مدة القراءة: 9 دقائق | إدلب, ثقافة ومجتمع, مقابلات

أحد أهالي الفوعة المحاصرة: إلى متى هذا الشقاء؟


يونيو 15, 2016

 في أذار 2015، اجتاح ثوار جيش الفتح بقيادة جبهة النصرة وأحرار الشام، محافظة إدلب في شمال سوريا وسيطروا على معظمها؛ فوجد أهالي قريتين ذاتا غالبية شيعية في إدلب أنفسهم محتجزين ومحاصرين مع اقتراب الخطوط المعادية.

ومنذ ذلك الحين، وأهالي  بلدتي الفوعة وكفريا المتجاورتين، واللتين تبعدان نحو 7 كم شمال شرق إدلب، يعيشون تحت القصف والحصار.

وخلال ذلك الوقت، لجأ الثوار إلى استخدام البلدتين لإجبار النظام على التفاوض.

وفي أيلول 2015، أبرمت هدنة متبادلة بين الثوار والنظام تربط  قدر الفوعة وكفريا بقدر ومصير الزبداني ومضايا المحاصرتين في ريف دمشق. وبذلك أجري فيما بعد  بالتوازي عدد من  عمليات الإخلاء للجرحى المدنيين والمقاتلين، وإدخال المساعدات. 

وانتهاكات الهدنة مستمرة من الطرفين؛ ففي الفوعة يغطي قناصة الثوار 80% من شوارعها، والحياة تبدو شبه ميتة في جوهرها كما قال خالد، شاب من أهالي الفوعة وعمره ثلاثين، وكان بناءً في السابق، لمراسل سوريا على طول محمد الحاج علي.

وأضاف خالد “الناس يمضون معظم أوقاتهم في الملاجئ، ويقتصر خروجهم لقضاء بعض الحوائج، على عجل “.

ما هو عدد المدنيين داخل كفريا و الفوعة. قبل و بعد الحصار الحالي ؟

كان يقطن الفوعة حوالي الاربعون ألف نسمة، ولكن بسبب طبيعة أعمال البعض(موظف أو طالب جامعي ….إلخ) اضطروا للذهاب والسكن في المدن موزعين على كافة المحافظات والأغلبية بين دمشق وحلب واللاذقية.

بقي منهم حتى الآن ما يقارب 20 الف نسمة تقطن الفوعة وكفريا حوالي 13 الف في الفوعة و 7 آلاف في كفريا، يعمل معظمهم بالزراعة بحسب الطبيعة الريفية، ولكن منذ بداية الأزمة في سورية قدمت هاتان البلدتان بحدود ثلاثة آلاف شهيد.

 طفل يمشي في الفوعة، بلدة في إدلب يحاصرها الثوار. حقوق نشر الصورة لـShaher Basti

كيف يعيش أهالي كفريا والفوعة؟

يعيش الناس من قلة الموت فهناك صعوبة في تأمين لقمة العيش، جميع الناس توقفت أحوالهم وأرزاقهم و يحصلون على الطعام من حشائش الأرض، التي تنبت لوحدها ويمكن تناولها، وهذا كان في فصل الربيع، آما حاليا نزرع بعض الاراضي القريبة جداً من البلدة والبعيدة عن مرمى القناصين في (بنش ورام حمدان وخربة الصواغية معرة مصرين) والتي مساحتها لا تغطي احتياجات السكان كافة وإنما جزء بسيط جدا، وتكون اسعارها باهظة بسبب تكلفة الزراعة وقلة المياه. وفي معظم الوقت نتناول الرز والبرغل التي تصل عن طريق المساعدات الانسانية.

آما المياه هناك نقص واضح وخاصة بعد اصابة الخزان الوحيد في القرية بقذائف الحقد ما أدى إلى خروج محطة الضخ عن العمل وفقدان مادة المازوت اللازمة لعمل المضخة.

هذا ما اضطر بعض أصحاب الآبار الخاصة لتشغيل مولداتها على مادة الزيت ونحن هنا أمام مشكلة تلوث المياه التي يتم استخراجها من الأرض وهي خاصة لسقاية المشاريع وليس للشرب ما أدى لظهور حالات إسهال والتهاب أمعاء ومجاري بولية وحصى ورمل عند معظم السكان.

أهالي الفوعة و كفريا يعيشون في حالة شديدة من الحرمان، الحرمان من أدنى مقومات الحياة، و أهمها الماء و الدواء و الغذاء، طعامنا هو المعونات التي تدخلها السلطات المختصة أو ما نجده من أشياء نادرة في السوق و بأسعار خيالية تضاهي أسعار الذهب، ليس لدينا فواكه و ﻻ خضار و منتجات الدواجن قليلة و أسعارها بارتفاع مستمر.

كيف تبدو الحياة داخل كفريا و الفوعة، هل تذهب الناس إلى أعمالها، و الأطفال إلى مدارسهم؟

الحياة تبدو شبه ميتة، يقضي الناس معظم وقتهم في الملاجئ القليلة والغير مجهزة للحياة البشرية بسبب القذائف العشوائية وطلقات القناص، التي تغطي 80 بالمائة من شوارع البلدة ورشاشات 23 و 57 حيث يقتصر خروجهم لقضاء بعض الحوائج.

أما بالنسبة للمدارس يقتصر الدوام على عدة ساعات من الفترة الصباحية ويقتصر أيضا على تعليم القراءة والحساب فقط وبأدوات تعليم بسيطة وبدون أقلام للسبورة والكتب قديمة ومتهرئة. إضافة الى عدم توفر زجاج يمنع دخول البرد و انعدام الإنارة و التدفئة.

بالإضافة الى خروج مدرستين عن الخدمة إحداهما تهدمت بتفجير عربة مفخخة في الهجوم على البلدة والثانية تحولت إلى مسكن للناس المشردة.

الحياة داخل الفوعة و كفريا ليست طبيعية فنحن دائما على عجل، نذهب الى السوق أو حيث نرغب بسرعة خوفا من أن يحصل طارئ ما في أية لحظة. و خاصة أن اﻻلتزام بالهدنة هو من جهتنا فقط  اما الطرف اﻵخر أي جيش الفتح و أحرار الشام و جند اﻷقصى فهم ﻻ يلتزمون بشيء و مستمرين بشكل يومي و ممنهج بالقصف العشوائي

 صف لنا يوم لك وعائلتك في البلدة المحاصرة؟

نستيقظ في الصباح الباكر. نصلي ونبدأ يومنا بإشعال النار وعمل الشاي، حاليا ليس لدينا سكر ولا حطب، حتى الحطب أصبح نادرا ومرتفع السعر. أذهب الى السوق لشراء كيلو من الكوسا بسعر 1000 ليرة  و سطل لبن، موصى عليه من أسبوع،  بـ2500 ليرة، ليأتي دور الخبز كيلو الطحين بـ1500 ليرة، وكيلو الملح 5000 ليرة، ومتر الماء 10000 ليرة،  وكرتونة البيض بـ15000، وتصوروا كل ذلك يجري والقذائف تنهمر علينا طوال النهار والقناص لا يتوقف، فأي حياة نعيشها وإلى متى هذا الشقاء.

طبعا أغلب الأحيان لا يوجد لدنيا نقود لشراء احتياجاتنا؛ فنكتفي بشراء الماء فقط ونتقشف بما لدينا من المواد التي استلمناها عن طريق مساعدات الهلال الأحمر وهي قليلة جدا لا تسد رمق، وخالية من الخضار والفواكه.

ماذا عن المساعدات، كم مرة تم إدخال مساعدات إلى كفريا و الفوعة. من هي الجهات التي قامت بإدخالها، و هل كانت تكفي هذه المساعدات للعائلات؟

بشق النفس وبعد السعي وراء المنظمات الدولية تم إدخال مساعدات إلى البلدتين بالتزامن مع دخول المثيل إلى مضايا والزبداني، حيث نحن الآن ضمن هدنة تسمى الفوعة وكفريا الزبداني.

وهذه المساعدات لا تكفي إلا النذر القليل ولا تحتوي ما هو مفيد أو يعوض نقص الفواكه والخضار التي تحوي المعادن والفيتامينات حيث تقتصر على الرز والبرغل والبقوليات الجافة. حيث تم في أول مرة توزيع السلة الغذائية على عشرة أشخاص وبعدها على خمسة أشخاص، فكل شخص يحصل على كيلو سكر واحد من المعونة و يجب أن يكفيه حتى تأتي المعونة التالية بعد أكثر من 45 يوم أو اكثر، أو أنه سيضطر أن يشتري من السوق و سعر 1 كغ سكر من السوق بـ 17000 ليرة سورية.

مع العلم لم يدخل البلدتين سوى أربع مرات طول فترة الحصار وهي سنة وثلاثة أشهر  و أول مرة كانت بعد سبعة اشهر من بدء الحصار.

 الأهالي وهم يساعدون امرأة جريحة في كفريا بعد قصف الثوار في أيار. حقوق نشر الصورة لـ Shaher Basti 

خلال الشهور الماضية تم إخلاء عدد من الجرحى والمرضى، من الفوعة و كفريا، كم عددهم و الان ما هو الوضع الطبي في المنطقة ؟

خرج من القرية بحدود سبعمائة شخص بين مرضى وجرحى وذلك ضمن اتفاقيات التبادل بين الفوعة وكفريا والزبداني مضايا.

نعاني من نقص حاد بالأدوية النوعية حيث يقتصر الدواء على المسكنات من نوع سيتامول فقط،  لا يوجد ما يغطي حاجة مرضى الضغط والقلب من الأدوية الأساسية، بل يقتصر على البدائل المتوفرة والنذرة ومرضى السكر نمط انسولين بشكل خاص تعاني من نقص هذه المادة، وحتى لو وجدت فإنها تالفة بسبب عدم توفر التبريد وسجلت بعض حالات وفيات بسبب إرتفاع السكر وحالات بتر للأطراف (قدم سكري وغرغرينا)، لا يوجد أدوية لعلاج التهاب الكبد أو حتى تحاليل لتحديد نوع الإصابة بالتهاب الكبد، وسجلت عدة حالات وهذا مؤشر خطير خوفا من تحول المرض لوباء، وبعض انواع الشاش والقطن.

مرضى السرطان لا توجد جرعات لمعالجتهم وحتى لو توفرت لا يوجد مشرف على علاجهم وهناك نقص بمادة المازوت اللازمة لتشغيل المستشفى الوحيد.

لا يوجد أدوات مساعدة للأطباء كالتصوير الشعاعي الطبقي محوري أو الرنين المغناطيسي حتى الصورة الإشعاعية فقط للحالات الإسعافية.

يفتقر المستشفى للاختصاصات الهامة مثل القلب والعصبية والعينية، والنسائية ويقتصر فقط على الجراحة العامة والعظمية 

مخبر الفوعة يفتقد لمواد اللازمة للتحاليل الطبية والمواد الموجودة منتهية الصلاحية ومعظم التحاليل البسيطة، تجرى بجهود فردية من طاقم المخبر، أيضا لا يوجد تحاليل نوعية هرمونية أو خزعات وغيرها، وخروج قسم الزرع الجرثومي عن العمل بسبب عدم توفر المازوت اللازم لتوليد الكهرباء التي لم تصل القرية منذ بدء الحصار.

يوجد الكثير من الحاﻻت التي تستدعي الخروج و كل يوم تظهر حاﻻت جديدة متمثلة إما بالقنص أو بإصابة قذيفة أو حتى مرض ظهر فجأة بسبب ندرة اﻷدوية و سوء التغذية و فقدان الرعاية الطبية.

هل يوجد قصف على الكفريا و الفوعة وكيف يستطيع الناس حماية أنفسهم من القصف و هل هناك ملاجئ يذهب اليها الناس أثناء القصف ؟

القصف مستمر بشكل دائم ولم نشهد يوم واحد وقف لإطلاق النار مع العلم أننا في هدنة الفوعة وكفريا الزبداني.

معظم الابنية في البلدتين عبارة عن طابق واحد لا يوجد ملاجئ مجهزة تكفي الجميع، تقتصر على الصالات غير المناسبة للحياة، وبعض الناس التي هدمت القذائف بيوتها سكنت المدارس، بالمختصر لا نعيش في ظروف إنسانية.

ماذا يقول المدنيين عن الحصار ، هل خرج المدنيين بمظاهرات تندد بالحصار . و هل كان هناك أي رد من الحكومة ؟

حصارنا هو الأطول والأقسى من نوعه، حيث وصل بالناس للمطالبة بالخروج من البلدتين مهما كلف ذلك، بحثا عن ظروف حياة مناسبة تناسب الناس والأطفال والمرضى والمسنين، وخاصة في ظل عجز الدولة عن مساعدتنا بأي شيء، ولو فتح ممر انساني.

وذلك بسبب عنجهية الفصائل التي تحاصرنا، والتي ترد على أي محاولة من الدولة لمساعدتنا وذاك بالضرب القاسي والقذائف الثقيلة نوع جهنم والفيل وجرر الغاز.

و وجهوا دعوة الى الجيش العربي السوري أن يفتح الطريق بالقوة، بعد أن رأينا تباطؤ المجتمع الدولي و عدم تلبيته حاجاتنا بفك الحصار و إخراجنا، و دعوا الحكومة أن تتخذ اجراءات من شأنها تخفيف ضراوة الحصار علينا و لكن ما من مجيب.

و وصل الدمار في الفوعة و كفريا جراء استهدافنا اليومي من قبل جيش الفتح و أحرار الشام و جند اﻷقصى، إلى نسبة اكثر من 85% .

نحن نود ايصال صوتنا الى كل المجمع الدولي، لماذا هذا الصمت اتجاهنا،آلسنا بشر، أليس لدينا نساء و أطفال و كهول و مرضى و حاجات نسانية، أين حقوق اﻻنسان، أين ﻷمم المتحدة مما يحصل معنا.

نرغب بالإجابة و إنصافنا نحن محاصري الفوعة و كفريا.

 تحضير وجبة في الفوعة وكفريا. حقوق نشر الصورة لـShaher Basti.  

كيف تنظر الى مستقبلك ومستقبل بلدتك؟ هل لديك آمال معينة؟

سؤال صعب، ولكن حالياً لا أفكر بالمستقبل لأن القصف المستمر والقذائف التي لا تتوقف وحالات القنص المتواصلة من قبل جيش الفتح الذي يحاصر البلدة يجعلنا دائما مستعدين للموت وبانتظاره.

اللهم وإن كتبت لنا الحياة وكان هناك مستقبل فربما ليس بهذه البقعة من الأرض، وهذا أيضا مستقبل غير مرغوب به.

أملي الوحيد أن تتوقف هذه الحرب، وأن نبقى في أرضنا ونعيش بسلام كما كنا سابقا قبل عام 2011.

في الأيام الأخيرة، وقبلها طبعا، قصف تنظيم جيش الفتح الفوعة وكفريا “انتقاماً” حسب قولهم، بسبب قصف او استهداف الحكومة لمناطق أخرى في سوريا مثل مدينة ادلب. ما رأيك  بمثل هذه الممارسات؟ ولو استطعت أن توجه رسالة لهم (لمن يحاصركم ويقصفكم) فماذا ستقول؟

هذا القصف الذي يقوم به جيش الفتح وحركة أحرار الشام ردا على استهداف الحكومة السورية لمناطق سيطرتهم، كما يصرحون، ما هو إلا دليل ضعفهم على مواجهة الحكومة والجيش السوري بشكل عسكري، ودليل تخبطهم فهم يتعاملون مع سكان الفوعة و كفريا كرهائن بشرية، وهذا منافٍ لأخلاق الحرب المتكافئة.

رسالتي لهم: يا من تدعون أنكم تدافعون عن الشعب السوري وتعملون على رد الظلم عنه، ألسنا نحن جزءا من الشعب السوري.

ويا من تدعون الإسلام وتحاولون نشر سطوتكم باسم الإسلام، ألم يأت في الذكر “ولا تزر وازرة وزر أخرى”، فما ذنب السكان الآمنين من أطفال ونساء وكهول وغيرهم حتى تنتقمون منا. وأنتم تتباكون في المحافل الدولية لتستجروا الدول حتى تتعاطف معكم انسانيا. أين أنتم من الإنسانية؟ بئس ما به تدعون.

قلت انك تشعر بنوع من الخيانة والتباطؤ تجاهكم من المجتمع الدولي، وأن لا أحد يسمع لمطالبكم. وحين نتحدث مع الاهالي في مناطق محاصرة أخرى في سوريا (داريا، مضايا، والخ) يقولون أشياء متشابهة. حين تنظر الى بلدات ومدن محاصرة في سوريا، ان كانت مع الحكومة او المعارضة، هل تشعر بنوع من التضامن معهم؟

أنا ضد حصار المدنيين وتجويعهم بأي بقعة من الأرض السورية، ولكن أثبتت هذه الحرب أنها حرب مصالح دولية. وأن جميع الأطراف فيها لا يقيمون اعتبارا  للمدنيين ولا يهمهم حياة الناس؛ فعندما تتعمد فصائل المعارضة التغلغل في الأماكن المكتظة بالسكان وترهب الناس بقوة السلاح، وتمارس نشاطها العسكري، إنما هم بذلك يستخدمون المدنيين كغطاء لهم وهم من يتسببون بحصارهم.

أنا أتضامن مع كل المناطق المحاصرة بسوريا كدير الزور وحلب والزبداني ومضايا وأدعو الجميع إلى التوافق على حل سياسي بحت، وتحييد المدنيين عن تبعات هذه الحرب.

 

ترجمة :  فاطمة عاشور

 

آخر التقارير…