نازحو الرقة ودير الزور يعانون من قلة الموارد في المخيمات الشمالية

تفترش هدية عماد ذات الخمسة والأربعين ربيعاَ قطعة من الأرض حيث تنام مع أولادها الثمانية بالقرب من مخيم مكتظ بالنازحين شمال شرق سوريا.

وفي مقابلة شخصية أجرتها سوريا على طول معها هدية، التي تبدو أكبر من عمرها الفعلي قالت "نحن هنا في العراء دون مأوى منذ أكثر من شهر، ولم نستلم حتى الآن إلا سلة معونات واحدة"، مضيفةً "ماذا تفعل السلة مع عائلة مكونة من 9 أفراد؟".

ونزحت عماد وعائلتها من منزلهم في بلدة الميادين، معقل تنظيم الدولة سابقاً على نهر الفرات والتي تبعد 140 كيلومترا جنوب مكان إقامتهم الحالي في خيمتهم المؤقتة، في منتصف تشرين الأول، هرباً من القتال القائم بين تنظيم الدولة وقوات الحكومة السورية.

وقد بلغت المعارك في محافظتي الرقة ودير الزور، معقلًا تنظيم الدولة سابقاً، ذروتها في صيف وخريف هذا العام، حيث دفعت قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة تنظيم الدولة للخروج من عاصمته الفعلية في مدينة الرقة، بالإضافة إلى القرى والبلدات الواقعة على ضفة نهر الفرات الشرقية في محافظة دير الزور، وفي الوقت نفسه، قامت قوات النظام السوري باستعادة مدينة دير الزور والتوغل على طول النهر باتجاه الحدود مع العراق.

صورة لعائلة في خيمتها المؤقتة في مخيم السد، في منتصف شهر تشرين الثاني. صورة حصرية لسوريا على طول تصوير شفان حسين.

ومع اندلاع القتال في شمال شرق سوريا، فرّ عشرات الآلاف من المدنيين من تلك المناطق، ولجأ العديد منهم إلى مخيمات النزوح في الأراضي الواقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية.

وإلى اليوم، فقد تنظيم الدولة 96 بالمئة من أراضيه في العراق وسوريا، حسبما أكدهمبعوثالرئيس الأمريكي في التحالف الدولي، إلا أن النازحين لا يزالون متناثرين في جميع أنحاء المخيمات الشمالية.

وفي مخيمين يعتبران من أكبر المخيمات التي تستضيف حالياً نازحين من دير الزور والرقة، قال مسؤولو المخيمين والمسؤولون الطبيون هناك لسوريا على طول أنهم يبذلون ما بوسعهم من أجل توفير المأوى الملائم والرعاية الطبية للنازحين مع اقتراب فصل الشتاء.

وعلى غرار العديد من العائلات التي فرت من المعارك القائمة في دير الزور نتيجة الهجمات المنفصلة التي يشنها النظام السوري وقوات سوريا الديمقراطية ضد تنظيم الدولة، اتجهت عماد وعائلتها شمالاً إلى مخيم السد في مدينة الحسكة.

وعند وصولهم، وجدت عائلة عماد المخيم مكتظاً بالنازحين، حيث يعيش حالياً 50 ألف شخصاً في مخيم السد الذي صمم لإيواء أقل من نصف هذا العدد، ومع نقص خيام وعدم توفرها، قامت عماد وأطفالها بافتراش الأرض خارج حدود المخيم مباشرةً.

ويقع مخيم السد، المعروف أيضاً بمخيم الشدادي، على بعد 30 كيلومتراً جنوب مدينة الحسكة، على سهل يمتد على طول نهر الفرات بالقرب من سد الحسكة الجنوبي في الأراضي الكردية المتمتعة بالحكم الذاتي والتي تغطي معظم الشمال السوري.

وبالرغم من أن المخيم يتلقى مساعدات وإمدادات من عدة منظمات دولية، بما فيهم مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، والمجلس النرويجي للاجئين، ولجنة الصليب الأحمر الدولية، إلا أنه لا يزال يعاني من نقص المساعدات في ظل التدفق المستمر للنازحين من القتال القائم ضد ما تبقى من تنظيم الدولة في سوريا.

وقال زاهر غربي، مسؤول العلاقات داخل مخيم السد، لسوريا على طول، الشهر الماضي أن "المخيم يستوعب 19 ألف نازح فقط، ولكن نظراً لكثرة العدد أُرغمنا على وضع عوائل عديدة في خيمة واحدة".

وبالرغم من هذه الإجراءات، إلا أن عدد الأشخاص الذين يعيشون في العراء خارج حدود المخيم يقدر بـ 1,700 نازحاً، مثل هدية عماد وأطفالها "لأننا لا نستطيع استيعابهم" بحسب ما أضافه الغربي.

ولا يسمح لسكان مخيم السد بمغادرته إلا بعد استكمال إجراءات التفتيش الأمنية التي تفرضها قوات سوريا الديمقراطية وايجاد كفيل خارج المخيم، ومن جهتها الإدارة الذاتية التي يقودها الأكراد والتي تسيطر على مدينة الحسكة تقوم بتوفير الخبز والماء لسكان المخيمات.

النازحون في مخيم السد في منتصف شهر تشرين الثاني.صورة حصرية لسوريا على طول تصوير شفان حسين.

وتفيد التقارير بأن الرعاية الطبية في مخيم السد أولوية (أساسية)، تقتصر على تقديم الخدمات من قبل الهلال الأحمر الكردي الذي يتمركز داخل خيمة كبيرة هناك، واستقبال الحالات الحرجة من قبل الصليب الأحمر الدولي.

وذكرت سوريا على طول في تقرير سابق لها نشر في تشرين الأول أن العشرات من السكان في المخيم يعانون من أمراض يمكن الوقاية منها مثل سوء التغذية والجرب والسل، إلا أنه لا يبدو أن شيئاً تغير منذ ذلك الحين.

وتمكنت سوريا على طول التواصل مع أحد أعضاء لجنة الصليب الأحمر الدولي للتحدث حول الموضوع، إلا أن المتحدثة أفادت أن المنظمة لا تستطيع التعليق حول هذا الشأن "لأسباب عملية".

ووصف متحدث باسم المكتب الصحفي للتحالف بقيادة الولايات الأمريكية الاستجابة الدولية للأزمة في سوريا بأنها  "قوية"  من خلال رسالة أرسلها عبر البريد الإلكتروني الأسبوع الماضي.

وأضاف المتحدث الذي لم يذكر اسمه "أن الأمن الذي يوفره التحالف وقوات سوريا الديمقراطية في جميع أنحاء سوريا يمكّن منظمات الدعم الإنساني الدولية من الوصول إلى مخيمات النازحين داخلياً لإيصال الأغذية والإمدادات الأخرى".

"لا يوجد أي مكان نلجأ إليه."

على بعد حوالي 175 كيلومتراً غرب مخيم السد و50 كيلومتراً شمال مدينة الرقة، يقع مخيم عين عيسى الذي يضم حاليا نحو 25 ألف نازحاً شردوا بسبب القتال الحاصل في الرقة ودير الزور.

ويوجد في عين عيسى خدمات أكثر من تلك التي يوفرها مخيم السد، حيث يوزع وجبة واحدة يومياً للقادمين الجدد، بالإضافة إلى وجود خيم لمعظم النازحين هناك، وكثيراً ما يستخدم المخيم كنقطة عبور للنازحين الذين يواصلون رحلاتهم إلى أماكن أخرى أو يعودون إلى ديارهم، ونتيجة لذلك لم يمتلئ بالنازحين بشكل كبير مثل مخيم السد الذي لا يستطيع الكثيرون مغادرته.

وبالرغم من ذلك، فإن البعض في عين عيسى لا مأوى لهم، كما أعرب مدير المخيم والمسؤولون الطبيون وسكان المخيم لسوريا على طول عن قلقهم بشأن انخفاض درجات الحرارة وحالة الرعاية الطبية في المخيم.

وقالت إنجيليك ميولر، منسقة أطباء بلا حدود في شمال سوريا في مقابلة لها مع سوريا على طول عبر السكايب، الأسبوع الماضي، "نشعر بالقلق لأن هناك العديد من الأطفال"في عين عيسى، مضيفةً "بدأ الشعور بالبرد يزداد الآن، ولا أتوقع بأنهم سيكونون على ما يرام".

صف من الخيام في مخيم عين عيسى في منتصف تشرين الثاني. صورة حصرية لسوريا على طول، تصوير ديانا أيوب.

وقال عبد الله أحمد، أحد النازحين في مخيم عين عيسى، الذي كان قد وصل من دير الزور قبل ثلاثة أيام بعد أن كان هو وأسرته ينامون خارج المخيم لعدم توفر خيام".

بحثت عن خيمة لمدة ثلاثة أيام، والبارحة مساءاً كنت نائماً عندما أمطرت علينا، ولم يكن يوجد أي مكان نلجأ إليه".

وذكر مدير مخيم عين عيسى، جلال عياش لسوريا على طول أن مجلس الرقة المدني المدعوم من قوات سوريا الديمقراطية قدم بعض الخيام والخبز بالإضافة إلى وجبة واحدة يومياً لسكان المخيم.

وأضاف عياش أنه حتى ومع دعم المجلس المدني وعدد كبير من المنظمات الدولية "لدينا نواقص كثيرة مثل الإسفنجات والبطانيات، والآن في فصل الشتاء نحنبحاجة لبناء جدار حائطي لحماية الخيم من الفيضانات، كما حصل قبل يومين" بسبب المطر.

وكانت سوريا على طول تحدثت مع مدير المخيم عياش في مقابلة منفصلة في شهر أيار الماضي، عندما كان الآلاف من سكان مدينة الرقة يلجؤون بالفعل إلى المخيم مع اقتراب المعركة من منازلهم، وفي ذلك الوقت، استقبل عين عيسى نصف عدد سكانه الحاليين البالغ عددهم 25 ألف نسمة، كما كان مدير المخيم حينها قلقاً بالفعل حول توفير ملجأ لآلاف الأشخاص الذين من الممكن أن يتزايد عددهم.

واليوم، لا يضم مخيم عين عيسى نازحين من سكان الرقة فقط بل القادمين الجدد من دير الزور أيضاً.

وهكذا حال كوثر، أم لخمسة أطفال، والتي نزحت من دير الزور إلى عين عيسى، وقالت لسوريا على طول " تركنا بيوتنا ونحن بملابسنا الصيفية، والآن عندنا شتاء وأولادي مرضانيين بسبب البرد".

ويوفر الهلال الأحمر الكردي الرعاية الطبية من خلال مركزه داخل عين عيسى، وتحويل حالات الطوارئ إلى مستشفيات قريبة في المدن والبلدات الأخرى مثل كوباني، كما تدعم منظمة أطباء بلا حدود المركز بالأدوية والتدريب، وتقدم خدمات أخرى بما في ذلك الاستجابة الطبية الطارئة وعلاج الأمراض النفسية.

ووصف فراس حمزة، الرئيس المشترك للهلال الأحمر الكردي في كوباني، لسوريا على طول، الشهر الماضي، النقص المستمر في الأدوية، مشيراً إلى التأخير من قبل منظمات الدعم مثل منظمة أطباء بلا حدود.

وأضاف "الأوضاع سيئة للغاية، عدد اللاجئين بالآلاف وإمكانياتنا ضعيفة".

وأعرب ثلاثة أشخاص من سكان المخيم لسوريا على طول عن شعورهم بالإحباط لأنهم لم يحصلوا إلا على مسكنات مضادة للألم مثل الباراسيتامول من مستوصف مخيم عين عيسى.

ومن جهتها منسقة أطباء بلا حدود ميولر قالت أنها ترى أن كمية الأدوية المقدمة إلى عين عيسى كافية "استناداً إلى التشخيصات"، وسبب النقص المتصور يعود إلى "الإفراط في وصف بعض الأدوية".

وأضافت "نحن في مواجهة بين طريقتين للتفكير وطريقتين لوصف الدواء، ففي هذا البلد يبدأ الأطباء بوصف المضادات الحيوية على الفور، والتي تعتبر المرحلة الثانية أو الثالثة من العلاج، حتى بالنسبة للعدوى الفيروسية التي لا تتطلب مضادات حيوية، لأن هذا ما يريده السكان".

وتابعت"لا يمكننا تأييد الإفراط في وصف المضادات الحيوية"، وبسبب المخاوف حول مقاومة المضادات الحيوية" نحن أيضاً مقيدون من قبل البروتوكول الخاص بنا".

 

تم إعداد التقرير بالمشاركة مع شفان حسين وديانا أيوب.

 

هذا التقرير هو جزء من تغطية سوريا على طول عن وضع المنطقة الشمالية الخاضعة لسيطرة الأكراد والتي ستستمر لشهر بالتعاون مع منظمة كونراد أديناور وفريق من مجموعة مراسلين على أرض سوريا، اقرأ تقريرنا التمهيديهنا.

ترجمة : بتول حجار

محمد عبدالستار إبراهيم

من محافظة الحسكة، مدينة عامودا، انتقل محمد إلى الأردن في عام 2004 بعد الأنتفاضة الكردية آنذاك ضد نظام البعث. مع بداية الثورة في الداخل السوري عمل ناشطاً مع تنسيقية الثورة السورية في الأردن. وانتقل فيما بعد إلى النشاط الإغاثي والتعليمي والدعم النفسي. ويسعى إلى تعلم الصحافة لنقل الحقيقة كما هي. ومحمد كاتب قصصي وروائي.