نازحو دير الزور يفرون من الجبهات المشتعلة ليصارعوا المرض والشقاء في "مخيم السد"

يعاني العشرات في مخيم يديره "الأكراد" شمال شرق سوريا من أمراض يمكن الوقاية منها مثل السل وأمراض جلدية كالجرب، فيما يموت البعض نتيجة الوضع السيء هناك، وفق ما قال أطباء ونشطاء لسوريا على طول، إذ أن السلطات تمنع الأهالي من مغادرة المخيم لأجل العلاج.

وذكر محمد الخليف، عضو في الشبكة السورية لحقوق الإنسان لسوريا على طول، الخميس، إن "العشرات" داخل مخيم السد  يعانون من سوء التغذية والسل والجرب وغيرها من الأمراض،  ووثقت الشبكة بحسب ما قال الخليف من خلال مجموعة من المصادر على الأرض عدداً من حالات الوفاة والإصابات داخل المخيم.

وأضاف أنه لا يوجد عدد دقيق للمصابين والمتوفين، وذلك لصعوبة التواصل مع الأهالي داخل المخيم.

وما يعلمه الخليف على أية حال أن معظم المصابين في المخيم هم أطفال وكبار السن، لأن أجهزة المناعة لديهم ضعيفة، ولايمكنها التصدي للانتشار الهائل للبكتيريا في ظل الظروف غير الصحية في المخيم، وتوفي عدد منهم في الأسابيع الأخيرة بعد مصارعة المرض الذين أصيبوا به، وفقاً للمعلومات المحدودة التي استطاع الخليف أن يجمعها من مصادر داخل المخيم، فيما توفي آخرون ببساطة بسبب سوء التغذية نتيجة قلة الإمدادات الغذائية.

مخيم  السد في تشرين الأول. حقوق نشر الصورة لـ عبدالله زاهر.

ولا يُعرف الكثير عن مخيم السد، الواقع ضمن المناطق الكردية في جنوب محافظة الحسكة، ويقع المخيم تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وهو تحالف متعدد الأعراق، ولكن غالبيته من الأكراد، ومنخرط حالياً في حملة لإقصاء تنظيم الدولة من محافظة دير الزور المجاورة، الواقعة إلى الجنوب المباشرة.

ويُقدّر عدد سكان السد بـ 40 ألف نسمة، معظمهم من العائلات التي نزحت من أرياف دير الزور التي يسيطر عليها تنظيم الدولة، وفروا من المعارك المشتعلة هناك خلال الأسابيع الآخيرة.

وبالنسبة لهم فإن السد هو أقرب المخيمات لبلداتهم  وقراهم، وهو أول محطة عثروا عليها في طريقهم أثناء هروبهم شمالاً عبر الصحراء، وفيه وجدوا نوعاً من الأمان، والقليل سواه.

ومن الصعب الحصول على معلومات موثّقة من داخل المخيم، حيث أن السلطات في المخيم"تعتقل" الأهالي النازحين فيه الذين تشتبه بأنهم ينشرون صوراً عن أوضاع المخيم أو يتحدثون للإعلام عن الظروف المعيشيه فيه، بحسب ما قال أهالي وناشطون لسوريا على طول خلال الأيام الأخيرة.

ويبدو أن الصورة عن الوضع في مخيم السد استناداً إلى المقابلات التي أجريت مع الأهالي والنشطاء داخله، هي لمخيم دون تمويل، وليس فيه ما يكفي من البطانيات والطعام والدواء أو حتى خدمة الحمامات لآلاف النازحين المقيمين هناك، رغم تلقيه تمويلاً غير مباشر من الأمم المتحدة، وعلى أولئك الذين يرغبون بالخروج منه إلى مكان آخر أن يسجلوا أسماءهم في قائمة الانتظار أو أن يعثروا على كفيلٍ لهم ضمن الأراضي الكردية، وفق ما قال أحد المقيمين فيه لسوريا على طول.

"الوضع في مخيم السد بشكل عام زبالة"، بحسب ما قال أبو مؤيد، نازح في المخيم لسوريا على طول، وفرّ إلى مخيم السد مع عائلته خلال الأسابيع الأخيرة من بلدته القورية، التي تستند على ضفة نهر الفرات شرقي محافظة دير الزور.

وتقع القورية على بعد 50 كم جنوب شرق مركز المحافظة، بمحاذاة جبهة خامدة  تفصل بين مناطق تنظيم الدولة الآخذة في التقلص وقوات سوريا الديمقراطية التي تتقدم و تتوغل في الاتجاه الجنوبي الشرقي لنهر الفرات.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، استهدفت الطائرات الحربية والتي يشتبه أنها روسية أو تابعة للنظام السوري القورية والقرى المجاورة لها، مما أسفر عن مقتل 67 مدني أثناء محاولتهم عبور النهر من خلال معبر غير رسمي، وفق ما ذكرت سوريا على طول آنذاك.

وفي اليوم التالي، فرّ أبو مؤيد وزوجه وابنته وأقاربه جميعاً من البلدة.

وعلى بعد 100 كم على الأقل داخل مخيم السد، عثر أبو مؤيد على مأوى مؤقت يفتقر كلياً إلى المقومات الصحية الأساسية ومستلزمات النظافة "فالناس لا تجد ماءً هنا لتشربه، فكيف سيستحمون؟!" وفق ما قال لسوريا على طول، ويعتقد أبو مؤيد أن "عدم قدرة النازحين على الاستحمام هي أحد مسببات الأمراض والأوبئة.

وأضاف "يوجد أدوية وإسعافات أولية ولكنها لا تقدم ولا تؤخر، أي أن الأمراض المزمنة أو الصعبة لايمكن علاجها في المخيم ، وبعد موجة النزوح الكبيرة وازدياد عدد الناس، وإدارة المخيم فقدت سيطرتها عليه لذلك ترى انتشار حالات الجرب والأمراض الجلدية".

وقال أبو مؤيد "وببساطة إذا اضطررت أن تنام لأسبوع على الأرض دون أغطية نظيفة ودون استحمام لابدّ وأنك ستصاب بالجرب، إليس كذلك؟"  

داخل مخيم السد 16آب. حقوق نشر الصورة لـ يوميات الحسكة.

وحاولت سوريا على طول التواصل مع عدة مسؤولين في الهلال الأحمر الكردي، المسؤول عن تأمين المساعدات الطبية والصحية للنازحين المقيمين داخل مخيم السد، وجاء الرد الوحيد من ممرض كان يعمل مع الهلال الأحمر الكردي داخل مخيم السد وغادر منه قبل شهر، وطلب عدم ذكر اسمه.

وأقرَ الممرض بأن الوضع الطبي في المخيم كان "سيئاً" خلال فترة إقامته، رغم أنه لم يقدم أي إحصائية لانتشار الحالات المرضية ضمن المخيم، وأشار إلى وجود "نقطة طبية واحدة" في مخيم السد تقدم العلاج الأساسي فقط بحسب ما أشار الممرض.

ومن جهته أكدّ طبيب في هيئة الصحة في الحسكة، التابعة للإدارة الذاتية الكردية، أيضاً لسوريا على طول أن الخدمات الطبية في مخيم السد "سيئة جداً".

وأردف الطبيب "زرت المخيم وحاولت أن ألتقي مع المستشارين بالإدارة حتى أشرح الوضع للمعنيين ويتحسن الوضع الطبي والإنساني وخاصة أننا على أبواب الشتاء"، وفق ما قال الطبيب متحفظاً على ذكر اسمه، ولا يزال من غير الواضح إذا كانت إدارة المخيم قد بدأت باتخاذ إجراءات لتحسين الوضع أم لا".

وذكر صحفي سوري يعمل مع موقع أنباء كردي، وكان قد زار المخيم في الأسبوع الماضي لسوريا على طول أن إدارة المخيم لم تتمكن من تأمين الخدمات الطبية الملائمة لأن عدد النازحين فيه ببساطة "ضخم جداً"، مشيراً أن أعداد النازحين إلى المناطق الكردية يُقدر بعشرات الآلاف "ولا الهلال الأحمر أو غيرها بإمكانها تلبية احتياجاتهم الطبية".

"بصفة معتقلين"

لم يكن أمام العائلات من ريف محافظة دير الزور مجالاً للاختيار حين قرروا الهروب من المعارك التي تشن حالياً في بلداتهم، فإلى الغرب منهم مباشرة صحراء مقفرة لا تزال بيد تنظيم الدولة، و تليها أيضاً أراض تحت سيطرة النظام.

ونزحت على الأقل 250 عائلة من الضفة الجنوبية لنهر الفرات نحو الجنوب، وقطعت مئات الكيلومترات في  الصحراء المقفرة  منذ بداية تشرين الأول، لتستقر في نهاية المطاف في مخيم الركبان النائي، والمحاذي للحدود السورية الأردنية، وهناك ظلوا محتجزين في بقعة قاحلة من سوريا، لا هُم يستطيعون التوجه إلى الأراضي الأردنية إذ الحدود موصدة بوجههم، ولا هم يتجرؤون على النزوح إلى الأراضي المحيطة التي يسيطر عليها النظام.

وحاولت عائلات أخرى أن تخرج باتجاه الشمال عبر الأراضي الكردية في محافظتي الحسسكة والرقة، على أمل أن يدخلوا منها إلى شمالي محافظة حلب، الواقع تحت سيطرة المعارضة إلى الجنوب تماماً من الحدود التركية.

ومن بين أولئك الذين كانوا يسعون للوصول إلى شمالي حلب، أبو مؤيد وعائلته، ولكنهم لا يزلوا محتجزين في مخيم السد،  حيث يقول أن سلطات قسد - القلقة بشأن تسلل عناصر تنظيم الدولة -  تمنعه من المغادرة ، رغم تسجيل اسمه في قائمة الراغبين بالخروج.

مخيم السد في آب. حقوق نشر الصورة لـ يوميات الحسكة.

ومع ذلك لا يزال أبو مؤيد بحال أفضل، فحتى أولئك الذين يصلون للمخيم بحالات صحية متدنية، ليس لديهم أمل بأن يُمنحوا إذناً للخروج للعلاج في المستشفيات المحلية، وفق ما قال محمد الخليف، عضو في الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

وأوضح لسوريا على طول "بعض حالات الوفاة التي وثقناها كانت لمدنيين نزحوا من سيطرة تنظيم داعش وهم مرضى لدى وصولهم إلى المخيم تفاقمت حالتهم بسبب سوء الأوضاع الصحية وماتوا نتيجة عدم تقديم العلاج اللازم".

ولفت إلى أن ما يساهم "بزيادة عدد الوفيات هو احتجاز السلطات المسيطرة على المخيم المدنيين ومنع المرضى من الخروج، وأحياناً حين يدخل المريض بحالة خطرة، يسمحون له بالخروج، ولكن بعد فوات الأوان، فقط ليفارق المريض الحياة بالمشفى".

وحين وصل محمد عيساوي، وهو أب لخمسة أطفال من بلدة الميادين في دير الزور، إلى مخيم السد في الشهر الماضي مع إقاربه، كانت ابنة عمه وهي امرآةٌ خمسينية تعاني أساساً من الفشل الكلوي.

وكانت ابنة عمه تتلقى علاج غسيل كلى في مدينة الميادين التي كانت تحت سيطرة تنظيم الدولة سابقاً، رغم افتقارها الملحوظ للمستلزمات الطبية، ولكن عقب وصولها إلى مخيم السد، لم يكن العلاج متاحاً، فالنقطة الطبية اليتيمة هناك، والتي وصفها أحد المصادر لسوريا على طول على أنها "خيمة" لا تقدم سوى الخدمات الصحية الأساسية.

وقال عيساوي لسوريا على طول إن "أبسط الأمور المعيشيّة من بطانيات وخيم هي غير متوفرة للجميع هنا، وهناك أناس تنام بالعراء بصفة معتقلين"، مشيراً إلى أن "إدارة المخيم لا تسمع لمطالبنا".

وسرعان ما تدهورت حالة ابنة عم عيساوي في غضون أسابيع، بغياب وجود العلاج الطبي الأساسي، وطلبت العائلة إذناً لها لتغادر مخيم السد، بحسب قوله، لتتمكن من إجراء غسيل الكلى في  مستشفى قريب.

ولكن تم رفض طلبها، لأسباب مجهولة، ومنذ وقت ليس ببعيد، عانت من فشل كلوي تام، "وتوفيت في المخيم وتم دفنها فيه".

ترجمة :فاطمة عاشور

 

عمار حمو

عمار من مدينة دوما، في غوطة دمشق الشرقية، درس الصحافة في جامعة دمشق. بدأ عمله الصحفي مع "سوريا على طول" عام 2014، ويعمل حالياً كمحرر ومراسل. شارك في عدد من الدورات الإعلامية في الأردن وإسبانيا، أشرف على مشروع "الصوت السوري" وهو موقع شريك لـ"سوريا على طول".