مدة القراءة: 7 دقائق | اقتصاد, الحسكة, الرقة

أزمة مياه تنذر بموسم قمح كارثي شمال شرق سوريا


بقلم ليز موفة

مايو 30, 2021

عمان- في صور تعود إلى أيار/مايو 2019، يظهر كريم كراف أبو محمد، المزارع من محافظة الرقة شمال شرق سوريا، واقفاً في أرضه وقد أحاطت به سنابل خضراء كثيفة يصل طولها إلى خصره. لكن بعد عامين، تبدو الحال وقد تغيرت كلياً كما تؤكد صور حديثة التُقطت في أرضه ذاتها. 

إذ رغم حلول موعد حصاد القمح هذه السنة، فإن حقل أبو محمد لا تفيض منه الخضرة كما قبل عامين، بل صار أرضاً قاحلة، بالكاد تغطيها بعض الأعشاب الجافة المتناثرة. 

“أتوقع أنّ حصاد هذا العام لن يبلغ سوى ثلث حصاد العام السابق”، قال أبو محمد لـ”سوريا على طول”، باثاً شكواه من شح المياه الذي أسفر عن تدمير محصوله. 

تأكيداً على ذلك، تتوقع منظمة الأغذية والزراعة (فاو) أن يكون محصول هذه السنة من القمح دون المعدل، نتيجة الجفاف الذي ضرب مناطق شمال شرق سوريا التي تعد تاريخياً سلة غذاء البلد. وبحسب وزير الزراعة في حكومة دمشق، يواجه سوريا أخطر جفافٍ منذ سبعين عاماً، مشيراً إلى عدم إمكانية زراعة نصف الأراضي البالغة مساحتها 1.5 مليون هكتار، التي كانت الوزارة تنوي زراعتها قمحاً.  

جفاف حاد

خلال فصل الشتاء الماضي، تأخر هطول الأمطار بحيث لم يبدأ حتى تشرين الثاني/ نوفمبر 2020. كما كانت معدلات الهطل المطري على مدى أشهر الفصل دون المتوسط، ما دفع “المرصد العالمي للجفاف” إلى إصدار تحذير، في نيسان/أبريل الماضي، من القحط في سوريا والعراق. وفاقم  شح الأمطار ارتفاع درجات الحرارة في الربيع، ما أثر على النباتات وهي في طور النمو، بل وفي مراحل مهمة منه. 

“رغم تكرار حصول موجات جفاف على مدى الخمسة والعشرين سنة الماضية، فإنّ موجة الجفاف الحالية من أسوأ الموجات خلال الفترة المذكورة”، قال المرصد العالمي للجفاف. 

وقد تأثرت المحافظات الشرقية التي تزود سوريا بـ80% من إنتاجها السنوي من القمح والشعير بشدة، لاسيما محافظة الحسكة. 

70 % من السكان في شمال شرق سوريا يعتمدون في معيشتهم على القطاع الزراعي (الزراعة والمواشي معاً).

ولابدّ وأن يؤثر الجفاف بشدة على إنتاج الأغذية في سوريا، كون “نحو 65% إلى 75% من المساحات المزروعة بالقمح والشعير تعتمد في ريها على الأمطار”، وفق ما ذكر لـ”سوريا على طول” سلمان بارودو، الرئيس المشترك لهيئة الاقتصاد والزراعة في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا التي يهيمن عليها الكرد. وهذه الأراضي غير المروية، وتعرف محلياً بـ”الأراضي البعل” توفر مجمل المؤونة السنوية من الطحين والعلف.

وقد “أثار هذا الوضع نوعاً من المخاوف والتوتر في أوساط الناس”، أضاف بارودو، كون 70% من السكان في شمال وشرق سوريا يعتمدون في معيشتهم على القطاع الزراعي (الزراعة والمواشي معاً).

أزمة الري

بالنسبة لأبو محمد الذي يزرع بالقمح والشعير أراضٍ بعلية مساحتها مئة هكتار، يبدو تأثير الجفاف كارثياً. لكن أماله تبخرت أيضاً في الحصول على حصاد وفير من حقوله الأخرى التي تمتد على مساحة 30 هكتاراً وتعتمد على الري.

إذ شهدت مستويات المياه في السدود الموجودة بالمنطقة انخفاضاً ملحوظاً هذا العام بسبب شح الأمطار، وكذلك انخفاض تدفق نهر الفرات من تركيا، بحيث تراجع منسوب المياه في بحيرة سد تشرين بأكثر من أربعة أمتار، وإلى ما دون معدله بخمسة أمتار في بحيرة سد الفرات (بحيرة الأسد) في الريف الغربي لمحافظة الرقة.

باتت محطات الضخ التي تخدم مشاريع الري تعمل بثلثي قدرتها التشغيلية الفعلية فقط بسبب أزمة الكهرباء.

وتلقي الإدارة الذاتية باللوم على تركيا في مسألة انخفاض منسوب تدفق الفرات من 500 متر مكعب في الثانية -والذي نصت عليه الاتفاقية المبرمة بين سوريا وتركيا- إلى 200 متر مكعب في الثانية. 

ولطالما كانت المياه موضوع خلاف بين الإدارة الذاتية وتركيا منذ تشرين الأول/أكتوبر 2019، حين سيطرت تركيا على محطة مياه علوك الرئيسة التي تخدم مدينة الحسكة، عقب هجومٍ ضد الكرد في شمال شرق سوريا. فمنذئذ، اتهمت الإدارة الذاتية تركيا باستخدام المياه سلاحاً عبر قطعها الوارد المائي لزعزعة الاستقرار في المنطقة. وهو التفسير الذي قدمته الإدارة لانخفاض تدفق نهر الفرات، رغم أن تركيا تواجه واحدة من أسوأ موجات الجفاف في تاريخها، وبما أدى إلى الإفراط في الاعتماد على مياه النهر. 

علاوة على ما سبق، خفّضت أزمة المياه من كمية المتاح في قنوات الري، كما حدّت في الوقت ذاته من إمدادات الكهرباء التي تولدها المحطات الكهرومائية في السدود. وباتت محطات الضخ التي تخدم مشاريع الري تعمل بثلثي قدرتها التشغيلية الفعلية فقط بسبب أزمة الكهرباء، بحسب ما قال خبير زراعي في حديث سابق لـ”سوريا على طول”. 

سياسات متنوعة لمواجهة مصاعب متعددة

“لم يعد المزارعون قادرون على الصمود”، وفق أبو محمد. إذ إضافة إلى أزمة المياه، “تواجهنا صعوبات عدة [أخرى] بسبب ارتفاع تكلفة العمالة وأسعار الأسمدة، وتأثير وباء فيروس كورونا الذي أدى إلى انخفاض العمالة”، بحسب ما قال مروان عيسى، المزارع من ريف القامشلي، لـ”سوريا على طول”.

ويتم استيراد المدخلات الزراعية إلى شمال شرق سوريا بتكلفة عالية بالنسبة للمزارعين، بسبب “عدم الاعتراف الدولي بالإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا”، بحسب بارودو، وبالتالي “عجزها عن إبرام اتفاقيات تجارية”.

غير أنّ المزارعين والخبراء الزراعيين الذين تواصلت معهم “سوريا على طول” أشاروا أيضاً إلى غياب دعم الإدارة الذاتية. إذ لم تتخذ الأخيرة “أيّ إجراءات لمواجهة أزمة المياه، والمزارعون الذين لديهم القدرة [على مواجهة] الجفاف باستخدام أنظمة الري بالرش نسبتهم صغيرة”، كما ذكر مدير مشروع زراعي يتبع منظمة دولية غير حكومية لـ”سوريا على طول”. 

وأضاف الخبير الذي طلب عدم ذكر اسمه، أنه لم يتم الإبلاغ عن أيّ إجراءات داعمة لحصاد هذا العام بخلاف رفع سعر شراء القمح والشعير عن العام السابق، نظراً إلى تدهور سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار.

ففي 19 أيار/مايو الحالي، أعلنت الإدارة الذاتية عن عزمها شراء الحبوب من المزارعين في موسم 2021 بـ1,150 ليرة سورية لكيلو القمح، و850 ليرة لكيلو الشعير (0.37 دولار و0.28 دولار، على التوالي، وفق سعر الصرف في السوق الموازية).

وقد جاء ذاك الإعلان بعد ساعات قليلة من إعلان آخر نصّ على إلغاء القرار رقم 119 الصادر في 17 أيار/ مايو، والذي رفعت بموجبه الإدارة الذاتية أسعار الوقود بأكثر من الضعف (من 150 ليرة إلى 400 ليرة للتر الديزل، ومن 210 ليرات إلى 410 ليرات للتر البنزين).

إلا أنّ الاحتجاجات التي وقعت في مناطق سيطرة الكرد شمال شرق سوريا، وأسفرت عن مقتل سبعة أشخاصٍ، دفعت الإدارة الذاتية إلى العدول عن القرار 119 في غضون 48 ساعة.

وكان لتنفيذ القرار أن يؤدي إلى تبعات كبيرة على محاصيل شمال شرق سوريا، نتيجة زيادة تكلفة الآليات (الجرارات) وضخ المياه. ورغم أنه يتسنى للمزارعين شراء الديزل بسعر مدعوم يبلغ 180 ليرة للتر، إلا أن محدودية الكمية المتوفرة، ستضطر كثيرين منهم إلى شراء الوقود من السوق المفتوحة.

ولمواجهة ارتفاع تكاليف الزراعة التي تفوق إيراداتها المتوقعة، أجّر العديد من المزارعين أراضيهم هذا الموسم لرعاة الماشية عوضاً عن زراعتها، بينما اتجه آخرون لزراعة محاصيل بديلة علّها تعود بأرباح أفضل. “وقد لوحظ هذا بشكل واضح في حقول الخط الزراعي الأول (مناطق عامودا، وقامشلي، والقحطانية، والجوادية، ومعبدة، وديريك). إذ قاموا بزراعة محاصيل مثل الكمون والحلبة بالإضافة إلى البقوليات كالفول والعدس”، بحسب ما روى مدير المشروع الزراعي. 

التداعيات على نظام الأسد

تُقدّر الإدارة الذاتية محصول القمح لهذا العام بنحو 450,000- 500,000 طن، بعد أن كان 850,000 طن في العام 2020، و800,000 طن في 2019. 

هنالك ارتفاع غير مسبوق في عدد من يعانون حالياً انعدام الأمن الغذائي، بحيث بلغ 12.4 مليون سوري أو نسبة 60% من تعداد السكان

وبحسب بارودو، “إذا اشترينا هذه الكمية، [مع ما نمتلكه من] مخزون احتياطي من العام الماضي، فسنتمكن من توفير البذار للمزارعين في العام المقبل وما يكفي من الدقيق للمطاحن والمخابز”.

مع ذلك ، سيكون لانخفاض حجم المحصول تداعيات مباشرة على الأمن الغذائي في سوريا التي تشهد ارتفاعاً غير مسبوق في عدد من يعانون حالياً انعدام الأمن الغذائي، بحيث بلغ 12.4 مليون سوري أو نسبة 60% من تعداد السكان، بزيادة قدرها 5.4 مليون نسمة مقارنة بأواخر العام 2019. وتتجلى تداعيات ذلك على المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، حيث تستمر أزمة الخبز في التفاقم.

ففي كل عام، تكابد حكومة دمشق لتأمين ما يكفي من إمدادات القمح، كون المناطق الرئيسة المنتجة له تقع شرق الفرات خارج مناطق سيطرتها. وفي العام الماضي، اندلعت حرب أسعار بين نظام الأسد والإدارة الذاتية التي يقودها الكرد، في مسعى منهما لاستقطاب المزارعين لبيع محصولهم. إذ رفعت الإدارة الذاتية سعر كيلوغرام القمح من 225 ليرة في نيسان/ أبريل إلى 315 ليرة في أيار/مايو من العام الماضي. رداً على ذلك، رفع النظام تسعيرته إلى 400 ليرة، فمنعت الإدارة الذاتية تصدير القمح من منطقتها.

انهيار سعر صرف الليرة وانخفاض احتياطي العملات الأجنبية والعزلة الكبيرة الناجمة عن العقوبات الدولية جعلت من النظام شريكاً تجارياً غير ذي قيمة.

وفي 12 أيار/مايو الحالي، أعلن النظام تخصيص 450 مليار ليرة لشراء القمح، بسعر 900 ليرة للكيلوغرام الواحد، من أجل تأمين 500 ألف طن (مقارنة بـ700 ألف طن العام الماضي).

وقد لا يكون هذا السعر الذي عرضه النظام والقريب من السعر الذي حددته الإدارة الذاتية، كافياً لتحفيز المزارعين للبيع للنظام. لكن حتى لو أغراهم الرقم، “[فإننا] لن نسمح بخروج أي مواد من مناطق الإدارة الذاتية”، كما شدّد بارودو. مشيراً إلى أن الإدارة الذاتية ستحظر نقل الحبوب خارج مناطقها للعام الثالث على التوالي.

في الاثناء أيضاً، يسعى النظام جاهداً إلى استيراد أيّ شيء، لا سيما القمح. إذ إن انهيار سعر صرف الليرة وانخفاض احتياطي العملات الأجنبية والعزلة الكبيرة الناجمة عن العقوبات الدولية جعلت من النظام شريكاً تجارياً غير ذي قيمة. 

ففي العام الماضي، وبعد طرح العديد من المناقصات التي باءت بالفشل، تمكنت دمشق من استيراد 675 ألف طن قمح من حليفها الروسي، بحسب موقع “سيريا ريبورت” الاقتصادي. وهذا العام، تعاقد النظام مع  روسيا على استيراد 400 ألف طن، كما يتوقع استلام 175 ألف طن ضمن العقد المبرم العام الماضي ولم تصل إلى الآن.

وعلى الرغم من هذه الإعلانات، فإن الوضع قاتم ويُخشى تفاقم مستويات العجز. وكما قال بارودو محذراً: “هذا العام ينذر بكارثة إنسانية وبيئية ستؤثر على الزراعة والثروة الحيوانية ومصايد الأسماك ، وبالتالي على الأمن الغذائي بمجمله”.

تم نشر هذا التقرير أصلاً باللغة الإنجليزية، وترجمته إلى العربية فاطمة عاشور.

آخر التقارير…