أم لولدين معتقلين تمكث في حي الوعر المدمر بعد استسلامه: لن أبرح الأرض أبداً دون أبنائي


May 3, 2017

في مظاهرة في مدينة حمص ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد، كان في الجموع المحتشدة  شاب اسمه ياسر، وكان من بين أولئك الذين اعتقلوا في أوائل عام  2013.

وعانى شقيقه، وليد (19عاماً) كثيرا بسبب اختفائه. وبتثاقل مر الوقت، ولا أخبار عن ياسر، الذي كان عمره 25عاماً آنذاك. وأنشأ وليد صفحة على الفيسبوك يبث بها غضبه من “همجية نظام الأسد ووحشيته”، وفق ما ذكرت أم ياسر لـ آلاء راتب، مراسلة في سوريا على طول.

وكان وليد في السنة الآخيرة من المرحلة الثانوية، واعتقل أثناء جلوسه في مقهى انترنت في حمص.

وماتزال والداتهما، البالغة من العمر 46 عاماً وهي أرملة، تعيش في حي الوعر في حمص وحيدة، تعلل نفسها بانتظار سماع أخبار عن أبنائها إن لم تبرح مكانها.

وعايشت أم ياسر أعنف معارك الاقتتال، ومن ضمنها مئات الغارات الجوية والحصار الخانق.

وفي السنة الماضية، منحتها المفاوضات بين قوات النظام والهيئات المعارضة في الوعر بصيص أمل، إذا تضمن الاتفاق الأولي لوقف إطلاق النار تحرير أكثر من 7300 معتقل في سجون النظام.

رسم على الجدران في حي الوعر، حمص في نيسان 2016. حقوق نشر الصورة لـ عدسة شاب حمصي.

ولكن انتهت مفاوضات الوعر بإسقاط بند تحرير السجناء في الاتفاقية الختامية التي تم التوصل إليها في أذار، بعد شهور من قصف النظام الذي دمر الحي.

والآن، ومع مغادرة جميع جيرانها على متن باصات الإخلاء، وقد توجهت الدفعة السابعة إلى إدلب شمالاً، في يوم الأحد، تتبعهم عينا أم ياسر وهم يرحلون، وتبرح هي في آخر مكان جمعها بأبنائها ومايزال يحتفظ بعبقهم وذكرياتهم. وتقول “سأبقى ولن أخرج من الوعر ابداَ بدون أبنائي”.

لماذا اخترت البقاء في الوعر وعدم الخروج؟

بقيت في الحي الذي ولدت فيه، وفي منزلي مع ذكرياتي التي تجمعني بأبنائي، فلم يبق لي سوى الذكريات الآن سواء كانت سعيدة أم حزينة، فالرحيل يعني أنني تخليت عن ولديّ المعتقليين في سجون النظام وخرجت حفاظاً على روحي.

فالبقاء في الوعر يعني الأمل للوصول إلى أي معلومة عن أبنائي، ولو بخبر أنهم مازالوا على قيد لحياة، والرحيل يعني موت الأمل في داخلي والاستسلام للواقع الذي فرض علينا.

حدثينا أكثر عن ولديك؟ وكيف اعتقلا؟

في بداية الثورة كان أبنائي يخروجون بالمظاهرات السلمية، التي تهتف ضد النظام، كنت قلقة جداً عليهم. ففي أحد المظاهرات خرج ياسر منادياً بالحرية، ولكن سرعان ما اعتقله النظام من المظاهرة، هو والعديد من الشباب الآخرين وذلك كان في بداية عام 2013.

لم يتحمل ابني الأصغر وليد اعتقال أخيه ياسر، وكان من هواة الانترنت والفيسبوك، فأنشأ صفحة على الفيس بوك ينشر فيها همجية النظام ووحشيته في المظاهرات وغيرها.

لم نتوقع بأن نهايته ستكون مثل نهاية ياسر، حيث أمسكه النظام داخل أحد مقاهي الانترنت، بعد حوالي سبعة شهور من غياب أخيه الأكبر. وفي نفس سنة 2013، وليد ابن 19 عاماً، طالب في الثانويه العامة (بكالوريا)، في السجن لأنه عبر عن رأيه من خلال صفحات الانترنت.

كونكِ أم لاثنيين من المعقليين؟ ما رأيك بالاتفاق الذي تم بين المعارضة وقوات النظام لإخلاء أهالي الوعر؟ وماذا عن إسقاط بند لطالما تمت المطالبة به وهو الإفراج عن 7300 معتقل بسجون النظام كجزء من الاتفاقية هل كان هذا منصفا لكِ ولأبناكِ؟

في الاتفاق الأول  كنت سعيدة جداً، بسبب وجود بند يخص تبيان وضع كافة معتقلي مدينة حمص، ومع خروج دفعة من المعتقلين في الاتفاق الأول، عاد الأمل إلى حياتي والابتسامة لوجهي، وأصبحت أخطط كيف سألتقي بياسرو وليد، فهذا البند كان الأمل الوحيد لأعرف ماهو وضعهم هل مازالوا على قيد الحياة أم ماذا؟.

ولكن سرعان ما تلاشت فرحتي وحل الحزن ثانيةً، عندما نقض النظام وعوده وأغلق المعابر، وعاد الحصار مرةً أخرى على الحي، وأخذ يصعد عسكرياً ويقصف الحي فلم يكن من لجنة التفاوض (المعارضة) إلا التخلي عن بند المعتقليين، وتم إعلامنا من قبل لجنة تفاوض المكلفة من الأهالي، أن بند المعتقليين تم التخلي عنه حفاظاً على أرواح المدنيين في الحي.

(تحدثت سوريا على طول في أذار مع أحد المفاوضين المعارضين في حي الوعر، وذكر أنه تم إسقاط البند بسبب “الضغط الشديد” على أهالي الوعر من خلال الحصار ووابل الغارات الجوية العنيف على الحي. وقال “كنا أمام خيارين فقط إما القصف المستمر أو التهجير، فاخترنا التهجير للحفاظ على أرواح المدنيين والأطفال”).

كان هذا التخلي قد أطفأ الأمل الوحيد الذي كنت أشعر به بأني سأجتمع مع ولديّ، فالحزن سيطر عليَ، وأصبحت أرى كل شيء أمامي أسود، ومع دخول الاتفاق حيز التنفيذ وبدء خروج أول دفعات (من الوعر) إلى جرابلس، قلت لنفسي أنني لن أنكسر ولن أفقد ثقتي بربي، وسأبقى ولن أخرج من الوعر ابداَ بدون أبنائي.

لم يكن بند التخلي منصفاً بحق المعتقليين وأهاليهم، كون الخروج من الوعر وتسليمه للنظام هو ورقة ضغط على النظام، لأنه آخر مواقع المعارضة في مدينة حمص، ولكن النظام استعمل سياسة القصف والتجويع ونقص الكثير من المواد الغذائية والطبية، حتى أنهكتنا وجعلتنا نقبل بالاتفاق حتى لو كان غير منصفاً.

هل تعتقدين أن النظام وعناصره سيساعدونك في الوصول إلى أي معلومة عن أبنائك؟

أتمنى ذلك، سأحاول أن أعرف شيئا عن أبنائي من خلال النظام، فالغريق يتمسك بقشة حتى لو كانت وهماً، ربما بقائي في ظل النظام يشفع لي عندهم ويساعدونني.

ترجمة: فاطمة عاشور

More Latest…