرجنا من هنا إلى ادلب مقابل 300 دولار.

وهنا انقسمنا مرة اخرى إلى قسمين كما فعلنا في المرة الأولى ودفعنا للمهرب 600 دولار مقابل اخراجنا على مجموعتين.

وعندما وصلت شاحنتنا إلى الباب (شمال شرق ريف حلب) اوقفنا حاجز تفتيش درع الفرات حيث قام الجيش الحر بتفتيشنا وخاصة الرجال وكان اجمالي عددنا 4 اطفال و10 بالغين.

وبعد حاجز درع الفرات، ذهبنا إلى منطقة خاضعة للجيش الحر، وبقينا هناك ثلاث أيام حيث كنا ننام في العراء، الرجال تحت شجرة والنساء في الشاحنات مع الأطفال، وكان الرجال يتناوبون في النوم لحراستنا خوفا من أن يهاجمنا أحدا أثناء نومنا.

كما أننا قد حصلنا على الماء والطعام من القرى التي مررنا بها، وكنا جميعا خائفين مما ينتظرنا.

 

في اليوم الثالث من مغادرتنا مخيم السد، تعطلت شاحنتنا على الطريق، و لم نتمكن من السير بسبب كثرة الأمتعة التي كانت معنا، بعدها استطاع السائق من إحضار ميكانيكي لإصلاح الشاحنة، وتابعنا طريقنا إلى أن وصلنا إلى حاجز تابع لقوات سوريا الديمقراطية، الذي طلب مبلغاً من المال مقابل السماح لنا بالدخول إلى عفرين.

وأثناء تفتيشنا على الحاجز أعتقلت قوات "قسد" رجلاً كان معنا يبلغ من العمر 35 عاماً بذريعة أنه ينتمي لداعش ، وبدأت زوجة الرجل بالبكاء والصراخ، لكن السائق تابع طريقه باتجاه عفرين.

وعند وصولنا إلى عفرين لم أكن أعلم شيئاً عن أبي طلاع وباقي الأولاد وتابعنا الرحلة إلى أن وصلنا إلى سرمدا في إدلب، وهنا تركنا السائق وغادر بحسب اتفاقنا معه.

وفي سرمدا نمنا في العراء ليومين وكان بعض الناس يعطوننا الخبز والطعام لنأكل، وهنا أخبرنا أحد الرجال الذي كان معنا طوال الرحلة أنه من الأفضل لنا أن نذهب إلى المخيمات حيث سيقدمون لنا الخيام والطعام.

ولكن لم يكن لدينا المال لنأخذ سيارة أجرة كما فعل معظم من كان معنا، وكنت محرجة جداً من أن أطلب منهم أن نرافقهم، فاكتفيت بطلب حمل أمتعتنا معهم إلى مخيم دير حسن.

وفي اليوم التالي ذهبنا أنا وأولادي سيراً على الأقدام ، حيث كنا نسير لمدة ساعتين، ونأخذ استراحة لمدة ثلاثة ساعات أو أكثر، إلى أن رآنا سائق على الطريق وشعر بالشفقة حيالنا ونقلنا إلى المخيم.

وفور وصولنا إلى المخيمات سألت الإدارة هناك عن زوجي وأولادي إلا أن أسماءهم لم تكن موجودة في السجلات.

ماذا كانت ردة فعلك عندما علمت أن زوجك وأولادك ليسوا بالمخيمات؟

بمجرد أن أخبرونا أنهم لم يكونوا هناك، فقدت صوابي وبدأ الجميع يحاول تهدئتي وقالوا لي أنه علي أن أنتظر، ربما هم لا يزالون على الطريق.

صمدنا أمام ظلم الدواعش والقصف، ونجينا من كل شيء، لافقد باقي عائلتي على الطريق؟.

لا أستطيع أن أصف شعوري.

لقد وصلنا إلى المخيم منذ أسبوعين والكثير من الناس هنا يقولون لي بأننا وصلنا بمدة قصيرة، وربما يحتاج باقي عائلتي مزيد من الوقت ليصلوا.

والكثير من الناس هنا وضعهم مثل وضعي ينتظرون وصول باقي أفراد أسرتهم.

بهيرة الزرير

ولدت في دمشق. ودرست إدارة الأعمال والتسويق، غادرت إلى الأردن في العام 2013 بسبب الحرب. عملت كمتطوعة في منظمات دولية لمساعدة اللاجئين. قررت الانضمام إلى فريق سوريا على طول لتطوير مهاراتها وايجاد طريق جديد في حياتها.