مع فرار الآلاف من دوما إلى دمشق الخاضعة لسيطرة النظام، يواجه أحد الآباء صعوبة في الاختيار

وحيداً دون أهله يدرس حسن عبد الرحمن، البالغ من العمر 37 عاماً، صاحب بقالة في مدينة دوما، الخيارات المتاحة أمامه بعد أن غادرت زوجته وأطفاله الثلاثة الغوطة الشرقية الواقعة تحت سيطرة المعارضة إلى الأراضي التابعة للنظام في دمشق هذا الأسبوع، ويكافح ليقرر ما إذا كان سيتبعهم أم لا.

وقال حسن عبد الرحمن، لمراسل سوريا على طول، عمار حمو "أخشى البقاء في دوما ومواصلة عملي وبعدها نكون وقوداً لمحرقة جديدة في دوما، كما أخشى الخروج إلى النظام وما يترتب عليه من مخاطر أمنية".

ولم يكن عبد الرحمن وحده من يعاني من صعوبة اتخاذ مثل هكذا قرار، بل حاله كحال كثير من السكان أمثاله، فالبتّ في الاستفادة من الممر الإنساني الروسي شمال المدينة أم لا يعني الاختيار بين الغارات الجوية في الغوطة الشرقية أو مستقبلاً غير واضح في أراضي النظام.

وغادر أكثر من 25 ألف مدنياً، بمن فيهم عائلة عبد الرحمن، مدينة دوما عبر معبر الوافدين خلال الشهر الجاري، وفقاً لما أفاده مركز المصالحة الروسية، يوم الإثنين.

وتظهر مئات الصور التي تم تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي الموالية للنظام، في الأيام الأخيرة، مئات السوريين، معظمهم من النساء والأطفال، داخل مراكز إيواء أقامها النظام خارج مناطق سيطرة المعارضة.

ويخشى عبد الرحمن، بعد أن أمضى سبعة أعوام في دوما التي تسيطر عليها المعارضة، من أن يتم اعتقاله من قبل قوات النظام أو يتم سوقه إلى الخدمة العسكرية الإلزامية في حال خروجه إلى دمشق، حيث أن الشائعات المتضاربة حول مصير الرجال الذين غادروا دوما في الأيام الأخيرة تركته "في صراع داخلي" ليقرر ماذا يفعل.

إجلاء المدنيين من مدينة عربين في الغوطة الشرقية يوم الأحد. تصوير: عامر المحباني.

وبينما يواجه عبد الرحمن صعوبة في حسم أمره، تقيم زوجته وأطفاله الثلاثة الآن مع أقاربهم في دمشق، بعد إقامة مؤقتة قضوها في مركز إيواء تابع للنظام، ولا يعرف عبد الرحمن متى سيراهم مرة أخرى.

ويقول "على الأقل زوجتي وأولادي الآن بعيدين عن أي قصف محتمل أو تصعيد عسكري محتمل".

كيف هي أوضاع مدينة دوما اليوم؟

بالنسبة للقصف تشهد دوما هدوءاً منذ أسبوع تقريباً، باستثناء القصف الذي حصل يوم أمس وأوقع جرحى في صفوف المدنيين، ولكن حال المدينة والمدنيين مضطرب لا نعرف مصيرنا وما هو المصير المستقبلي والسيناريو الذي ينتظرنا، نحن نعيش فوق أنقاض مدينة مدمرة وفوق ذلك ننتظر مصيراً مجهولاً.

أنت كمدني هل تتابع أخبار المفاوضات بين اللجنة المدنية والروس؟ وما هي آخر المعلومات لديك؟

أنت تسألني سؤالا لا أحد في دوما، حتى فعاليات مدنية لا يمكنها أن تجيبك عليه، لا نعرف من يفاوض وعلى ماذا يفاوض، كل ما نعرفه أن جيش الإسلام أعلن رفضه للتسوية والخروج ويصر على موقفه في البقاء حتى لو كان ذلك بالحل العسكري، ونسمع عن مفاوضات تجري من تحت الطاولة والحديث عن مصالحة وتسوية مع النظام ولكن لا أحد يستطيع أن يجيب.

هذه الضبابية في تفاصيل المفاوضات أربكتنا كمدنيين، مثلاً أنا عندي تجارة وأيضاً عندي أهل، وأي نتائج للمفاوضات تؤثر عليّ وعلى تجارتي ويجب أن أتخذ خطوات للتقليل من أي خسائر محتملة، ولكن أخشى البقاء في دوما ومواصلة عملي وبعدها نكون وقود لمحرقة جديدة بدوما وخاصة أنه لم يبق منطقة معارضة في الغوطة الشرقية سوى مدينة دوما، وأخشى الخروج إلى النظام وما يترتب عليه من مخاطر أمنية، لذلك أخرجت زوجتي وأطفالي قبل أيام، وأحاول إقناع أمي وأبي وأخواتي بالخروج ولكن حتى الآن لم يخرجوا.

بحسب قولك فإنك أخرجت زوجتك وبقيت أنت هنا، لماذا فعلت ذلك؟

كما قلت لك مصيرنا مجهول وإحساسنا إن "المي عم تمشي من تحت رجلينا" ولانعلم ما يدور حولنا أو ما يجب علينا فعله.

تقريباً منذ أسبوع أعيش صراعا داخليا كبير هل أخرج أنا وزوجتي وأطفالي إلى مناطق النظام؟ مالذي يمكن أن يحدث؟ نبقى بدوما ولا قدر الله يتعرض أولادي للقصف أو لأذى وأكون أنا السبب؟ أترك زوجتي ترج مع الأولاد وأبقى أنا؟... هذه الأسئلة كلها كانت تدور ببالي باليوم عشرات المرات، وبعدها قررت أن تخرج زوجتي وأطفالي عبر مخيم الوافدين إلى أهلها المقيمين بالشام، ثم أقرر أنا الخروج أو البقاء، وفعلاً خرجت زوجتي عبر معبر مخيم الوافدين.

وزوجتي غادرت مركز الإيواء وتقيم مع أهلها، وضعها في دمشق غير مريح بالنسبة لي، ولكن على الأقل هي وأولادي الآن بعيدين عن أي قصف محتمل أو تصعيد عسكري قد يكون على دوما خلال الأيام القادمة.

هل تواصلت مع زوجتك بعد خروجها، وكيف يتم التعامل مع الخارجين من الغوطة الشرقية إلى مراكز الإيواء التابعة للنظام؟

بالتأكيد كنت على تواصل معها حتى أثناء وجودها داخل مركز الإيواء، حيث كانت في مركز إيواء بمدينة عدرا وبقيت في المركز أقل من 24 ساعة فقط من أجل تسوية وضعها وترتيب أمر خروجها من المركز.

غالباً النساء إذا كان معهم أطفال يتم تسهيل خروجهم فوراً داخل مراكز الإيواء، ولكن يجب ترتيب بعض الإجراءات.

ولا يتم إخراج النساء إلا إذا كان هناك قريباً لهم في دمشق أو كفيلاً يأتي إلى المركز ويوقع على أوراق كفالة ويصطحب النساء والأطفال، وهذا ما حصل مع زوجتي، أتى والدها إلى مركز الإيواء ووقع على الكفالة وأخذهم.

هل أنت مطلوب للنظام؟ وإذا كان لا، هل تفكر باللحاق بزوجتك؟

أعتقد أنني غير مطلوب لأنني أنهيت الخدمة الإلزامية قبل الثورة بسنوات، ولم أشارك بأي عمل عسكري مع الفصائل، ولكن كل شيء ممكن عند النظام، حيث يمكن أن يتم سحبي للخدمة الإحتياطية أو مجرد وجودي في منطقة معارضة طوال هذه المدة يعتبرها النظام تهمة.

بصراحة حاولت أن أعرف كيف يتعامل النظام مع الشباب بمراكز الإيواء، على أمل أنه إذا كان هناك تسهيلات سأخرج لألتقي بزوجتي وأهلها، وهذا الخيار باعتقادي أفضل من التهجير إلى الشمال وترك أرضي وبيتي، ولكن بعد خروج زوجتي أصبح لدي صراع أقوى بسبب الشائعات المتناقضة التي تصلنا عن مصير الشباب الذين خرجوا.

الكلام متناقض جداً حول مصير الرجال والشباب، البعض يقول أنه يتم تسوية وضعهم من أجل التجنيد، والبعض الآخر يقول أنهم يتعرضون للتعذيب والإعتقال.

وإلى الآن لا أعرف أحداً من الشباب الذين خرجوا من مراكز الإيواء إلى دمشق، ولكن الكلام الأكيد بحسب زوجتي والكثيرمن الناس الذين خرجوا أنه لم يتم إخراج الشباب والرجال من مراكز الإيواء.

عمار حمو

عمار من مدينة دوما، في غوطة دمشق الشرقية، درس الصحافة في جامعة دمشق. بدأ عمله الصحفي مع "سوريا على طول" عام 2014، ويعمل حالياً كمحرر ومراسل. شارك في عدد من الدورات الإعلامية في الأردن وإسبانيا، أشرف على مشروع "الصوت السوري" وهو موقع شريك لـ"سوريا على طول".