عدسة شاب حمصي "من خلال الصورة تصل المعاناة بشكل يحفز الناس على مشاركتها كخبر بسرعة أكبر"

من خلال الزجاج المكسور تتسلل أشعة شمس الظهيرة ، تلمس بخجل جروح المباني التي تسببت بها القنابل والرصاص في الوعر.

ومن داخل الوعر، آخر معقل للثوار في مدينة حمص، يجعل مهند حمود نافذة الزجاج المهشم تلك إطارا فنيا لصورة تتجسد فيها شظايا الحرب من جهة بينما تعانقها أشعة الأمل من جهة أخرى، ويضغط على زر آلة التصوير معلنا ولادة المشهد.

المصور البالغ من العمر 25 عاما، هو آخر أعضاء فريق عدسة شاب حمصي، وهي صفحة انطلقت لتوثيق أحداث الثورة، من خلال التصوير الفوتوغرافي، في حمص.

كان مهند طالب قانون عندما خرجت المظاهرات في عام 2011، شارك في المظاهرات "منذ الصيحة الأولى".

وعندما بدأ الجيش السوري بإطلاق النار على المظاهرات، اختار البعض في المعارضة حمل السلاح، أما مهند فاختار أن يحمل كاميرته مشيرا إلى أن رغبته كانت "بأن يبقى عملي نضالاً سلمياً في الثورة"، وفقا لما قاله المصور لمراسلة سوريا على طول، سما محمد.

مهند حمود، أو مهند الخالدية، كما يسميه أهالي حمص، كان واحدا من خمسة مصورين شباب يعملون بشكل جماعي وينشرون الصور عبر صفحة عدسة شاب حمصي. وهناك صفحات مماثلة لعدسات شابة أنشئت في المناطق السورية، مثل دمشق وحماة.

اليوم، مهند هو الوحيد المتبقي في حمص. غادر بعض أعضاء الفريق مدينة حمص، في حين فر آخرون بعد اعتقالهم من قبل النظام.

يقول مهند أنه لن يغادر، لذا بقي في الوعر، مع 50 ألف شخص آخرين.

هناك، خلال سنوات من حصار النظام للمنطقة، والقصف الذي استمر بشكل متقطع رغم المفاوضات الجارية للتوصل إلى الهدنة، صورت عدسته الدمار والحياة على حد سواء.

"إن أهمية الحياة في الصور كما أراها أنها تخرج أملنا من ألمنا".

حقوق نشر جميع الصور: لـ عدسة شاب حمصي.

مدينة حمص، منطقة بستان الديوان، حزيران 2013.

كشخص فاعل في الثورة وناشط على الأرض منذ البداية، وكمواطن إحدى المناطق المحاصرة، كيف ترى الأحداث الأخيرة في حلب؟ هل هي النهاية؟

الرأي حول حلب لايختلف عليه شخصان، خذلان العالم للثورة. وسقوط حلب بالنسبة للوعر مثل فقدان الأخ لأخيه، أو الرفيق لرفيقه، فالمناطق المحاصرة تواسي بعضها دائماً، وكلما نقصت منطقة نشعر أننا بقينا وحدنا ونقول دائما جاء دورن الآن.

بالتأكيد إنها ليست النهاية للثورة، ولو هزمنا وتهجرنا جميعنا، الثورة مستمرة وسينتصر الخير على الشر ولو بعد حين.

مدينة حمص، منطقة القصور، تشرين الثاني 2013.

في الصور، هناك الكثير من الدمار والحزن، وفي نفس الوقت الكثير من الحياة، لم توثق الاعتداءات فقط، إنما لحظات نابضة بالحياة أيضا. ما أهمية ذلك بالنسبة لك؟

أهمية الحياة في الصور كما أراها أنها تخرج أملنا من ألمنا، الأمل الذي قد لايراه إلا من يمر على الأطلال، لكني داومت على رؤيته من خلال محاربة اليأس والتقاطة الشمس من خلف الدمار. كما سمعت تعليقات لكثر من حولي في الحيّ غالبيتها شكر على أنهم يرون في صوري مالا يروه عند مرورهم في الدمار، أو لدى رؤيتهم لصور التوثيق الاعتيادية على شبكات الأخبار.

مدينة حمص، كانون الثاني 2014.

في الكثير من الصور على صفحة عدسة شاب حمصي (ك هذه، هذه، وهذه)، تظهر الأماكن الخاصة مثل المطابخ، غرف النوم، الصالونات، وقد أصبحت مفتوحة وعارية بسبب الدمار والقصف. نرى أجزاء من الحياة اللشخصية للناس— الطعام لايزال  على الطاولة، السرير، وغيرها. مالذي تعنيه هذه الصور بالنسبة لك، ماهي الرسالة اللي يمكن أن نفهمها من هذه الصور؟  ماهو إحساسك وأنت تصور هذه الأماكن وترى ذكريات وحياة أشخاص آخرين غائبين؟

أحببت سؤالك هذا، الفكرة بسيطة جداً، أغلبنا بالداخل أصبحت ذكرياتهم مفتوحة على بعضها، ويتشاركونها. مع أنه ليس كل من يمر بالجوار يعرف مايعنيه هذا الحائط لجاره، والذي فتح ذكرياته وكشفها للمارة، إلا أنه يعرف بالتأكيد أن هذه الفتحة هي الجرح... والناس في الداخل تشاركت جروحها. بهذه الطريقة أنا أفسر الأمور.

لكن على العموم انا التقطت هذه الصور لمحاربة التوثيق التقليدي في التصوير.

الوعر، تشرين الثاني 2016.

في أجوبتك، وصفت تصويرك كتوثيق للأحداث في حمص. وفي نفس الوقت، الكثير من الصور على صفحتك تبدو وكأنها تحمل روحا فنية. ما هي أهمية الفن في التوثيق؟ في رأيك، هل يساعد هذا في إيصال معاناة السكان المحاصرين إلى العالم؟

إن أهمية الفن والإبداع في التصوير هي تماماً سرعة وصوله للعالم، وبهذا تصل المعاناة بشكل يحفز الناس على مشاركتها كخبر بسرعة أكبر.

الوعر، تشرين الأول 2014.

من أين جاءت فكرة صفحة عدسة شاب حمصي؟

فكرة عدسة شاب حمصي هي لمجموعة شباب حماصنة جاءت من حاجة لتوثيق الحدث بصورة عبر وسائل التواصل، وليصل بشكل أسرع للعالم وبطرق فنية وموهوبة

الوعر، آذار 2016.

كنتم 5 شباب مصورين، ومسؤولين عن الصفحة ثم سافر أصدقاؤك وبقيت أنت، مالذي دفعك للبقاء؟

سافر بقية اصدقائي في فريق العدسة لعدة أسباب، منهم من سافر بعد إطلاق سراحه من المعتقل ومنهم بعد التهجير من مناطقهم في المدينة، وبقيت أنا كوني أقيم في حي الوعر، وهذا لايميزني عنهم بانتمائي وحبي لمدينتي وعملي فيها.

مدينة حمص المحاصرة، أيار 2013.

هل تعرضت لأي مخاطر أثناء عملك؟

كثيراً مانواجه الخطر خلال التوثيق، خاصة أثناء القصف، لكننا اعتدنا على ذلك حتى صرنا لانبالي غالباً!

ولانزال أحياء وهي معجزة بحد ذاتها في حمص.

منطقة جورة الشياح، حمص، تشرين الثاني 2013.

ماهي أجمل اللحظات وأسوأ اللحظات التي التقطتها بكاميرتك؟

أجمل اللحظات هي المظاهرات الحاشدة وصور الأطفال المحاصرين الذين ما نال الحصار من ضحكاتهم... وأسوأ اللحظات هي فترات القصف وهروب الأهالي للملاجئ.

الوعر،  حزيران، 2015.

هل تشعر أن عملك في التصوير تطور وتغير خلال السنوات الخمس الماضية؟

طبعاً. كنت ولازلت أسعى لأن أطور نفسي بمجال العمل الذي أحب، من خلال حضور كورسات عبر الإنترنت في مجال التصوير وصناعة الأفلام وحتى كتابة السيناريو...

حمص، بستان الديوان، تشرين الثاني 2013.

 

[ وفي وقت سابق من هذا العام] نلت شهادتيّ دبلوم في التصوير السينمائي وصناعة الأفلام من الأكاديمية البريطانية للتطوير والتدريب، الأمر الذي كان كالحلم المستحيل بالنسبة لي أن أحصل على شهادات في مجال أحبه وأعمل به وأنا محاصر منذ أعوام!

الوعر، أيار 2013.

لحد اليوم، لديك مئات من الصور...هل هناك أي صورة لا تستطيع نسيانها؟ أو أي صورة لها أهمية كبيرة بالنسبة لك شخصيا أو في إطار عملك بشكل عام؟ ماهي؟ ولماذا؟

بصراحة ألتقط الكثير من الصور وأوثق الكثير، لكن غالباً لا أنشر إلا الصورة التي تؤثر بي، والتي تشدني كي أصور بالأصل، كما لاحظتي، أي الصور التي توصل معاناة الناس وتحمل طابعا فنيا، بحيث تعطي شيء من الأمل في الوقت ذاته.

حافلات النظام الخضراء تخرج من الوعر، أيلول 2016.

وأكثر الصور التي أحبها ولا أنساها هي سيلفي مع الطفل الشهير بابتسامة كنيت باسم حمص فراس، التقطت السيلفي معه عند توديعه مهجراً باتجاه إدلب مع عائلته.

[غادر مئات من الثوار وعائلاتهم الوعر في حمص باتجاه ريف حمص الشمالي الخاضع لسيطرة المعارضة، في أيلول، وفقا لاتفاقية وقف إطلاق النار، التي تمت على عدة مراحل، مع الحكومة السورية. وفشل الاتفاق في وقت لاحق بسبب عدم التزام نظام الأسد بواحد من الشروط الرئيسية- في الإفراج عن الآلاف من معتقلي المعارضة لدى النظام. ولا تزال المفاوضات جارية].

الوعر، أيلول 2016

هل شاركت في المظاهرات منذ البداية؟ متى بدأت بتوثيق مايحدث في سوريا؟

نعم وشاركت منذ الصيحة الأولى في مظاهرات حمص. ولو أعيدت من البداية لما ترددت بالمشاركة أبداً.

بدأت بالتوثيق فعلياً في عام 2013، عبر تحويل التصوير من هواية إلى عمل أقدمه في خدمة الثورة دون مقابل، ودفعني له رغبتي بأن يبقى عملي نضالاً سلمياً في الثورة>

حمص المحاصرة. كانون الأول 2013.

سما محمد

من محافظة درعا. تخرجت من جامعة دمشق وحصلت على بكالوريوس في الآداب عام 2011. غادرت إلى الأردن عام 2013 بسبب الأحداث في سورية، وعملت كمترجمة ومدرسة للغة الإنجليزية. وهي مهتمة بالعمل الصحفي لنقل حقيقة الأحداث الدائرة في سوريا إلى العالم.