مدة القراءة: 4 دقائق | حلب, مقابلات

أحد آخر الاطباء في شرقي حلب: لم يعد بإمكاني أن أقدم أي شيء لمساعدة الجرحى


نوفمبر 30, 2016

قبل الحرب، كان مرضى الدكتور يحيى هم الرضع والأطفال فقط. الآن يضطر طبيب الأطفال في شرقي حلب إلى أن يعمل كطبيب على خط الجبهة لأولئك المدنيين المحتجزين تحت وابل الغارات الجوية العنيفة، ولاسيما مع تقدم الحملة المشتركة للنظام والروس التي أعلن عنها في وقت سابق من هذا الشهر إلى الأحياء الثورية المحاصرة.

وضربت غارة جوية المستشفى الذي يعمل به في الأسبوع الماضي، مما أجبره والمرضى على الإخلاء والانتقال إلى مراكز طبية مجاورة صغيرة. وقال يحيى أنه والطاقم الطبي وجدوا أنفسهم في خط اقتحام جديد للنظام، الإثنين، حيث تمكنت قوات النظام وفق ما تواردت الأنباء وبدعم من الغارات الجوية ونيران المدفعية من السيطرة على عدة أحياء رئيسية في شرقي حلب.

وقال يحيى، لمراسلة سوريا على طول بهيرة زرير، “تم قصف مبنى سكني بالقرب مني بصاروخ أرض أرض كنا معرضين للموت، وشدة الصوت أدت الى ثقب غشاء الطبل في أذني”.

وأجبر قصف يوم الإثنين يحيى وعائلته على الرحيل والانتقال إلى حي آخر بحثاً عن الأمان، وقال أنه ترك المركز الطبي ومن غير الواضح متى سيتسنى له العودة لعمله.

وزاد “للأسف، الآن لم يعد بإمكاني أن أقدم أي شيء لمساعدة الجرحى”. وأضاف “أنا ابن حلب، وما زلت لا أتصور ولا أستطيع احتمال ما يجري”.

خلال الأسبوعيين الماضيين، دمرت الغارات الجوية آخر المستشفيات في حلب، خلال هذا الوقت هل مرت أمامك حالات استوقفتك كإنسان قبل أن تستوقفك كطبيب؟

 نعم، حصل العديد من المواقف أمامي جعلتني أشعر بالقهر.

وهناك حالة استوقفتني كثيرا، هي لطفل حديث الولادة توفيت والدته عند الولادة، وتم وضعه في الحاضنة وكان ضمن الأطفال الموجودين بالمستشفى وتم نقله إلى المستشفى البديل في يوم الجمعة حين قصف المستشفى.

في يوم الأحد، اتصلت ممرضة الحواضن بالقابلة التي أحضرت الطفل للمشفى، ليتم تخريجه،  والمفاجئة كانت بوفاة والد الطفل نتيجة القصف بنفس اليوم ليصبح الطفل يتيم الوالدين وهو ابن 3 أيام.

حقيقة لايمكن وصف ما يحدث. مهما استخدمت من كلمات وتعابير لن أستطيع أن أصف ما يجول في داخلي كإنسان.

لا يمكن لعقل تحمل ما يحصل بحلب، لم أكن أتصور أن يصبح بلدي خرابا، وتصبح أحيائه مدن أشباح.

تأتينا كل يوم حالات كثيرة للمستشفى تجعلنا نشعر بالقهر والأسى لكل ما يجري، فإمكانياتنا في مساعدة الجرحى محدودة وأعدادهم كثيرة.

آثار غارة جوية في شرقي حلب، 18تشرين الثاني. حقوق نشر الصورة لمركز حلب الإعلامي

في يوم الإثنين، وصفت قوات الثوار في حلب، وابلا “غير مسبوق” من الغارات الجوية ونيران المدفعية مع سيطرة النظام على 20%  من أحياء شرقي حلب. فكيف تتأقلم مع هذا التصعيد وأنت تعالج الجرحى؟

الوضع في حلب يوم الإثنين في حالة فوضى، لأننا أصبحنا قريبين من خط اقتحام النظام، بالإضافة للقصف الجنوني.

الجرحى في الشوارع وسيارات الإسعاف لا تستطيع الاقتراب لإجلاء الجرحى خوفاً من استهداف المكان مرة أخرى.

نعم كنت أشعر بالخوف، اي إنسان في موقع الحدث يشعر بالخوف على حياته، وتم قصف مبنى سكني بالقرب مني بصاروخ أرض أرض كنا معرضين للموت، وشدة الصوت أدت الى ثقب غشاء الطبل في أذني.

اضطررت الليلة الماضية بسبب القصف للمغادرة وعائلتي إلى منطقة أخرى، للأسف، الآن لا نستطيع سوى تقديم الإسعافات الأولية فقط للجرحى بسبب ضعف الإمكانيات.

هذه ليست المرة الأولى التي تكون فيها والكادر الطبي في خط النار، الجمعة الماضية ضربت غارة جوية المستشفى الذي تعملون به، وأجبرت الأطباء والمرضى على الإخلاء إلى مراكز أصغر. كيف كانت ردة فعلكم والأطباء على الغارات؟

حين قصف مبنى المشفى بالصواريخ بدأنا بإخلاء الأطفال في الجناح وفي قسم الحواضن وسادت حالة من الصدمة والارتباك والهلع لدى معظم الكادر ومرافقي المرضى للحظات. وبدأنا بالإخلاء، كان هناك حالات حرجة اثناء القصف، 3 حالات اختناق باستنشاق غاز الكلور وعلى الرغم من حاجتهم للبقاء بالمشفى قمنا بإخراجهم للحفاظ على أرواحهم من موتنا المحتم.

وفي هذه اللحظات العصيبة المخيفة بدأت بعض الممرضات بالبكاء نتيجة الصدمة التي تعرضن لها.

تعرضنا لبعض الرضوض والكدمات نتيجة تطاير الزجاج والأسقف المستعارة، لحظات قليلة رهيبة تم الإطمئنان لعدم إصابة أي شخص من الكادر أو المرضى إصابة بليغة ثم كان القرار بإجلاء المرضى.

وتم إحالة الأطفال إلى المكان المجهز في مستشفى آخر، بمرافقة ممرضات من الكادر الطبي بسيارة اسعاف واحدة.

 وباقي المرضى بسيارات خاصة، وكنا نخاف أن يتم استهدافنا في طريقنا للمستشفى البديل والكادر الطبي انتقل بسياراته الشخصية.

كطبيب مختص بالأطفال، وليس الطوارئ أو العناية بالجرحى، كيف تغير عملك خلال مسار الحرب وما الذي دفعك للاستمرار بعملك بالرغم من خطورته وخصوصاً بعد تعرض مشافي حلب للقصف وتعرض حياتك للخطر؟

نعم، اضطررت لمعاينة الجرحى وتقديم الإسعافات الأولية فقط، ونحن بحلب 3 أطباء أطفال فقط، وما يزال هناك ثلاثين طبيباً في كل حلب الشرقية وفي ظل الحرب الجميع يقومون بواجباتهم.

الذي يجعلني مستمر في عملي أن الجرحى هم أبناء وطني، وأنا ابن حلب وواجبي كطبيب ومواطن يحتم علي تقديم كل ما أستطيع القيام به لمساعدة بلدي في ظل ما يعانيه من وضع كارثي.

خدمة الناس التي هي بأمس الحاجة لوجود كادر طبي مختص يحمل معهم القليل من آلام أمراضهم ويداويهم الطب مهنة إنسانية ونحن مؤمنون بتأدية هذه الرسالة رغم كل الصعاب رغم كل الجراح عسى أن ننتفع بما نقدمه عند مليك مقتدر.

ترجمة: فاطمة عاشور

 

آخر التقارير…