مدة القراءة: 8 دقائق |

آخرها رفع الدعم عن المواطنين: دمشق تلجأ إلى حلول اقتصادية غير مجدية


فبراير 21, 2022

باريس – “الدولة لم تعد قادرة على الاستمرار بنمط الدعم ذاته الذي كان قائماً طوال العقود الماضية”، هذا ما جاء في تصريح رئيس الوزراء في حكومة النظام، حسين عرنوس، في 10 شباط/ فبراير الحالي، معللاً قرارات رفع الدعم عن شريحة واسعة من المواطنين السوريين، التي أقرتها حكومته بضرورة  توجيه الدعم وهيكلته “وفق معايير صحيحة تتيح تقديمه لمستحقيه فقط”

ففي كانون الثاني/ يناير الماضي، استبعدت دمشق نحو 600 ألف عائلة، ممن تحمل بطاقة الدعم الحكومية (البطاقة الذكية) من حزمة الدعم الحكومي، قبل أن تعيد جزءاً من المستبعدين، الذي تم استبعادهم عن طريق الخطأ على حد وصفها. 

تزامنت قرارات رفع الدعم مع طرح وزارة المالية “سندات الخزينة” في المزاد الأول للأوراق المالية الحكومية للعام الحالي بقيمة 200 مليار ليرة سورية (55 مليون دولار أميركي بحسب سعر الصرف الحالي في السوق الموازية البالغ 3,635 ليرة للدولار)، على أن يتم طرح المزاد الثاني في نيسان/ أبريل المقبل بقيمة 100 مليار ليرة (27.5 مليون دولار)، والمزاد الثالث في تموز/ يوليو بقيمة 100 مليون ليرة، أما الرابع في تشرين الأول/ أكتوبر بقيمة 200 مليار ليرة سورية.

تشير السياسات المالية الأخيرة للنظام إلى دخوله مرحلة جديدة من العجز الاقتصادي، خاصة أنها تزامنت مع مجموعة من القرارات الأخرى، التي تم الإعلان عنها في الأسابيع الماضية، من قبيل: رفع سعر الفيول للقطاعين العام والخاص، ورفع الدعم عن الكهرباء للصناعيين.

لكن، مع تشكيك مصادر تحدثت لـ”سوريا على طول” تحقيق الأدوات الاقتصادية التي استخدمها النظام مؤخراً، بما في ذلك “رفع الدعم”، نتائج إيجابية تنعكس على الاقتصاد الرسمي السوري، فإنها تعمّق معاناة المواطنين السوريين، كما قالت الصحفية أمل الدمشقي، المقيمة في دمشق، التي رفع الدعم عنها أيضاً.

رفع الدعم

في أواخر كانون الثاني/يناير الماضي، استبعدت حكومة دمشق 596,628 عائلة تحمل “البطاقة الذكية” من الدعم الحكومي، بنسبة تصل إلى 15% من الأسر التي يصلها الدعم اليوم، وفقاً لتصريحات معاونة وزير الاتصالات والتقانة لشؤون التحول الرقمي، فاديا سليمان، موضحة أن الدراسة أخذت بعين الاعتبار الملكيات العقارية المتعددة للأسرة في نفس المحافظة، ومراعاة مناطق الملكيات من حيث الأغلى سعراً.

عائلة أمل الدمشقي، واحدة من العائلات التي تم استبعادها من الدعم الحكومي، “لامتلاك العائلة سجلاً تجارياً وسيارتين”، وفقاً للدمشقي، التي أكدت أن “السجل التجاري يعود لمحلّ زوجي الذي افتتحه في عام 2006 وأغلقه بعد ثلاثة أعوام من تاريخ افتتاحه”، وواحدة من السيارتين “بيعت بموجب عقد بيع ووكالة، من دون نقل الملكية هرباً من الإجراءات الحكومية المعقدة”.

حتى السيارة الوحيدة التي تملكها العائلة فعلياً “من موديل 2006 ومحركها أقل من (995 CC)، يعني أنها مطابقة لاستحقاق الدعم”، بحسب الدمشقي، التي اعترضت على قرار رفع الدعم عبر المنصة المخصصة لذلك، لكن “القرار جاء برفض الطلب أيضاً”.

تسبب قرار “رفع الدعم” بموجة غضب واسعة في البلاد، بلغت ذروتها في محافظة السويداء جنوب سوريا، التي شهدت مظاهرات احتجاجية ضد قرارات رفع الدعم، وصلت حدّ المطالبة بإسقاط بشار الأسد، وهو ما دفع حكومة دمشق إلى التراجع خطوة إلى الوراء بفتح المجال أمام المستبعدين لتقديم اعتراض على قرار استبعادهم عبر منصة إلكترونية حكومية.

وقد بلغ عدد طلبات الاعتراض حتى منتصف شباط/ فبراير الحالي، 381,159 طلباً، وفقاً لسليمان، موضحة أن وزارتها عالجت 209,178 طلباً، قُبل منها 70,154 طلباً، كونها تندرج ضمن الفئة التي تستحق الدعم.

يؤكد قرار رفع الدعم مجدداً أن “النظام مفلس”، وفقاً للباحث الاقتصادي في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، مناف قومان، معتبراً أن رفع الدعم “ليس الإشارة الأولى على إفلاس النظام، فمنذ أعوام هو عاجز عن تأمين العملة الصعبة وتمويل الميزانية”.

ومع فقدان حكومة دمشق القدرة على تمويل ميزانيتها، بما فيها دعم الخدمات وبعض السلع، من الموارد الطبيعية التي تقوم باستخراجها وبيعها، ومن المطارح الضريبية والاستثمارات وغيرها، “لجأت دمشق إلى رفع الدعم من أجل تخفيف الأعباء عن نفسها”، بحسب ما ذكر قومان لـ”سوريا على طول”.

سندات الخزينة

من أصل 200 مليار ليرة سورية (55 مليون دولار) كانت تطمح وزارة المالية جمعها من المزاد الأول للأوراق المالية الحكومية، الذي جرى بمشاركة تسعة مصارف عامة وخاصة، في كانون الثاني/ يناير الماضي، بلغ حجم السندات المخصصة 148.5 مليار ليرة (41 مليون دولار).

وفازت ستة مصارف سورية بسندات المزاد الأول، الذي صدرت نتائجه مطلع الشهر الحالي، بفائدة مقدارها 6.76% ستوزع بشكل نصف سنوي. وكانت الوزارة أعلنت نيتها تنظيم أربعة مزادات للاكتتاب على سندات الخزينة لعام 2022، بقيمة 600 مليار ليرة (165 مليون دولار)، بآجال وقيم مختلفة، من أجل تمويل “الإنفاق الاستثماري” للقطاع العام، وتأمين فرص استثمارية للقطاع المصرفي الخاص والعام، لتوظيف ودائعه في استثمارات “منخفضة المخاطر”، بحسب بيان الوزارة.

وتعرف “سندات الخزينة” بأنها قروض تصدرها الدولة للاكتتاب العام، بآجال مختلفة قد تصل إلى ثلاثة عقود، من أجل الحصول على الأموال من الأفراد أو الهيئات، مقابل عائد سنوي على شكل فائدة ثابتة.

وعادة ما تستخدم الحكومات هذه الأداة المالية من أجل إحداث تنمية اقتصادية في البلاد، ورفد خزينة الدولة بعائدات، لذا تسمى “قروض إنتاج أو تنمية”، لكن في الحالة السورية، تستخدم حكومة دمشق هذه الأداة المالية من أجل تمويل العجز الحاصل في الموازنة العامة، ودفع الرواتب وتمويل حربها.

من جهته، قال رئيس هيئة الأوراق والأسواق المالية، في حكومة النظام، عابد فضيلة، في تصريح لوكالة سبوتنيك الروسية “لا أحد يعلم على ماذا تم إنفاق الـ 130 مليار [ليرة] التي اقترضتها وزارة المالية منذ حوالي السنتين”، في انتقاد لسياسة حكومته في التعامل مع المبالغ التي تجمعها من طرح “سندات الخزينة”. 

لذا فإن هذه القروض تثقل كاهل الدولة، كونها صارت بمثابة “عبء متراكم على خزينة الدولة”، وفقاً لفضيلة، موضحاً أن الاقتصاديين يصرون دائماً على تشغيل هذه القروض (الأموال) بمشاريع استراتيجية ضرورية منتجة، ليكون الاقتراض مجدياً أو مبرراً باعتبار أن له تكلفة وهي الفائدة، لا أن ينفق على مشاريع هامشية أو استهلاكية تحول القرض إلى عبء.

وبالنسبة لحكومة دمشق، صار طرح “سندات الخزينة” وشهادات الاكتتاب العام “الخيار الأسهل، لتمويل بنود الميزانية أمام حالة العجز لدى النظام، سعياً للبقاء على قيد الحياة مالياً”، بحسب مناف قومان، وهذه ليست المرة الأولى التي تتبع دمشق هذه السياسة.

ورغم أن “أي بلد يعاني من أزمات اقتصادية وعقوبات دولية سوف يلجأ إلى طرق سهلة في تمويل الموازنة، من قبيل سندات الخزينة أو طباعة النقود”، وفقاً لقومان، لكن “النظام  قد يلجأ إلى هذه الطريقة لعشرات السنوات طالماً بقي في الحكم”، متجاهلاً الآثار السلبية المترتبة عليها.

من جهته، أوضح د.كرم شعار، رئيس قسم الأبحاث في مركز السياسات وبحوث العمليات (OPC)، أن اتباع الحكومات “إلى طباعة النقود، عند وقوعها في مشاكل مالية وحاجتها لإنفاق حكومي يؤدي إلى التضخم”، لكن “الاقتراض من القطاع الخاص أو الأفراد ودفع هذا المبلغ لاحقاً، لا يؤدي إلى التضخم”.

لكن شعار قلل من نجاح حكومة دمشق في الاستفادة بالشكل المطلوب من عملية طرح سندات الخزينة، مستدلاً على ذلك “بعدم قدرة الحكومة على جمع مبلغ 5% من الموازنة العامة في عمليات طرح سندات الخزينة خلال السنوات السابقة”. لذلك “لن يكون طرح سندات الخزينة للعام الحالي أفضل من السنوات السابقة”. 

يضاف إلى ذلك، في العام الحالي، “حالة انعدام الثقة عند المقرضين في سوريا سواءً كانوا قطاعاً خاصاً أو أفراد”، بحسب شعار، وهو ما سيحول دون إمكانية الحكومة السورية من استخدام هذه الأداة.

ويتساءل قومان “من المستثمر أو البنك أو المواطن، الذي سيشتري سندات موقعة من قبل الحكومة السورية، رغم معرفته بوضع الحكومة والعقوبات المفروضة عليها”، معتبراً أن قرار طرح سندات الخزينة “لن يكون لها قدرة على تحسين الاقتصاد السوري”.

ويوضح الرسم البياني استمرار انهيار سعر صرف الليرة السورية، رغم طرح الأوراق المالية، لكن “لا يمكن ربط سعر الصرف بتلك الأوراق من دون إغفال مجموعة كبيرة من العوامل الخارجية التي تؤثر في انهيار سعر صرف الليرة”، وفقاً لقومان، من قبيل “البنية الهيكلية للاقتصاد السوري، سياسات النظام الاقتصادية، العقوبات الدولية”، إضافة إلى “عدم وجود معلومات دقيقة عن حجم الأموال التي استطاع النظام الحصول عليها لقاء بيع هذه الأوراق المالية، ولمن ذهبت”.

من جهته، اعتبر شعار، أن إسقاط الأوراق المالية على أسعار الصرف، ربما يكون “غير مفيد”، نظراً لأن “الأرقام التي أعلنها النظام هي الأرقام المعروضة وليس التي تم شراؤها، فالنسبة التي تباع أقل من الكمية المطروحة”. 

كذلك، في طرح السندات الأخير، أعلنت حكومة دمشق أنها حصلت على 148.5 مليار ليرة لقاء طرح الإصدار الأول من شهادات الإيداع لعام 2022 من أصل 200 مليار ليرة كانت تهدف الحصول عليها، أي حققت 75% من هدفها، ولكن المبلغ “يشكل 1.1% من قيمة الموازنة العامة لعام 2022″، بحسب شعار.

وأضاف: “على مدار السنوات الماضية، يرفض القطاع العام والشركات شراء هذه الأوراق المالية للنظام، لأن معدلات الفائدة الحقيقة لها منخفضة بعد احتساب قيمة التضخم، وأحياناً تكون سلبية، على الرغم من أن الفائدة الاسمية المعروضة مرتفعة”.

“ترحيل الأعباء”

“في الحالتين؛ رفع الدعم وبيع السندات، هو انعكاس لحالة الضغط الاقتصادي الذي يمر بها النظام السوري”، بحسب مناف قومان، الذي أشار إلى أن دمشق استنفدت غالبية الأدوات المالية لتمويل ميزانيتها ولم يتبق أمامها سوى أدوات محدودة كانت قد استخدمتها سابقاً، من قبيل: طباعة النقود، وطرح السندات للبيع، ورفع الدعم عن بعض السلع كما فعلت مؤخراً، كل ذلك “في محاولة لتخفيف الأعباء التراكمية”.

واعتبر قومان أن القرارات الحالية “جاءت جراء حالة الشلل الاقتصادي والعقوبات وعرقلة العملية السياسية وتجفيف منابع التمويل، والحالة السيئة للمطارح الضريبية وتردي الوضع الاقتصادي للبلد”، لكن هذا لا يعفي النظام من مسؤوليته في “تأمين السلع والخدمات للمواطنين بأسعار مناسبة وتخفيف الأعباء المعيشية عنهم”.

وبدلاً من أن يدعم النظام أسعار المواد والخدمات لمواطنيه “يلجأ إلى تحميل المواطن هذه الأعباء”، وفقاً لقومان.

وحذّر قومان من أن رفع الدعم الحكومي أوقع المواطنين السوريين في أزمة اقتصادية جديدة، إذ يضطرون إلى “شراء السلع والحصول على الخدمات بسعرها العالمي، في وقت تشهد الليرة السورية تدهوراً مستمراً وتنخفض قيمتها الشرائية”.

يتفق الباحث شعار مع قومان، في أن “المواطن هو المتضرر الأكبر”، مشيراً إلى أن “رفع الدعم عن الأشخاص الأقل حاجة للدعم لا يعني أنهم لا يحتاجون له”، خاصة أن “الغالبية الكاسحة في مناطق النظام، ونسبتهم أكثر من 90%، يعيشون تحت خط الفقر”، بحسب شعار.

البحث في الحلول

قبل السياسات المالية التي ينتهجها النظام لرفد اقتصاده، يتوجب عليه “العمل على إعادة ثقة القطاع الخاص بالاقتصاد والحكومة”، بحسب الباحث شعار، مشيراً أن العامين الماضيين شهدا “إفلاس الكثير من المستثمرين ورجال الأعمال وفرارهم خارج البلاد”.

لذلك، يجب “وقف سرقة المستثمرين والقطاع الخاص، ووقف التهجم على أصحاب رؤوس الأموال من قبل النظام، بمعنى أن يتوقف النظام عن استخدام القطاع الخاص كشماعة تعلق عليها الحكومة السورية كل إخفاقاتها”، وفقاً للشعار، مشدداً على أنه “ما لم يتم إقناع القطاع الخاص بجدوى البقاء في سوريا والاستثمار والعمل، فإن الوضع السيء جداً سيصبح أسوأ”.

لكن “الجهاز الاقتصادي للنظام المكبل بكل شيء”، كما وصفه قومان”، “غير قادر على الحركة نتيجة مجموعة من الأسباب الخاصة بالنظام نفسه”، لذلك “لا يمكن تجاهل العلة الرئيسية والحديث عن حلول مثلى”. لذلك “عندما يرحل النظام ورموزه يمكننا أن نخرج بألف حل”، بحسب قومان.

وبدلاً من البحث عن حلول جذرية، يلجأ النظام إلى طرق لا تخفف الأعباء الاقتصادية عن المواطنين، وإنما “تخفف الصدم”، وفقاً لقومان، الذي أكد أن “النظام يتبع نمط الصدمة الجزئية؛ بمعنى أنه رفع الدعم عن شريحة من السوريين، لكنه قريباً سيوسّع دائرة المستبعدين، وصولاً إلى رفع الدعم بشكل كامل”.

في المقابل، يواجه المواطنون مزيداً من ارتفاع الأسعار، ما يعني أن “المواطن يتحمل أعباء معيشية مضاعفة، نتيجة فقدان الليرة المستمر لقيمتها الشرائية، وعجز النظام عن تمويل ودعم كثير من السلع”، بحسب قومان، كل ذلك “يدفع النظام إلى نقل مزيد من الأعباء عن كاهله نحو المواطن”.

تأكيداً على ذلك، قالت الصحفية أمل الدمشق أن “مصروفنا من البنزين والمازوت والرز والسكر والغاز سنوياً يبلغ نحو مليونين ونصف المليون ليرة [688 دولاراً]، وفق الأسعار المدعومة عبر البطاقة الذكية”، لكن مع رفع الدعم “سيصل مصروفنا السنوي إلى نحو ستة ملايين ليرة سورية [1650 دولاراً]”.

ويتوقع الباحث شعار مزيداً من التدهور “في مناطق النظام التي تتجه نحو الأسوأ”، إذ لا شيء يشير إلى إمكانية تحسّن الاقتصاد “لا سيما أن مؤشرات التحسن التي ظهرت في فترة إعادة العلاقات مع النظام تلاشت بعد توقف قطار التطبيع”.