هرباً من جحيم الحرب إلى تركيا: جرعات زائدة من الأدوية تتسبب بموت الأطفال أثناء رحلة التهريب

ذكرت مصادر طبية لسوريا على طول أن عشرات الأطفال في محافظة إدلب، الخاضعة لسيطرة المعارضة شمالي سوريا، يعانون جراء إعطائهم جرعات زائدة من المواد الأفيونية من قبل ذويهم، لمنعهم من إصدار أي صوت أثناء رحلة التهريب باتجاه تركيا.

وقال طبيب ومهرب وصيدلاني، من إدلب، لسوريا على طول، أن هذه المواد تشمل أدوية منومة ومواداً أفيونية ومواداً مهدئة للبالغين، وفي بعض الحالات، يتم إعطاء هذه المواد عن طريق الحقن.

وتتوارد أنباء تفيد بانتشار هذا النوع من الأدوية على نطاق واسع، ضمن المنطقة الحدودية لإدلب مع تركيا، وهي موطن لشبكة من المهربين الذين يعملون على تهريب العائلات السورية النازحة عبر الحدود.

وتتمركز القناصة التركية على طول المنطقة الحدودية مقابل الجهة الشمالية الغربية لمحافظة إدلب، وفي حال اكتشف القناصة أية عملية تهريب إلى الأراضي التركية، يواجه اللاجئون السوريون الاعتقالات أو إطلاق النار، بحسب ما جاء في تقرير نشرته منظمة Human Rights Watch العام الماضي.

وتقف العائلات التي لديها أطفال صغار، وتحاول العبور إلى تركيا من إدلب، أمام إحدى خيارين: إما جلب الأطفال وتحمل تبعات بكائهم وصراخهم على الطريق وهو ما قد يجعلهم هدفا للقناصة التركية أو إعطاء أطفالهم "دواء منوم" يوفره المهربون لإبقائهم هادئين على طول الطريق.

وقالت مصادر في إدلب لسوريا على طول، هذا الشهر، إن عشرات العائلات أعطت أطفالها جرعات زائدة من الأدوية المنومة عن غير قصد أثناء محاولتهم عبور الحدود إلى تركيا، خلال الأسابيع القليلة الماضية وحدها. وبدلا من استكمال رحلتهم، توجب على هذه الأسر العودة والبحث عن علاج لأطفالهم في سوريا.

الأطفال النازحون في محافظة إدلب ٣١ تشرين الأول. تصوير: مركز إدلب الإعلامي.

وقال الطبيب أحمد الغندور، مدير مشفى بلدة دركوش التابعة لمحافظة إدلب، والتي تقع على بعد أقل من ثلاثة كيلومترات جنوب شرق الحدود مع تركيا، إن الكادر الطبي يعالج خمسة إلى سبعة أطفال يعانون من أعراض تناول جرعات زائدة من الأدوية المهدئة أسبوعيا منذ أن بدأت "موجة" من النازحين السوريين بالوصول إلى هناك في الأشهر الأخيرة.

وتدفق الآلاف من السوريين النازحين إلى إدلب الخاضعة لسيطرة المعارضة، بعد فرارهم من الضربات الجوية المكثفة والمعارك البرية شرقي البلاد، وحاول العديد منهم بعد ذلك الوصول إلى تركيا عبر طرق التهريب، وهو ما دفعهم لإعطاء جرعات زائدة من الأدوية المنومة والمهدئة لأطفالهم دون قصد.

وقال الطبيب "أغلب الحالات لا تتجاوز أعمار الأطفال فيها السنتين".

وذكر الغندور أنه عالج مؤخراً حالات جرعات زائدة من المنوم، لطفلين وثلاثة من أبناء عمومتهما، في دركوش، في وقت سابق من هذا الشهر، وكان الأطفال وعائلاتهم في طريقهم إلى تركيا بعد فرارهم من محافظة دير الزور شرقي سوريا.

ووصل الأطفال الخمسة إلى مستشفى الغندور قبل أسبوعين، عند شروق شمس يوم الجمعة، وبدت عليهم أعراض تناول جرعة زائدة من دواء غير معروف، حينها لم يكن الغندور قد وصل إلى عمله بعد.

وعندما جاء الغندور، في وقت لاحق من صباح ذلك اليوم، توفي الرضيعان، ووفقا للطبيب كان والدهما "في حالة صدمة... لم يكن يستوعب ما يجري حوله".

ففي الليلة السابقة، ولتجنب لفت انتباه القناصة التركية، أعطى الأب الأطفال "دواء منوم" اشتراه من إحدى الصيدليات القريبة، بحسب ما ذكره الغندور لسوريا على طول.

وفي الطريق إلى تركيا، وبعد إعطائهم جرعة زائدة من الدواء لم يتمكن الأطفال الخمسة من الاستيقاظ من النوم وبعضهم استيقظ بصعوبة مما دفع الأهل للعودة والتوجه إلى المشفى.

وقال الغندور "الله أعلم قد يكون الدواء على شكل حبوب أو شراب أو إبر أو خليط من هذا كله". وأسرعت الأسرة إلى المشفى في دركوش، لكنها لم تصل في الوقت المناسب لإنقاذ جميع الأطفال.

وتابع الغندور لسوريا على طول، إن أصغر طفل هو بعمر ثلاثة أشهر فقط. ولم تتمكن سوريا على طول من الوصول إلى والدهم للتعليق بشأن ما حدث مع أطفاله، في حين نجت كل من بنات أخواته وإخوانه.

السوق السوداء للمهدئات

قد تشكل الأدوية التي تسبب الإدمان كالمسكنات الأفيونية والترامادول خطرا على الأطفال الصغار، حيث أصدرت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية مؤخرا بيانا يحذر من أن الترامادول يزيد من خطر "صعوبة التنفس ويؤدي للموت" لدى الأطفال الذين تقل أعمارهم عن ١٢ عاماً.

وبحسب ما قاله الصيدلاني أحمد خليلو، من دركوش، لسوريا على طول إن كلا من midazola tramadol, alprazolam, diazepam، هي أدوية تستخدم لعلاج القلق، تستخدم على نطاق واسع في شبكات التهريب شمال البلاد.

والنتيجة هي سوق سوداء للمهدئات، مهمتها إبقاء أطفال العائلات التي يتم تهريبها صامتة أثناء الطريق إلى تركيا.

وقال خليلو "أنا لا أصرف هذا النوع من الأدوية في صيدليتي"، بالرغم من أنه دواء مطلوب من البعض. وأضاف "دائما أعطي الأهل نصائح توعية كي يتجنبوا هذه الادوية أو على الأقل يعطوا الأطفال جرعة تناسب أعمارهم".  

وتابع خليلو إن معظم الصيدليات في المنطقة لا تخزن هذه الأدوية وإن كانت موجودة لا تصرفها إلا بوصفة طبية.

إذن من أين يحصل الأهالي والمهربون على هذا النوع من الأدوية ويعطونه للأطفال بدون وصفة طبية واضحة؟

ووفقاً لخليلو "بسبب الفوضى، يتمكن المهربون من الحصول على الأدوية المهدئة بسهولة خاصة أن هناك مخازن تبيعها دون أي رقابة، كما أن بعض الصيدليات تبيعها للمهربين من أجل الحصول على المال".

وفي الأسبوع الماضي، تواصلت سوريا على طول مع أحد المهربين، أبو سليم، الذي يهرب العائلات عبر الحدود إلى تركيا من شمال إدلب ومحافظة اللاذقية المجاورة، ورفض أبو سليم التحدث عن مصدر الأدوية لكنه اعترف بإعطائها للأطفال.

وقال أبو سليم إنه هو وشركاؤه يعطون كل من الحبوب والحقن المنومة للأطفال استعدادا للعبور إلى تركيا. ولكن في حين اتهم الصيدلي خليلو المهربين مثل أبو سليم بإجبار الأسر على إعطاء أطفالهم الأدوية، أنكر أبو سليم من جهته ذلك.

وقال المهرب "نحن لا نجبر الأهالي على إعطاء الحبوب والإبر لأطفالهم الأمر يعود لهم".

ولكن بالنسبة للآباء لا يعد إعطاء المهدئات للأطفال خياراً، ففي حال رفضوا القيام بذلك هذا يعني المخاطرة التي قد تجعلهم هدفاً لنيران القناصة أو اعتقالهم من قبل حرس الحدود التركي.

وختم أبو سليم " الأولاد يبكون ويصرخون في الطريق وهذا قد يدمر كل شيئ".

 

ترجمة: سما محمد.

 

نورا حوراني

حصلت نورا على شهادة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي من جامعة تشرين، عملت كصحفية في "سوريا على طول" منذ عام 2014، وحاصلة على شهادة في صحافة البيانات لتعزيز الكتابة الصحفية المتخصصة بحقوق النسان من "مركز حماية وحرية الصحفيين في الأردن"، وشاركت في العديد من الندوات المتعلقة بتطوير المجتمع المدني.

فاتن الزعبي

مواليد عام ١٩٩٣ في درعا. بدأت دراسة الصيدلة في الجامعة العربية الدولية في سوريا، ثم انتقلت إلى الأردن عام ٢٠١٣ بسبب الحرب الدائرة في بلادها. وفي عمان أكملت فاتن تعليمها الجامعي فحصلت على شهادة في تخصص الصيدلة من جامعة عمان الأهلية. تطوعت فاتن في عدة منظمات إغاثية لمساعدة اللاجئين السوريين في الأردن. وتسعى من التدريب إلى زيادة معرفتها في الصحافة واكتساب خبرة جديدة تمكنها من توصيل وعرض ما يحدث في سوريا للعالم كله.