"لا أحد يفكر بالعودة" بعد تفجير سيارة مفخخة قتل أكثر من مئة شخص وهم يغادرون كفريا والفوعة

حصدت سيارة مفخخة مجهولة المصدر، أرواح أكثر من 100 شخص في يوم السبت، معظمهم من قريتي الفوعة وكفريا ذاتا الغالبية الشيعية، واللتين يحاصرهما الثوار.

وجاء التفجير بعد اتفاق استسلام وإخلاء معقد توسطته إيران وقطر في الشهر الماضي، ينص على إخلاء آلاف القرويين الشيعة من الفوعة وكفريا. وبالمقابل إخلاء بعض المقاتلين المواليين للمعارضة وبعض المدنيين من بلدتي مضايا والزبداني التي تحيط بدمشق، ووادي بردى أيضاً.

وكانت مضايا والزبداني، والفوعة وكفريا جميعها تخضع لحصار النظام وقوات الثوار على التوالي منذ عامين.

وبعد أيام من التأجيل، غادرت الدفعة الأولى التي تتكون من 2000 نسمة من ساكني ضواحي دمشق الموالين للمعارضة مقابل 5000 نسمة من ساكني إدلب الموالين للنظام، الجمعة. وتوجه جميع المهجَرين إلى نقاط التبادل في وعلى أطراف مدينة حلب الخاضعة لسيطرة النظام. وتأجلت رحلة الجميع إلى السبت. وهناك في حي الراشدين، الخاضع لسيطرة الثوار، انتظرت عشرات الحافلات التي تحمل على متنها أهالي كفريا والفوعة لساعات قبل دخولها مدينة حلب ليتم مبادلتهم مع نظرائهم من ضواحي دمشق. وفي الانتظار، جلس الرجال والنساء والأطفال داخل الباصات أو على العشب على جانب الطريق. 

ومن ثم، ووفق مصادر ميدانية وتسجيلات مصورة من مكان الحدث، سارت شاحنة بيك اب زرقاء يفترض أنها تحمل الطعام ولكنها في الواقع ممتلئة بالمتفجرات باتجاه الباصات وانفجرت.

الأشلاء بالقرب من الباصات التي تم استهدافها بسيارة انتحارية مفخخة، السبت. حقوق نشر الصورة لـIbrahim Ebu Leys/Anadolu Agency.ـ

وأسفر الانفجار الهائل عن مقتل أكثر من 100، وفقاً لكل من المصادر الموالية للمعارضة او النظام.

ولم تتبن أي جهة بعد مسؤولية المجزرة.

وفي أعقاب تفجير السبت، ظهرت على الفور تقريباَ روايات تصارع وتناقض بعضها البعض؛ ففي حين دعت مواقع الإعلام الموالية للنظام المجزرة بالهجوم الإرهابي، اتهم موالو المعارضة النظام بمسؤولية ما حدث لتخريب اتفاقية الإخلاء.

الهلال الأحمر العربي السوري وعناصر الدفاع المدني عقب تفجير يوم السبت، حقوق نشر الصورة للدفاع المدني في حلب.

وأدان مؤيدو الأسد على وسائل التواصل الاجتماعي اختلال التوازن، من منظورهم، فيما يتعلق بتغطية التفجير بالمقارنة مع هجوم النظام الآخير بغاز السارين على بلدة إدلب المعارضة. وأدان مؤيدوا الثوار النظام وأشادوا بالإعلاميين المعارضين الذين تم تصويرهم وهم ينقذون الجرحى.

وفي مركز دوامة الاتهامات والخطابات يقع الضحايا، أولئك الذين كانوا يظنون أنهم خارجون من كابوس ليجدوا أنفسهم على أبواب كابوس آخر.

وفي يوم الإثنين، بعد يومين من التفجير، تحدثت نورا حوراني ومحمد الحاج علي، مراسلي سوريا على طول، مع اثنين من أهالي الفوعة وكفريا، أحدهما كان في ذات القافلة التي تم استهدافها السبت، وأيضاً مع صحفي مراسل من قناة أورينت المعارضة والذي كان في موقع التفجير وكان يسحب الضحايا من الحطام.

 

  • حسين، 31عاماً، ممرض من كفريا، ومتزوج ولديه طفلان. وتم إخلاؤه في القافلة التي تم استهدافها، ويقيم حالياً بمركز ايواء مؤقت في منطقة جبرين، مدينة حلب.   

 

كنت وعائلتك في إحدى باصات القافلة التي تم استهدافها في الراشدين، السبت بانتظار دخول مناطق النظام. أين كنتم حين حدث التفجير؟

الرحلة كانت مرعبة جدا، كان الخوف يسيطر علينا طول فترة الرحلة من أي يحصل إطلاق نار أو اعتقال لكن للأسف الذي حدث كان فوق التوقع. تأثيره كان قوياً، الذين قتلوا او أصيبوا أغلبهم نساء وأطفال، إلا أنه بنفس الوقت كان متوقعاً نوعاً ما.

كنت ابعد تقريبا 1 كم عن مكان التفجير ولم أستطع الذهاب إلى هناك. لكننا سمعنا صوت التفجير، ورأينا أعمدة الدخان المتصاعد من المكان، مباشرة عرفنا انّ ما كنا خائفين منه حدث.

بعد ساعات من التفجير، استطعت أن تدخل ومن معك من الناجين الراموسة، في مناطق النظام. ما هو شعورك وأنت تخرج من حصار استمر لعامين، وأين ستذهب الآن؟

لا أعرف ما أقول، أحيانا أشعر بالسعادة بسبب خروجي بخير من كفريا والفوعة بعد هذا الحصار، وأيضا أنني نجوت من هذا التفجير. وأحيانا ابدأ البكاء بسبب الذين قتلوا وجرحوا في التفجير الإرهابيّ الذي حصل، وخوفاً على الأشخاص الذين مازالوا داخل كفريا والفوعة.

في البداية بدأت أطمئن على الأشخاص الذين أعرفهم. وبالتفكير بماذا سوف أفعل، أفكر الآن بالذهاب إلى دمشق، يوجد أقارب لي هناك في منطقة السيدة زينب، لكن يجب أن أرتب كل الأمور أولاً من ناحية السكن والعمل هناك. وكيف سأصل إلى دمشق.

كيف أثرّ عليك تفجير يوم السبت؟ هربت من الحصار ولكنك دفعت ثمناً مريعاً؟

نعم، نحن منذ سنتين ندفع ثمنا كبيرا، خلال فترت الحصار كنا ندفع الثمن أيضا وليس فقط في هذا التفجير، كان هناك جوع ونقص في كل شيء؛ الأدوية والطعام. فضلا عن القصف من قبل المسحلين في المناطق المجاورة.

بعض المصادر المعارضة تتهم النظام بتنفيذ التفجير، ماهو ردك على ذلك؟

بغض النظر عن الجهة التي قامت بهذا التفجير، لكنها بكل تأكيد إرهابية، الهدف من وراء هذا التفجير هو إشعال نار الفتنة بين السوريين، كي لا يتم أي اتفاق مصالحة آخر في منطفة أخرى.

بعد سنتين من الحصار والقصف، وثم هذا التفجير، هل لديك أمل أن تعود إلى منزلك في كفريا في يوم ما، وتعيش حياة طبيعية؟

يبقى الأمل موجودا بكل تأكيد، إذا خرجنا أو لم نخرج سوف تبقى هذه البلدات في قلبي، يوجد فيها كل ذكريات الطفولة. لا يوجد أي مكان يوفر لك الأمان والراحة مثل بلدك الأم، مع أصدقائك وأهلك وعائلتك. أياً كان المكان الذي سوف نخرج إليه وأياً كانت الخدمات التي سوف تقدم لنا سوف تبقى قريتنا هي الأفضل.

 

  • أبو حيدر، 37عاماً، معلم رياضيات، متزوج وأب لطفلة، ويقيم حالياً في الفوعة. ومن المقرر أن يغادر بلدته التي يحاصرها الثوار في الدفعة القادمة من عملية الإخلاء.

في الأسبوع الماضي، وقبل بدء الإخلاء، أخبرنا أناس من الفوعة وكفريا أنهم يخشون تفجيراً من الفصائل الثورية أو المؤيدين لهم خلال عملية الإخلاء، فماهي ردة فعل أولئك الناس الذين من المقرر خروجهم؟

هناك تخوف كبير بين الناس، بسبب هذا التفجير وخصوصاً أن هناك عدد كبير من الشهداء والجرحى، لكن الناس ما زالوا مصرين على الخروج من المنطقة، فهم يقولون إن بقينا هنا سوف نموت بسبب القصف والحصار والجوع، لكن إذا خرجنا هناك احتمال أن نصل سالمين إلى بر الأمان.

لكن الخوف الأكبر الآن من إلغاء الاتفاقية، بعد هذا التفجير من الممكن أن يتم إلغاؤها من قبل الأطراف التي اتفقت عليها وخصوصاً انه لا يوجد أي طرف من هذه الأطراف موجود داخل كفريا والفوعة. نتمنى أن تستمر هذه الاتفاقية ويتم إخراج كل المدنيين بخير وسلامة.

هل يوجد أي إجراءات أمنية من الممكن أن تتخذوها عند الخروج أو أنكم ستعتمدون كلياً على حماية الفصائل الثورية؟

لا أعتقد أننا نستطيع فعل أي شيء، نحن المدنيون لم نكن طرفاً في المفاوضات ولا نستطيع فعل شيء. لكن نتمنى من الهلال الأحمر والأمم المتحدة أن تقوم بإجراءات جديدة يتم فيها ضمان سلامة خروج الدفعة الثانية. أو البحث عن طريق آخر لا يمر من مناطق للمسلحين.

نحن نناشد كل المعنيين ضمان سلامتنا عند الخروج بعد شهرين.

من هم أولئك الـ 5000 الّذين خرجوا في الدفعات الأولى وتم استهدفهم  هذا التفجير؟

في الدفعة الأولى خرج عدد كبير من الناس المصابين والمرضى بالإضافة إلى العائلات العادية، الذين كانوا يريدون الخروج بأسرع وقت ممكن لأسباب خاصة بهم. لا أعتقد أنه يوجد بينهم أشخاص مسلحين أو عسكرين. جميعهم مدنيون ويغلب عليهم الأطفال والنساء. وحسب ما سمعنا أن اغلب المفقودين هم أطفال ونساء. لكن للأسف الإرهاب لا يفرق.

بعد سنتين من الحصار والقصف من قبل المعارضة والمسلحين في البلدات والقرى المحيطة، وثم هذا التفجير، هل عندك أمل أن تعود إلى منزلك يوماً ما، وتعيش حياة طبيعية بين جيرانك؟

لا أحد يفكر الآن بالعودة إلى منزله أو قريته، كل ما تفكر به الناس الآن داخل كفريا والفوعة الخروج، هل سوف يخروجون. هل سوف يصلون إلى بر الأمان بخير. هذا ما يشغل عقول الأهالي.

يوجد خوف من عدم العودة بكل تأكيد لكن تبقى الآن آخر شيء يتم التفكير به. مع هذا الوضع، الحصار والقصف والتفجيرات، الناس تريد العيش بسلام فقط.

 

  • عمار جابر مراسل قناة أورينت، 34 عاماً متزوج وأب لطفل من أبناء مدينة حلب الشرقية. عايش المعركة الأخيرة فيها وإخلاء السكان من المدينة. وفي يوم السبت كان يغطي عملية الإخلاء من الراشدين. وساعد في إنقاذ أهالي كفريا والفوعة المصابين بعد تفجير السيارة.

 

كنت موجوداً في موقع الحدث هل لك أن تروي لنا ماذا حدث لحظة التفجير؟

كنا موجودين للتغطية الإعلامية بانتظار عملية التبادل في منطقة الصفر وهي المنطقة المتفق عليها لإتمام عملية التبادل في الراشدين بحلب، وعند الساعة الثالثة و35 دقيقة بالضبط حدث انفجار هائل بين الحافلات التي كانت تنقل أهالي كفريا والفوعة والمسلحين.

وسبب الانفجار كان سيارة مفخخة كانت موجودة بين الحافلات ونقطة تجمع للثوار المرافقين للحافلات ولكن حتى هذه اللحظة لم يتم معرفة من أين دخلت هذه السيارة ولمن تتبع.

كنت على بعد 200 متر تقريباً عن الحافلات عندما دوى صوت الانفجار الهائل، هرعنا أنا وزملائي الصحفيون والناشطون وفي غضون دقائق كنا وسط المجزرة.

التفجير كان مهوولاً، ومرعباً؛ أشلاء متناثرة هنا وهناك ودماء ونيران ودخان، في مشهد لا يمكن وصفه.

عمار جابر (على اليمين)، يحمل طفلا جريحاً من موقع تفجير السيارة، السبت. حقوق نشر الصورة لـMahmood Talha

تواردت أقاويل أن السيارة دخلت من مناطق النظام كيف ذلك؟ وباعتبار أن منطقة الراشدين تحت سيطرة الثوار، ألم يكن هناك تفتيش من قبل الفصائل للسيارات الآتية للمنطقة؟

هذا صحيح منطقة الراشدين خاضعة لسيطرة الثوار منذ أربع سنوات تقريباً، وكثر الحديث والتساؤلات عن المكان الذي دخلت منه السيارة، وعلى مدار يومين كانت سيارات الهلال الأحمر وسيارات تابعة للنظام تدخل من منطقة الراشدين إلى مناطق النظام في الراموسة لتنقل المواد الغذائية إلى أهالي كفريا والفوعة وتعود إلى الراشدين.

أما بالنسبة للثوار فكان هناك تفتيش دقيق على السيارات والحافلات وكذلك تدقيق على الأشخاص الذين دخلوا منطقة الراشدين، من جهة مناطقهم.

تم تداول الكثير من الصور لك ولمراسلين قنوات أخرى وكيف تركتم عملكم الأساسي وكاميراتكم وهرعتم لنقل المصابين، ما الذي كان يدور في فكرك لحظتها؟

في لحظة  كهذه، لا يمكن أن تفكر في شيء آخر غير إنقاذ الناس، لو كنت موجودة في المكان لن يتحرك بك شعور سوى الشعور الإنساني.

مثلي كل الذين كانوا موجودين هناك، من صحفيين ودفاع مدني وثوار، دفعتنا الفطرة الإنسانية لإنقاذ الروح البشرية بغض النظر عن أي شيء آخر.

لم يتوارد لذهني أبداً العمل الذي جئت من أجله ولا حتى واجبي بالتصوير أو نقل ما يحدث، تركت كل شيء واستجبت لنداء الإنسانية والضمير، جميعنا تساعدنا على نقل المصابين والجرحى والأطفال.

لم أفكر للحظة من هو ذلك الطفل الذي أحمله، أو تلك المرأة، هل هم موالون للنظام أو هل هم أعداء لنا ووجهوا بنادقهم تجاهنا يوماً ما، كل ذلك سقط في تلك اللحظة، حتى أنني رأيت بعيني كيف أن الثوار كانوا يحملون وينقلون مقاتلين ومسلحين كفريا والفوعة.

في الحقيقة شعرت بالصدمة لأنني لم أتخيل أو أتوقع هكذا انفجار وبهذه الضخامة وفي هذا المكان بالتحديد، نحن بالنهاية بشر والفطرة والواجب الإنساني هو من دفعني لإنقاذ الناس، تذكرت حلب وأطفال حلب ولم يختلف شعوري أبداً عما كنت أحسه عندما كنت أحمل أطفال حلب عن أطفال كفريا والفوعة.

كان هناك أطفال يحترقون ونساء بترت أطرافها، بقيت أنقل المصابين لسيارات الإسعاف حتى النهاية وهمي كان إنقاذ أكبر عدد ممكن من الناس.

إلى أين تم نقل المصابين؟ وهل ما زال هناك مصابين في مناطق المعارضة؟

تم نقل المصابين إلى المشافي في مناطق المعارضة بريف إدلب وريف حلب ومنهم تم نقلهم إلى باب الهوى والمشافي الحدودية.

وبعد عدة ساعات من نقلهم إلى المشافي جاءت سيارات من الهلال الأحمر ونقلت أغلب الحالات التي يمكن نقلها إلى حلب.

ربما بقي بعض الحالات الحرجة في مشافي المعارضة، لا يمكنني تأكيد ذلك.

ترجمة: فاطمة عاشور

نورا حوراني

نورا من اللاذقية، سوريا. درست الادب الإنجليزي في جامعة تشرين وعملت كمدرسة للغة الإنجليزية. غادرت نورا سوريا إلى الأردن في بداية الأزمة السورية. تأمل نورا بإيجاد الحلول للحرب الدائرة في سوريا من خلال نشر تقاريرها.

محمد الحاج علي

محمد ولد في درعا، وأكمل سنته الأولى في دراسة الصحافة والإعلام في جامعة دمشق قبل أن يترك سوريا في آب من العام 2012. أمضى سنة ونصف في العمل بالعلاقات الاجتماعية لقناة أخبار سورية معارضة وفي محطة راديو سوريا في عمان قبل أن ينضم إلى سوريا على طول. يأمل بمستقبل افضل لسورية مدنيّة ترحب بالجميع، وتنصف الجميع، بغض النظر عن الدين، العرق أو الطائفة.