محلل في معهد دراسات الحرب: النظام وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في طريقهما إلى "الصراع" على صحراء دير الزور الغنية بالنفط

إن النظام السوري والتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة "مُقبِلون على مرحلة من التنافس والمواجهة" فيما بينهما في معركة مدينة دير الزورالتي تجري أحداثها على ضفاف الفرات في شرقي سوريا، وفق ما قاله كريس كوزاك، محلل الأبحاث في معهد دراسات الحرب.

ويشن النظام وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) ذات الغالبية الكردية المدعومة أمريكياً حملتين منفصلتين ضد تنظيم الدولة للسيطرة على مدينة دير الزور وضواحيها الواقعة على ضفاف نهر الفرات، وتسعى قسد إلى تثبيت سيطرتها على الأراضي التي تقع على الضفة الشرقية للنهر، بينما تقوم الحكومة السورية بتطويق الأحياء التي يسيطر عليها تنظيم الدولة على الضفة الغربية للنهر.

وتحتوي محافظة دير الزور، التي تخضع معظم أحيائها لسيطرة تنظيم الدولة منذ عام 2014، على حقول كبيرة من النفط والغاز الطبيعي والتي تقع جنوب مركز المحافظة وعلى الضفة الشرقية لنهر الفرات، وتعتبر منطقة استراتيجية ذات أهمية بالنسبة للحكومة السورية.

ويتنافس الطرفان بشدة على حقول النفط هذه، إذ أن السيطرة عليها، ستمكن النظام من "التحكم باقتصاد مناطق غرب سوريا والتي تقع تحت سيطرته، أما بالنسبة لقوات سوريا الديمقراطية، فسترفع حقول النفط الجدوى المالية للفدرالية أو المنطقة التي تتمتع بنوع من الحكم الذاتي"، وذلك حسبما ذكر كريس كوزاك.  

وكان عناصر من الجيش السوري إلى جانب آلاف المدنيين قد تم احتجازهم لسنوات بعدما أطبق تنظيم الدولة حصاره عليهم، إلى أن تمكن النظام من اختراق خطوط تنظيم الدولة في معركته التي شنها في وقت سابق من هذا الشهر، وأعاد فتح إحدى طرق الإمداد إلى إحدى الأحياء المحاصرة في المدنية للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات، وفق ما ذكرت سوريا على طول آنذاك.

إذن فالسؤال الأهم هنا يتعلق بجبهة دير الزور، إذ نشهد بأن القوات المدعومة أمريكياً وروسياً تقترب من بعضها إلى مسافة تقل عن خمسة، وبعد الغارة الجوية الروسية التي وقعت، السبت الماضي، على الضفة الشرقية للنهر وراح ضحيتها العديد من مقاتلي قسد، هل ترى أن الطرفين مقبلان على مواجهة مباشرة على الأرض؟

 إن التحالف المؤيد للنظام وقوات سوريا الديمقراطية بالإضافة إلى التحالف الذي تقوده أمريكا ضد تنظيم الدولة مُقبِلون على مرحلة من التنافس والمواجهة في محافظة دير الزور.

وسبق وأن شارك التحالف المؤيد للنظام وقوات سوريا الديمقراطية في تصعيد مماثل بالقرب من مدينة الرقة نجم عنه إسقاط طائرة حربية للنظام بنيران التحالف [بقيادة الولايات المتحدة].

ومن ثم توصل الطرفان إلى اتفاقية ثابتة لوقف المواجهات بينهما وما تزال سارية المفعول إلى الآن.

وأنا على يقين بوجود محادثات عالية المستوى للحيلولة دون تطور تلك الأحداث إلى صراع حقيقي، إلا أنه في الحقيقة تبقى مسألة تصعيد الموقف رهن الجهات الفاعلة على الأرض والطريقة التي سينتهجونها في نهاية المطاف للتعاطي مع بعضهم بعضاً، فضلاً عن قدرة روسيا والولايات المتحدة على إبقاء شركائهم قيد المراقبة والسيطرة، وهذا ينطبق على دير الزور تحديداً، حيث هناك العديد من المصالح الحيوية التي تتصادم جميعها في منطقة واحدة، وبهذا يغدو الوضع أكثر صعوبة.

يكمن التهديد الحقيقي هنا في أن القوات الشريكة على الأرض المتمثلة بالجيش العربي السوري وقوات سوريا الديمقراطية تقترب [من المواجهة] وذلك قبل أن تتمكن الولايات المتحدة أو روسيا من تخفيف وطأة الأحداث.

إذن فما نشهده الآن عبارة عن سباق حقيقي بين النظام وقسد للسيطرة على منطقة دير الزور، هل لكم أن تتحدثوا بإيجاز عن الأخطار القائمة بالنسبة لهاتين الجهتين المتصادمتين؟

محافظة دير الزور غنية بالمصادر الطبيعية، هناك حقول نفط وغاز كبيرة تمتد بصورة أساسية على طول الضفة الشرقية لنهر الفرات باتجاه الحدود السورية العراقية، وتشكل حقول النفط هذه مطمعاً لكل من قسد وقوات التحالف المؤيد للنظام على حد سواء.

فالسيطرة على هذه الحقول بالنسبة للنظام، تمكنه من التحكم باقتصاد المناطق التي تقع تحت سيطرته في غرب سوريا، أما بالنسبة لقوات سوريا الديمقراطية، فسترفع حقول النفط الجدوى المالية للفدرالية أو المنطقة التي تتمتع بنوع من الحكم الذاتي.

وأخيراً، هناك أيضاً المصالح الاستراتيجية التي تتمثل في الطريق العابرة للحدود والتي قد تنطلق من إيران إلى دمشق عبوراً بالعراق، ومع ذلك لن أولي هذا الأمر الكثير من الاهتمام إذ أنه يشكل الهدف على الأمد الطويل لكن دون التركيز عليه في الوقت الراهن، ومع ذلك يبقى استراتيجية بعيدة المدى.

الأضرار التي لحقت بمقر لـ (قسد) في دير الزور جراء غارة جوية روسية، وفق ما أوردته الأنباء. حقوق نشر الصورة لـ  YPG.

ماذا عن تنظيم الدولة، وما دورهم في هذا كله على الأرض؟ بالنهاية ما يزال هناك منطقة تحت سيطرة تنظيم الدولة تقع بين القوات التي تدعمها الولايات المتحدة وروسيا في دير الزور.

إن ما يدعو للسخرية هو أننا لا نتطرق للحديث عن تنظيم الدولة إلا حينما يكون ظاهرياً الطرف الذي يطارده الجميع في هذه المرحلة، وحسب معلوماتي، فإن تنظيم الدولة يسعى لتثبيت ما تبقى له من أراضٍ وسط وادي نهر الفرات والتي تمتد من الميادين إلى البوكمال حتى الجانب العراقي من الحدود.

وكما تعلمين، تنازل تنظيم الدولة عن الكثير من الأراضي الواقعة على أطراف مدينة دير الزور للقوات الموالية للنظام أو لقسد، وعلى الرغم من أن التنظيم في حالة دفاع، إلا أن هذا لا يعني أنه قد انتهى.

وما يدعو للقلق هو اتسام تنظيم الدولة بالذكاء الشديد وذلك عندما يتعلق الأمر بإيجاد الطرق التي يوقع الخلاف من خلالها بين الخصوم.

فما كان يفعله تنظيم الدولة من قبل هو القيام من مناطقه بشن هجوم مضاد على خطوط التماس الواقعة بين القوى المتصادمة، وبهذا يصرفها إلى مواجهة مباشرة فيما بينها، بدلاً من التركيز على محاربته.

أعتقد أننا في هذه المرحلة سنشهد على الأرجح الطريقة ذاتها، وسيكون ذلك من خلال القيام على الدوام بإثارة المشكلات بين أصحاب النزعات الحقيقية لبعض هذه القوى المتنافسة.

إذا ما تأمل القارئ قليلاً، سيبدو بأن معركة دير الزور تختلف اختلافاً كبيراً عن معركة الرقة، إذ تتخلص الأخيرة ببعد واحد وهو القضاء على تنظيم الدولة في المدينة، في حين أن استراتيجية معركة دير الزور تبدو أكثر تعقيداً وتدور حول المصالح التي تعتبر أكبر من المدينة نفسها؟

بالضبط، وهذا يعقّد المسألة، فلطالما كانت الولايات المتحدة تحاول جاهدةً إبقاء معركة دير الزور أحادية البعد، بينما هي على أرض الواقع حرب متعددة الأبعاد بسبب وجود التنافس الروسي الإيراني في هذه المرحلة.

حتى لو لم يدخل التحالف الأمريكي المناهض لتنظيم الدولة في خضم التنافس، فلا شك أن التحالف المؤيد للنظام لن يتوانى عن المنافسة، إذ سيؤدي هذا الزخم في الأحداث إلى الكثير من المناوشات، كما بدأنا نشهد ما يحدث شرقي سوريا، حيث يبدو أن الجميع بما فيهم شركاءنا على الأرض، باستثناء التحالف الأمريكي، يدركون حجم المخاطر شرقي سوريا.

القوات الموالية للنظام في دير الزور، الخميس. حقوق نشر الصورة لـ سانا.

تحدثنا في وقت سابق من هذا الشهر عندما قامت قوات النظام بفك الحصار الذي فرضه تنظيم الدولة على مناطق سيطرتها في المدينة والذي استمر لثلاث سنوات، لاسيما بعد بدء معركة دير الزور التي نشهدها اليوم، فقد ذكرت حينها أن قوات النظام كما يبدو ليس لديها القدرة العسكرية على احتمال أي قتال حقيقي داخل مدينة دير الزور الخاضعة لسيطرة تنظيم الدولة،

إلا أن المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية، اللواء إيغور كوناشينكوف، ذكر لـ RT وكالة الأنباء الروسية الحكومية، يوم الخميس، أن القوات الشريكة لموسكو باتت تسيطر على 85% من المدينة، هل ما زلت تعتقد أنه من المستبعد القيام بمعركة داخل المدينة؟

ما زلت مصراً على تصريحي على الرغم مما ذكرته وزارة الدفاع الروسية، فنحن ومن خلال مصادرنا، لم نر أي تغيير رئيسي فيمناطق السيطرة داخل الأجزاء الحضرية من مدينة دير الزور.

وما شهدناه هو قيام القوات الموالية للنظام بالكثير من العمليات لتطهير ضواحي مدينة دير الزور التي كانت تقع سابقاً تحت سيطرة تنظيم الدولة.

وإذا ما استخدمنا التأويل الفضفاض والذي أؤيده، كما هو الحال بالنسبة للروس، فإن الكثير من هذه المناطقهي [امتداد] للمناطق الحضرية الواسعة في المدينة، أما فيما يتعلق بالمدنية المكتظة بالمباني، فإننا لم نشهد أي تغيير.

إذن بالنسبة للأهالي الذين يعيشون داخل مركز المدينة في دير الزور، ألا يبدو أن المشهد اليوم قد تغيير عما كان عليه في بداية شهر أيلول؟

حسب علمي، لا. فالوضع ما يزال نسبياً كما كان باستثناء حقيقة أن الغارات الجوية الروسية أصبحت أعنف الآن ناهيك عن أن الحملة الجوية الروسية غدت أشد وطأة.

في مرحلة معينة، سيتطلب الأمر تطهير مدينة دير الزور، إلا أن التحالف المؤيد للنظام سيواصل تنفيذ المهام الموكلة إليه في حين سيعطي الأولوية للعمليات العسكرية في الضواحي، بالإضافة إلى عبور نهر الفرات وسد الطريق على قوات سوريا الديمقراطية، بدلاً من تطهير مركز المدينة.

من الجدير ذكره بأنهم لجأوا إلى تطبيق تكتيك الحصار والتجويع إلى المدى الأبعد وذلك في أماكن أخرى من المنطقة الغربية من سوريا.

 

إعداد: جستن كلارك ، مادلين إدواردز

ترجمة: فاطمة عاشور