نازح يعيش في بساتين الزيتون بعد ضربة الكيماوي المميتة: لن أعود أبداً إلى خان شيخون

في العراء، وتحت أشجار الزيتون، في قرية في شمالي إدلب يجلس جمال معروف (37 عامأً) وزوجتاه وأطفاله التسعة على بساط من القنب.

ويفترش معروف، الذي كان بنّاءً في السابق، أرض قرية قاح مع عائلته، منذ قصفت طائرات حربية الصواريخ المحملة بالغاز السام على بلدته خان شيخون الثلاثاء الماضي. وقتل أكثر من 70 شخصاً في الهجمة في" انتهاك صارخ للقانون الدولي"، بحسب الأمم المتحدة.

ولم يكن معروف وعائلته ضمن المدى القريب للسلاح الكيماوي، ولكنه استنشق من الدخان الذي تركه الهجوم والسموم التي تبددت به. وأخذ عائلته إلى المستشفى في يوم الثلاثاء حيث رأى أمام ناظريه الأطفال الموتى وأولئك الذي يصارعون ليلتقطوا أنفاسهم، وظلت هذه الصور عالقة في ذهنه."أنا لن أستطيع رؤية أطفالي موتى بالكيماوي وهم نائمون"، وفق ما قال لـ بهيرة الزرير، مراسلة سوريا على طول، من قاح، بعد أسبوع واحد من القصف المميت.

وتقع قاح على الحدود التركية على بعد حوالي 140 كم، شمال خان شيخون. وبعد ساعات فقط من هجمة خان شيخون، استأجر معروف شاحنة وانطلق بكل أفراد عائلته "بأرواحنا وملابسنا فقط".

معروف وعائلته في بساتين الزيتون، الثلاثاء. حقوق نشر الصورة لـ جمال معروف.

 

وفي بساتين زيتون قرية قاح، لا كهرباء ولا مياه جارية ولا خيم. وبحسب تقدير معروف، فإن نحو 200 عائلة أخرى من خان شيخون تعيش مثله في هذه البساتين، حيث لا مأوى، ولا خطط واضحة أمامهم في أين ستكون الخطوة التالية.

ولكن مع غياب الطائرات الحربية التي تحلق فوق رؤوسهم، سيبقون الآن بين أشجار الزيتون "مقابل الأمان وحفظ أرواح عائلتي".

حدثنا عن نزوحك من بلدتك خان شيخون إلى قاح؟

كنا نجلس في منزلنا، وبعد القصف، هربنا إلى مغارة كنت قد أنشأتها للهرب من القصف وبعدها كان هناك صراخ ونداء بمكبرات الصوت أن القصف محمل بغازات سامة وكانوا يذكرون الأعراض، فالقصف كان في منطقة بعيدة من منزلنا ولكن أعراض التعرض للكيماوي بدأت تظهر علينا كالدموع وسيلان الأنف، وانخفاض في دقات القلب، وبعد خروجنا من المستشفى كان أطفالي يصرخون ويبكون عندما يرون الأطفال لا يتحركون.

وبعدها مباشرة قمت باستئجار شاحنة وخرجت بها مع كل أفراد عائلتي، فنحن نجونا من موت محتم والحمد لله.

لماذا اخترت قاح للنزوح إليها؟ وكيف هي الظروف التي تعيشها الآن؟

اخترت قاح لأنها على الحدود التركية وغير معرضة للقصف ولا يوجد تحليق للطائرات فوقها، وتبعد حوالي 140 كم من خان شيخون، هي ستكون آمنة لي ولأبنائي.

وضعي مع باقي النازحيين تحت الصفر، فعند خروجنا من خان شيخون خرجنا بأرواحنا وملابسنا فقط.

والآن نفترش الأرض بالشوادر، ونستظل بأشجار الزيتون، هناك منظمات قدمت لنا بعض الطعام والشوادر ولكنها غير كافية وقليلة جداً، حيث يبلغ عدد العائلات في قاح 200 عائلة، تعاني من انعدام كامل للجميع مقومات الحياة باستثناء الأمان.

السكان ينزحون من خان شيخون في 7 نيسان. حقوق نشر الصورة لـ OMAR HAJ KADOUR/AFP/Getty Images. 

مضى الآن أسبوع على هجمة الكيماوي في خان شيخون،هل تفكر بالعودة إلى منزلك؟

لن أعود إلى خان شيخون أبداً، لأن خان شيخون بعد المجزرة أصبحت مدينة أشباح النزوح فيها كبير ليس إلى قاح فحسب بل إلى القرى والبلدات المجاورة لخان شيخون.

فالأسد وحليفته روسيا لم يكفيهم أننا تحملنا القصف حتى اعتدنا عليه، والآن الكيماوي فأنا بخروجي من مدينتي التي ولدت فيها، أكون منحت الحياة والأمان لأطفالي الصغار الذين تربوا في ظل القصف. وعلى الرغم من وجودي في البساتين فهي أكثر أمنا من بلدتي فكنا نقيم في مغارة ولكن مع المجزرة الآخيرة وضرب الطيران المكثف والمجازر والدماء، لن أتحمل رؤية أبنائي يموتون وهم نيام.

لماذا تفضل البقاء في العراء بدون اي خدمات على العودة الى بيتك ومدينتك؟

أختار العيش في العراء مقابل الأمان وحفظ أرواح عائلتي، فأنا لن أستطع رؤية أطفالي موتى بالكيماوي وهم نائمون كما جرى في في مجزرة الكيماوي، عندما أفكر أنني سأوضع بهكذا موقف فأنا انهار نفسياً.

 

ماهي ردة فعلك كنازح من مدينتك على الضربات الأميركية على مطار الشعيرات والتي أعقبت مجزرة خان شيخون؟

نتمنى أن تكون مستمرة وتساعدنا الحكومة الأمريكية وجميع دول العالم للخلاص من بشار الأسد، ونرجو أن لا تكون الضربة تغطية إعلامية فقط، لأننا تعبنا ونريد الخلاص ومساعدة شعبنا وأطفالنا لتنتهي الحرب في سوريا، فمن حقنا أن نعيش الأمان في بلدنا.

كيف تشعر الآن وأنت تبعد بضعة كيلومترات عن بلدتك ومنزلك؟ آلا تفكر ابداً في العودة إلى خان شيخون؟

بلدتي غالية عليّ ولكن أرواح أطفالي أغلى، والله أنجانا من الموت بالكيماوي، وأعطانا فرصة للحياة من جديد.

والسبب (في وضعنا الحالي) هو بشار المجرم الطاغية وكل دولة تدعمه وتقف بجانبه فهي تساهم في قتلنا، ولا أفكر بالعودة نهائيا إلى خان شيخون إذا لم نضمن عدم قصفها.

ماهي البدائل أمامك الآن غير العيش في قاح؟

لاتوجد بدائل لدينا، سنبقى في قاح حتى تحقيق النصر.

ترجمة: فاطمة عاشور

بهيرة الزرير

ولدت في دمشق. ودرست إدارة الأعمال والتسويق، غادرت إلى الأردن في العام 2013 بسبب الحرب. عملت كمتطوعة في منظمات دولية لمساعدة اللاجئين. قررت الانضمام إلى فريق سوريا على طول لتطوير مهاراتها وايجاد طريق جديد في حياتها.