مغادرة الغالبية العظمى من تركمان ريف حمص الشمالي خلال عمليات التهجير وآمال ضئيلة بالعودة

غادر غالبية السكان التركمان المتواجدين في ريفي حمص الشمالي وجنوب حماة منازلهم خلال التسوية التي تضمنت إجلاء الأهالي ومقاتلي المعارضة، وجرت على نطاق واسع في منتصف شهر أيار، وفقاً لما أكده مسؤولي وقادة المجتمع المحلي.

حيث غادر حوالي 35600 شخصاً من المقاتلين والمدنيين منازلهم في شمال حمص وجنوب حماة الشهر الماضي بموجب تسوية تمت بوساطة روسية أعادت خلالها المنطقة إلى سيطرة الحكومة.

وقال إبراهيم القاسم، مدير المجلس الأعلى للتركمان في المنطقة التركمانية الوسطى، أن أكثر من نصف الأشخاص الذين تم إجلاؤهم، أي 22500 شخصاً، ينحدرون من أصول تركمانية مستشهداً بالتقييمات التي قامت بها المجالس المحلية في شمال حمص، حيث سجلوا أسماء الذين تم إجلاؤهم الشهر الماضي.

كما قدم أحد رؤساء المجالس المحلية في شمال حمص رقماً مماثلاً، إلا أن سوريا على طول لم تتمكن من التأكد من الإحصائيات بشكل مستقل.

 وأضاف القاسم أنه بعد عملية الإجلاء، لا يزال هناك ما يقدر بنحو 15000 تركماني في المناطق الخاضعة اليوم لسيطرة النظام في شمال حمص وجنوب حماة. وتأسس المجلس الأعلى الذي يرأسه القاسم عام 2018 لتمثيل المصالح التركمانية ومناصرتها وتعزيز الثقافة واللغة التركية في الجيب الذي كان يقع تحت سيطرة المعارضة سابقاً.

وأعرب القاسم، الذي غادر منزله الواقع في شمال حمص مع أسرته في 16 أيار، وسكان أخرين عن خوفهم من التجنيد والتهديد "بالقتل والإنتقام" في حال بقائهم لأن تركيا دعمت الفصائل المعادية للأسد.

نازحون من شمال حمص ينتظرون من أجل الدخول إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة في إدلب يوم 14 أيار. الصورة من الشباب التركمان السوري.

وينحدر التركمان السوريون من العرق التركي ويعود وجودهم في سوريا إلى القرن العاشر، عندما شجعهم الحكام العثمانيون على الاستقرار في المنطقة، وبعد سقوط الإمبراطورية العثمانية في عام 1918 بقيت بعض الجاليات التركمانية في المنطقة.

ونظراً لأن الحكومة السورية لا تعترف بالتركمان كأقلية عرقية ولا توجد سجلات مركزية لهم، لا توجد إحصائيات رسمية عن عدد التركمان في سوريا اليوم، وتتفاوت التقديرات بشكل كبير حيث تتراوح بين بضع مئات الآلاف إلى أكثر من ثلاثة ملايين.

واليوم، يعيش معظم التركمان في قرى على طول الحدود التركية مع محافظات اللاذقية وحلب، حيث لا يزالون يتحدثون اللغة التركية، كما يقول الباحث فابريس بالونش في تقريره "الطائفية في الحرب الأهلية السورية" الذي نشره معهد واشنطن السياسي عام 2018.

 ويشكل التركمان الناطقون بالتركية "واحد بالمئة" من الشعب السوري أو ما لا يزيد عن 200 ألف شخصاً، على حد قول بالونش، ولا يشمل هذا العدد السكان التركمان في شمال حمص وجنوب حماة الذين لا يزال عدد قليل منهم يتكلم اللغة التركية.

 وقال أحمد حاميش، مدير المكتب الإعلامي في حزب الحركة الوطنية التركمانية السورية ومقرها تركيا وباحث من قضايا الأقلية التركمانية، أنه بالرغم من أن "عدد قليل فقط من كبار السن" في حمص وحماة من يتكلم اللغة التركية، إلا أن مئات الآلاف ممن ينحدرون من أصل تركماني يعيشون هناك من قبل الحرب.

 وكان التركمان من بين أوائل السوريين الذين شاركوا في المظاهرات الأولى ضد الحكومة في عام 2011، وفقاً لما نشرته "Middle East Eye" في عام 2015. وعندما أصبحت الانتفاضة مسلحة في عام 2012، شُكلت ألوية تركمانية تحت مظلة الجيش السوري الحر.

وأضاف حاميش"لقد شاركنا في الثورة منذ اليوم الأول".

وطوال فترة الحرب ، حافظت الألوية التركمانية على علاقاتها الوثيقة مع تركيا – بحسب ما قاله جاريث جنكينز، محلل معارض للحكومة السورية ومقيم في اسطنبول يعمل مع برنامج دراسات طريق الحرير، لل Middle East Eye في عام 2015. كما تلقت الفصائل التركمانية، طوال فترة الحرب أيضا، دعما ماليا عسكريا من تركيا إضافة إلى التنسيق المباشر معها، وفقا لما أوردته TRT World في عام 2017.

 وتسبب الدعم طويل الأمد للمعارضة، إلى جانب علاقات التركمان مع تركيا، بإثارة مخاوف السكان مثل ابراهيم القاسم، مدير المجلس الأعلى للتركمان في المنطقة الوسطى حيث قال "هناك تخوف كبير من قبل تركمان المنطقة أكثر من العرب"، في حال بقوا في منازلهم.

 "من الصعب العودة"

 وقال التركمان الذين تم إجلاؤهم إنهم يرون في مغادرة معظم السكان في شمال حمص وحماة إلى مناطق سيطرة المعارضة في شمال غرب سوريا تتويجا لعقود من التحول النابع عن دوافع سياسية في المكون العرقي في المنطقة.

 وقال أحمد مصطفى، البالغ من العمر 33 عاماً، من أهالي قرية طلف بريف حماة الجنوبي، والذي غادر ضمن عملية الإجلاء إلى محافظة إدلب في أيار "ما يقوم به النظام وهؤلاء المرتزقة هي عمليات تغيير للتركيب السكاني بالمنطقة".

 وتابع مصطفى "وهو ما حصل قبل سنوات عندما ارتكب هؤلاء المجرمين مجازر عرقية انتهت بتهجير وهروب التركمان".

 وأشار مصطفى إلى حادثة وحشية حدثت في قرية تسنين التي يقطنها التركمان في عام 2013، حيث قامت مجموعة مما يسمى بالشبيحة، وهي عصابات موالية للحكومة عرفت بشكل خاص بقيامها بأعمال وحشية كالتعذيب والاغتصاب والنهب، بقتل 110 من الأهالي التركمان في البلدة الواقعة جنوب حماة وأحرقوا منازلهم، بحسب ما جاء في تقرير صادر عن صحيفة عنب بلدي الموالية للمعارضة.

 

اجتماع حزب الحركة الوطنية التركمانية السورية في غازي عنتاب، تركيا، في آذار. تصوير: حزب الحركة الوطنية التركمانية السورية.

 وقال حاميش إن "مذبحة تسنين" دفعت آلاف التركمان إلى الفرار من ديارهم في جنوب حماة إلى القرى المجاورة التي تسيطر عليها المعارضة في ريف حمص الشمالي. وكان حاميش، الذي يتواجد حاليا في تركيا، من بين أولئك الذين فروا من تسنين في عام 2013، ومنع التركمان الذين فروا من قراهم في جنوب حماة من العودة لاحقا.

 وقال الباحث بالونش في تقريره لمعهد واشنطن لعام 2018، إن التركمان، لا سيما أولئك الذين يعيشون قرب الحدود التركية، يشكلون "تهديدا لوحدة أراضي سوريا".

 ونتيجة لذلك، تعرض التركمان السوريون، تمامًا كالأكراد، لسياسات "التعريب" التي بدأت في الخمسينات من القرن العشرين والتي اشتدت بعد وصول حزب البعث إلى السلطة.

 وتم حظر اللغات التركية والكردية كما تم تهميش المناطق التي تسكنها الأقليات اقتصاديا، وفق ما جاء في تقرير معهد واشنطن، وهي ظاهرة أدت بعد ذلك إلى انتقال السكان نحو المدن التي يمكن أن تستوعبهم و يندمجوا في مجتمعاتها بشكل أسرع.

 وأشار بالونش إلى أن الإصلاحات الزراعية التي أدخلت على مستوى الدولة في عام 1963 وتضمنت "إنهاء الإقطاعية وإعادة توزيع الأراضي على الفلاحين"، كما فقد مالكي الأراضي التركمان عددا كبيرا من ممتلكاتهم في كل من حماة وحمص. وفي ذلك الوقت، كان العديد من مالكي الأراضي في حمص وحماة من التركمان، بينما كان العلويون المقيمون في المنطقة يعملون في الغالب كمزارعين.

 ونظراً إلى تاريخ سياسات الدولة وذكريات المجزرة في تسنين، التي حدثت قبل خمس سنوات، فإن حاميش ليس لديه أمل كبير في أن يتمكن أنصار المعارضة من التركمان، بما فيهم حاميش، من العودة إلى ديارهم.

 حيث قال "النظام هو من قام بتهجيرنا من قرانا قبل سنوات ومن المؤكد لن يسمح لنا الآن بالعودة إليها أو البقاء في القرى المتبقية لنا بريف حمص الشمالي".

 وختم أحمد مصطفى قائلا  " من الصعب العودة لديارنا".

 

وليد النوفل

من مدينة إنخل بريف درعا، عمل كناشط إعلامي وعضو في المكتب الإعلامي في مدينته، ثم عمل مع العديد من المؤسسات الإعلامية الثورية، يسعى إلى تسليط الضوء على القضايا التي تخدم السوريين عبر نشر تقارير عن الأحداث الجارية في سوريا.

أليس المالح، مراسلة ومترجمة

تحمل أليس شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة كوبنهاجن. درست اللغة العربية بشكل مستقل منذ عام 2013، ومؤخرا مع معهد سيجال في 2017-2018.