مدة القراءة: 5 دقائق | تقارير, ثقافة ومجتمع, حلب

آثار حلب: ترميم انتقائي مرتجل يهدد هوية المدينة التاريخية


فبراير 1, 2021

عمان- فيما كانت مدينة حلب القديمة قد أدرجت على قائمة اليونسكو  للتراث العالمي في العام 1986، فقد صارت المدينة التي تضم العديد من المساكن والمساجد والكنائس والأسواق المحيطة بقلعة حلب التي تعد رمز حلب، مدرجة على قائمة المواقع الأثرية المعرضة للخطر. إذ خلال فترة المواجهات العسكرية بين المعارضة المسلحة وقوات نظام بشار الأسد، تعرضت أهم المعالم الأثرية في المدينة لدمار كلي أو جزئي.

وبحسب دراسة صادرة عن اليونسكو، بمشاركة معهد الأمم المتحدة للتدريب والبحث، في العام 2019، قُدر حجم الضرر في المدينة القديمة خلال الفترة 2013-2017 بـ56 مبنى مدمراً، و82 مبنى لحقت بها أضرار جسيمة، إضافة إلى 270 مبنى أصيب بما سمته الهيئتان الأمميتان ضرراً معتدلاً، في مقابل 20 مبنى لحقت به أضرار “ممكنة”، وثمانية مبان بلا ضرر “مرئي”، أي “لا يظهر الضرر على البنيات المرئية في الموقع، بيد أن ركام الهدم مرئي حول عناصر الموقع الرئيسة”.

وفي حالة قلعة حلب، كشفت الدراسة عن 31 موقعاً فيها مصاب بالضرر (موقع مدمر، وثلاثة مواقع جسيمة الضرر، و21 موقعاً معتدل الضرر، وستة مواقع ذات ضرر ممكن). فيما لحق بكاتدرائية الأربعين شهيد للأرمن الأرثوذكس في حي الجديدة، والتي يعود تاريخ تشيدها إلى العام 1491 ضرر معتدل. لكن الخسارة التاريخية الفادحة كان الضرر الذي لحق بالجامع الأموي الذي انهارت في نيسان/أبريل 2013 مئذنته التي تعود للعهد الأيوبي وتمتاز بهندستها الرائعة وزخارفها البديعة.

كما أُدرج مجمع الخسروية والمدرسة السلطانية ضمن المباني المدمرة بشكل تام. ويعود تاريخ مجمع الخسروية إلى الفترة العثمانية المبكرة؛ إذ بني العام 1565 بتصميم المعماري العثماني الشهير سنان. أما المدرسة السلطانية فبدأ تشييدها في العام 1223. 

كذلك، أدى الحريق في السوق القديم  (البازار)، في أيلول/سبتمبر 2012، لدمار تام في حوالي  60% من أقسامه الممتدة ضمن حواري ضيقة بطول 15 كيلومتراً، ويعود تاريخ تأسيسه إلى العهد الهلنستي. فيما طال الدمار ما يقارب 50% من بيوت حلب القديمة التي يبلغ عددها حوالي 6,000 بيت، يعود تاريخ بنائها إلى الفترة ما بين القرنين الرابع عشر والثامن عشر.

تسييس وارتجال 

بعد سيطرة قوات الأسد على كامل مدينة حلب في العام 2016، بدأت أعمال ترميم في بعض مناطق حلب القديمة. منها سوق السقطية الذي أشرف على ترميمه صندوق الآغا خان للثقافة، بالشراكة مع الأمانة السورية للتنمية التي تشغل أسماء الأسد منصب رئيس مجلس إدارتها. 

وتعد مؤسسة الآغا خان التي تأسست العام 1967 من قبل الأمير شاه الحسيني، الآغا خان الرابع للطائفة الاسماعيلية، إحدى المنظمات الدولية القليلة القادرة على تنفيذ مشاريع بموافقة حكومة الأسد مع تجنب القيود التي تفرضها العقوبات الدولية. كما ترتبط المؤسسة بعقد شراكة مع المديرية العامة للمتاحف والآثار  يعود إلى العام 1999، قامت خلالها المؤسسة بأعمال الترميم في المدينة القديمة. 

أيضاً، تتكفل مؤسسة أحمد قاديروف الخيرية المدعومة من الكرملين ترميم الجامع الأموي. ويفسر اهتمام الرئيس الشيشاني رمضان قاديروف (ابن الرئيس السابق أحمد قاديروف) بترميم المساجد في إطار “محاولاته تقديم نفسه بطلاً للمسلمين”.

في المقابل، انحصرت أعمال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في المدينة القديمة بعمليات إعادة التأهيل  لعدد من المحال التجارية في أربع أسواق أثرية. فيما لجأ التجار في خان الجمرك الذي يعود إلى القرن السادس عشر، إلى إنشاء صندوق مالي تعاوني لترميم المحال هناك، والبالغ عددها 150 محلاً. 

لكن “الخطر الأكبر بعد الدمار الذي أصاب مدينة حلب القديمة، هو أن الكثير من أعمال الترميم  تمت بشكل سريع وفردي”، بحسب المهندسة المدنية ريم القدسي. موضحة في حديثها لـ”سوريا على طول” أن

أعمال الترميم الفردية “تتم بشكل غير أكاديمي أو منهجي ولا تتوافق مع قيمة المكان التاريخية، مع غياب مراقبة الجهات المختصة (سلطات الآثار) والمسؤولة عن هذه المشاريع الصغيرة”، وهو ما يهدد بخروج هذه المباني من قائمة التراث العالمي”

لكن بحسب محام من حلب تحدث لـ”سوريا على طول” شريطة عدم الإفصاح عن هويته، فإن “أصحاب بعض المتاجر والمباني قاموا بترميم سريع لمبانيهم وبطريقة غير رسمية لإثبات ملكيتهم للعقارات، وخاصة أولئك الذين فقدوا الأوراق التي تثبت أنهم يمتلكون عقاراً أو لديهم عقد إيجار”. إذ يشار في هذا السياق إلى أنه بموجب المرسوم التشريعي 222 لعام 1963، تعتبر جميع الآثار الثابتة والمنقولة من أملاك الدولة ما عدا التي يثبت أصحابها ملكيتهم لها أو تصرفهم بها بوثائق رسمية.

وحتى في حالة مئذنة الجامع الأموي، فقد لفتت القدسي التي عملت على ترميم قلعة حلب وما حولها خلال الفترة 2001-2011 إلى أنه “هندسياً لا يمكن عودة مئذنة الأموي إلى سابق عهدها، لأن التفجير الذي أصابها قد تسببا في تصدع وتهتك حجارتها، ما يجعل من المستحيل إعادة استخدامها في أعمال الترميم الجديدة”. مضيفة أنه “يمكن الحصول على مئذنة جديدة بمواد جديدة على طراز المئذنة القديمة ومطابقة للأصل، لكن ذلك يخرجها من قيمتها الأثرية والتاريخية”. 

ترميم لم يؤت ثماره

رغم الإعلان عن الانتهاء من ترميم وتأهيل بعض الأسواق، وافتتاح سوق السقطية التاريخي في تشرين الأول/أكتوبر 2019، يبقى السؤال عما إذا كان ذلك يعني عملية إحياء فعلية لهذه المناطق. إذ اقتصرت أعمال الترميم في السقطية على السقف المقبب والممر المركزي والبنية التحتية على امتداد 150 متراً، إضافةً إلى ترميم ثلاثة محال تجارية بشكل كامل بغرض عرض الأعمال النهائية (التشطيبات) المحتملة التي من الممكن إجراؤها في المحال التجارية الأخرى بشكل فردي. يضاف إلى ذلك تأهيل سوق الخابية  من قبل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في منطقة باب النصر الأثرية.

فوق ذلك، فإن “عملية الإحياء لتلك الأسواق لم تراع الجدوى الاقتصادية والاجتماعية”، برأي المهندسة لمى (اسم مستعار)، المتخصصة في تخطيط المدن. موضحة لـ”سوريا على طول” أن البند الأساسي في إعادة إحياء المناطق هو أن “السوق جزء من حي متكامل تقدم خدماتها لشريحة واسعة من ساكنيه. لكن الدمار الواسع الذي طال المباني السكنية المحيطة بهذه الأسواق وهجرة أغلب قاطنيها لأحياء أخرى دفع بأصحاب المحال التجارية المعاد ترميمها وتأهيلها لهجر متاجرهم في الأسواق القديمة نحو أحياء مؤهلة وأكثر اكتظاظا”.

وهو ما أكد عليه علي (اسم مستعار)، أحد أصحاب المحال التجارية في سوق الخابية ممن استفادوا من برنامج إعادة التأهيل. إذ برغم ترميم محله للقرطاسية، فإنه لم يعاود افتتاحه “بسبب  ندرة الزبائن التي ترتاد ما تبقى من الأسواق  القديمة”، كما قال لـ”سوريا على طول”.

بالنتيجة، تصبح عملية “ترميم وتأهيل هذه الأسواق مجرد بروباغندا دعائية للترويج لنظام الأسد وحلفائه”، برأي المهندسة لمى، بدليل أن الأسواق التي تم إعادة ترميمها “نسبة الدمار فيها لا تتجاوز 30%؜ مقارنة بحجم الدمار في أسواق مجاورة تركت دون إعادة ترميم أو تأهيل”.

وكان تقرير صادر عن البنك الدولي العام 2017، قدّر الحاجة إلى ست سنوات ونصف السنة من العمل المتواصل لإزالة الأنقاض في مدينة حلب. يضاف إلى ذلك شح التمويل الأجنبي لإعادة الإعمار، مع عجز حليفي الأسد روسيا وإيران عن القيام بهذا الدور.

* تم إنجاز هذا التقرير ضمن مشروع “تعزيز ترسيخ النوع الاجتماعي”، والذي ينفذه “سوريا على طول” بدعم من الصندوق الكندي للمبادرات المحلية، من خلال السفارة الكندية في عمان.

آخر التقارير…