مدة القراءة: 7 دقائق |

أخوك ما يزال حياً: اتصال هاتفي ينهي 11 عاماً من الانتظار


يونيو 6, 2022

بيروت- انتشرت على إحدى مجموعات السوريين في بلاد الشتات عبر “الفيسبوك” صورة لشاب شاحب الوجه هزيل الجسم، وكتب أعلاها “خرج هذا الرجل الآن من السجن، ولا يعلم أين يذهب، من يعرفه يتواصل معي”، بعد ذلك تلقت عائلة محمود أيوب اتصالاً هاتفياً، تنتظره عائلات آلاف السوريين المعتقلين والمختفين على أحر من الجمر، أخبرهم المتصل بأن ابنهم: ما زال على قيد الحياة. 

“لا يمكنني وصف شعوري عندما سمعت الخبر. لم أصدق ذلك”، قال خالد شقيق محمود لـ”سوريا على طول”، عبر اتصال هاتفي من مكان إقامته في هولندا، مشيراً إلى أن أخيه “اعتُقل منذ أحد عشر عاماً. وافترضنا أنه لن يخرج أبداً، ولربما مات”. 

محمود واحد من أصل 527 معتقلاً أُطلق سراحهم بموجب العفو العام عن “الجرائم الإرهابية”، الذي أصدره بشار الأسد في 30 نيسان/ أبريل الماضي. ورغم انّ عدد المعتقلين المُفرج عنهم  يفوق عدد من أفرج عنهم بمراسيم عفو سابقة، إلا أنه لا يعدو عن كونه نقطة في بحر 132 ألف معتقل أو مختف قسرياً في سجون النظام، بحسب أرقام الشبكة السورية لحقوق الإنسان.  

عندما اندلعت شرارة الثورة السورية في ربيع 2011، كانت عائلة خالد من أوائل المنضمين إلى اللجان التنسيقية في محافظة حمص، وكان محمود، ابن العشرين عاماً آنذاك، يؤدي الخدمة العسكرية الإلزامية، وأرسل ذات مرّة مع عناصر آخرين لقمع مظاهرة في دير الزور، لكن عندما تلقى أمراً مشابهاً مرة أخرى انشقّ عن الجيش.

بعد فترة قصيرة اختفى محمود أثناء عبوره أحد حواجز النظام في حمص، ولم تسمع عائلته أي خبر عنه لأربع سنوات، إلى أن علمت من أحد المعتقلين المفرج عنهم أن ابنها في سجن صيدنايا العسكري، ذائع الصيت بالتعذيب الممنهج، وما يزال حياً.

“كان متهماً بالخيانة والإرهاب والفرار من الخدمة العسكرية والتنسيق والتعاون مع المتظاهرين”، قال خالد ذو الثلاثين عاماً، لذلك “لم يعد لدينا أمل”. 

بعد إطلاق سراحه، اتجه محمود إلى مناطق المعارضة، شمال غرب سوريا، ولم يتسن له التواصل مع عائلته، التي غادر جميع أفرادها البلاد، إلا عبر الهاتف.

يستذكر خالد آخر مرة رأى فيها أخاه محمود، كان معافى الجسم طويلاً شامخاً، لكنه الآن مريض بالسل، وعبارة عن ظلّ الشخص الذي كان قبل الاعتقال، ناهيك عن “الأسى في عينيه. إنه مدمّر نفسياً وجسدياً”، قال خالد، مضيفاً: “لأحد عشر عاماً، لم يخطُ خارج زنزانته، ولم يرَ ضوء الشمس”، بحسب ما ذكر خالد.

روى محمود لعائلته قصصاً عن الفظائع التي حدثت أثناء اعتقاله، بما في ذلك “موت الكثيرين أمام عينيه  من الضرب، المرض، والجوع” بحسب ما ذكر خالد، الذي أخبر محمود بمغادرة عائلته سوريا، وأن شقيقين لهما قتلا: واحدٌ على يد النظام السوري والآخر على يد تنظيم داعش. 

الإفراج عن أكثر من 500 معتقل

شمل المرسوم التشريعي رقم 7 المعتقلين السوريين المدانين بـ”جرائم إرهابية” قبل 30 نيسان/ أبريل 2022، عدا التي أفضت إلى موت إنسان والمنصوص عليها في قانون مكافحة الإرهاب، رقم 19 لعام 2012، وقانون العقوبات الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 148 لعام 1949 وتعديلاته.

بيد أنّ معظم المعتقلين الـ 527 المُفرج عنهم كانوا مدنيين، واتُهِموا زوراً بالإرهاب، كما قال فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان لـ”سوريا على طول”، وفي حين أنّ معظم المعتقلين في سوريا اعتقلوا بين عامي 2012 و2013، إلا أنّ “قلة قليلة جداً من أولئك المُفرج عنهم كانوا من المعتقلين قبل تاريخ 2015”.

وكان من بين أولئك المُفرج عنهم 18 لاجئاً عادوا إلى سوريا في السنوات الأخيرة، هذا يؤكد أن “مصير العديد من الذين عادوا إلى سوريا الاعتقال أو الاختفاء، وإطلاق سراح بعضهم الآن يثبت ذلك”، وفقاً للباحثة في منظمة “هيومن رايتس ووتش”، سارة كيالي.

وانتقدت كيالي الحكومات التي كانت “تحث على عمليات الإعادة السابقة لأوانها”، رغم أنّ “كل الدلائل كانت تنبئ ببوادر كارثية واضحة وضوح الشمس”، بحسب قولها. طيلة السنة الماضية، كانت الحكومة الدنماركية تجرد اللاجئين السوريين من تصاريح إقامتهم بدعوى أن دمشق وريفها آمنين للعودة.

ولطالما كانت تُستخدم تهم الإرهاب في سوريا الأسد لإسكات أي حراك سياسي معارض، فكل معارض للأسد “متهم بالإرهاب”، بحسب عبد الغني. ولا تعدو قوانين مكافحة الإرهاب عن كونها أداة “للنيل من الحراك السلمي ونشطاء حقوق الإنسان والصحفيين”، وفقاً لكيالي، معتبرة أن “تهم الإرهاب دُبّرت بدهاء من قبل الحكومة السورية كمصيدة للجميع”.

وإبان مرسوم العفو العام الأخير، ارتفع سقف توقعات السوريين وآمالهم بإطلاق سراح أعداد كبيرة من المعتقلين، خاصة أن الآلاف منهم متهمين بالتورط بالإرهاب، لكن “الأسد خدع الكثيرين ممن ظنوا أن المرسوم سيشمل الآلاف”، قال عبد الغني. وبالتالي، لم يشمل العفو العديد من المدانين بالإرهاب، لأن النظام غالباً ما يوجه للمعتقلين تهماً عدة  تمسّ الأمن القومي، كما استثنى العفو الجرائم التي أفضت إلى موت إنسان.

نقطة تحول؟

يتسم العفو الأخير بخروجه قليلاً عن المألوف مقارنة بالمراسيم الثمانية عشر الماضية التي أصدرها الأسد منذ عام 2011، إذ “في قرارات العفو السابقة، كان يصدر القرار ومن ثم يفرج عن قلة قليلة من الناس”، بحسب الكيالي، لكن بموجب العفو الأخير “رأينا الإفراج عن عدد أكبر من أولئك الذين تتطابق أسماءهم مع التي وثقناها لأناسٍ اعتقلوا أو أُخفوا قسرياً”. بحسب بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان: سبعة  من ضمن المُفرج عنهم كانوا في عداد المختفين قسرياً.

وقالت ياسمين مشعان، وهي عضو مؤسس في رابطة عائلات قيصر، التي تضم سوريين تعرفوا على ذويهم ضمن 50 ألف صورة مسربة لضحايا قضوا تحت التعذيب في سجون النظام، أن مرسوم نيسان/ أبريل “هو الأول الذي يشمل المدانين بالإرهاب، ويطلق بموجبه سراح معتقلين من سجن صيدنايا”.

من جهته، قال مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا، غير بيدرسون، عقب اجتماعه مع وزير الخارجية والمغتربين “إن هذا العفو له آفاق، ونحن نتطلع لرؤية ما سيؤول إليه”، بيد أنّ المدافعين عن حقوق الإنسان لا يتأملون الكثير منه.

“هذا العفو الاعتباطي أحادي الجانب كلياً، ومُرتَهن بحسن نية الحكومة السورية، وهو دون المستوى المطلوب بكثير”، بحسب كيالي، مشددة على ضرورة أن “تؤدي الأمم المتحدة دوراً استباقياً أكبر في ضمان حماية المعتقلين والتأكد من الإفراج عن الناس الذين اعتقلوا تعسفياً”.  

وذكرت مشعان أنّ المرسوم هو محاولة من الحكومة السورية “لتبييض صورتها أمام المجتمع الدولي وتسويق نفسها على أنها متعاونة”.

وصيحٌ أن إطلاق سراح أي معتقلٍ يعني وضع حدٍ لعذاب إحدى العائلات، إلا أنّ عدد المُفرج عنهم لا يعدو كونه “فعلياً قطرة في دلو”، بحسب كيالي.

مقابل إطلاق سراح عدد محدود من المعتقلين، ما تزال حكومة الأسد تعتقل الناس تعسفياً، وفقاً لفضل عبد الغني، إذ في الشهر الذي سبق العفو “اعتقل الأسد 97 شخصاً، وكذلك في هذا الشهر، فهو من جهة يُطلق سراح الناس، ومن جهةٍ أخرى يضيف إلى زنازينه مدنيين جدد”.

وفي حال أوقف الأسد الاعتقالات، وأطلق سراح 500 شخص سنوياً، يعني أن الإفراج عن جميع المعتقلين يستغرق 260 سنة، بحسب عبد الغني. 

بالإضافة إلى المعطيات المستنبطة من المرسوم، هنالك دلالات معنوية جوهرية، بحسب مشعان، التي لا تستسيغ كلمة “العفو” أصلاً، لأن “العفو يوحي بأنك ارتكبت جرماً، ومن ثم هو عفا عنك، لكنّ هؤلاء المعتقلين لم يفعلوا خطأً أساساً”، كما قالت.

وفي ذلك، قالت كيالي: “التهم والعملية التي اعتُقل بها هؤلاء الناس معيبة”، مستأنفةً “أنت لا تحتاج إلى استصدار عفو لتفرج عن شخصٍ اعتُقل اعتقالاً تعسفياً، ينبغي أن تطلق سراحهم من دون سؤال”.

على النقيض من ذلك، وصف وزير الخارجية السوري، فيصل المقداد، مرسوم العفو بأنه “نقطة تحول جوهرية”، معتبراً أنه يرسخ “مفاهيم المصالحة والتسامح بشكل مستدام”.

رداً على ذلك، أشارت مشعان إلى أنه ينبغي قراءة قانون تجريم التعذيب الذي سنّه الأسد في أذار/ مارس، وكذلك مرسوم العفو في نيسان/ أبريل، في إطار الجهود التي يبذلها النظام “ليبدو بصورة أفضل”. وعزت خطواته هذه إلى الضغوط التي فرضتها مبادرة هولندا وكندا لمحاسبة الحكومة السورية أمام المحكمة الجنائية الدولية بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب.

وربما “سرّع” تحقيق الغارديان، الذي كشف مؤخراً خفايا مجزرة حي التضامن عام 2013، استصدار مرسوم العفو في محاولة لصرف الانتباه عن الحديث المتداول، بحسب مشعان. أما بالنسبة لعبد الغني، قد تكون لزيارة الأسد الأخيرة إلى الإمارات العربية المتحدة دور أيضاً كونه يسعى إلى دعم اقتصاد البلد. 

مرميون في الشوارع

مع انتشار أخبار العفو في مطلع الشهر الماضي، احتشد مئات الأشخاص في ساحات المدن السورية على أمل إيجاد ذويهم وأحبائهم بين المُفرج عنهم. هذا ولم تقم السلطات بإخطار العائلات أو نشر قوائم رسمية بأسماء المطلق سراحهم، وإنما اكتفت في بعض الحالات بسوقهم إلى مواقع مركزية، وتركتهم في الشوارع.

يرى عبد الغني انّ هذا النهج المتبع في تنفيذ المرسوم يبدو متعمداً، إذ “لا ينفك الأسد عن إهانة السوريين وإرسال رسالة مغزاها أنه ما زال مهيمناً”، ومع ذلك عاد الأمر عليه بنتائج عكسية، كونه “يدعي أنه لا يملك آلاف المعتقلين، لكن الصور تظهر آلاف العائلات المحتشدة بانتظار أفراد أسرها”.

دفعت هذه الضبابية بعض العوائل إلى سوق الابتزاز، حيث يتلقى ضباط السجون رشاوٍ مقابل وعود بإدراج أسماء ذويهم في لائحة العفو، وفقاً لكيالي، مشددة على ضرورة “وجود قوائم علنية وشفافة، وكياناً موحداً مخوِّلاً بالرد على استفسارات أفراد الأسر [بشأن ذويهم]، يجب على الحكومة السورية أن تنشر أسماء الناس المعتقلين لديها”.

وانتقدت مشعان الطريقة “اللاإنسانية” التي أُطلق فيها سراح المعتقلين، معتبرة “رؤية العائلات ينتظرون في الشوارع كان نوعاً من العذاب النفسي”، ناهيك عن أن “العفو” أعاد فتح جروحٍ قديمة لبعض أفراد عائلات قيصر، وأرجعهم إلى دوامة عدم اليقين، إذ “بدأت بعض العائلات تشكك بنفسها” بحسب مشعان.

اختفى شقيقها عقبة في عام 2012، وبعد ثلاث سنوات عثرت عليه ضمن صور قيصر، قالت مشعان، ومع أنها رأت صورته “وأعلم 100% أنها له، إلا أنني وجدت نفسي لا إرادياً أبحث عن اسمه بين أسماء المفرج عنهم”، متسائلة “عن ماذا أبحث؟”.

ظل خالد يبحث عن أخيه لأحد عشر عاماً، وما يزال العديد من السوريين ينتظرون، وحينما احتفل بخروج أخيه من السجن على صفحات التواصل الاجتماعي في هذا الشهر، تدفقت إليه آلاف الرسائل، قائلاً: “تلقيت سبعة آلاف من طلبات الرسائل على الفيسبوك تسألني إذا كان شقيقي يعلم شيئاً عن ذويهم وأحبائهم المختفين”، قالها بصوتٍ متهدج.

“كانوا يرسلون لي صوراً عن شقيق، ابنٍ، أبٍ، لأخبرهم إن كان أخي قد رآهم في السجن”.

تم نشر هذا التقرير أصلاً باللغة الإنجليزية وترجمته إلى العربية سلام الأمين