مدة القراءة: 5 دقائق | تقارير, دمشق, ريف دمشق

أهالي دمشق في ظل الحرب وانقطاع المياه: نعيش لنجري وراء قوت يومنا


يناير 17, 2017

خلال السنوات الماضية، تغيرت الأحاديث التي تتناهى إلى السمع في دهاليز مدرسة ابتدائية، حيث تدرس أم صهيب التي تقول “كل الذي يتردد على مسامعي ويُتداول في أزقة المدرسة، هو التذمر والغضب مما نعانيه”.

ووفق ما قالت السيدة الدمشقية التي تبلغ من العمر45عاماً، لمراسلة سوريا على طول، بهيرة الزرير، فإن انقطاع الكهرباء، وأسعار المواد الغذائية المحلقة، وشح المياه في العاصمة السورية، بسبب الاشتباكات حول النبع في وادي بردى المجاور، ترك أهالي المدينة البالغ عددهم نحو 5 ملايين نسمة أمام خيارات محدودة للعيش بحياة كريمة.

ويعيش أكثر من 80% من السوريين داخل البلد، تحت حد الفقر، وفق أحدث المعلومات التي نشرت في تقرير للأمم المتحدة في عام 2016. وتراجع معدل العمر في سوريا عشرين عاماً، بعد أن كان 75 عاماً في عام 2010، أي قبل بدء الحرب بوقت قليل ليصبح 55 عاماً في سنة 2014، وفق تقرير للمركز السوري لبحوث السياسات في دمشق في عام 2015.

إلى ذلك، قال أبو جواد (41عاماً وأب لثلاثة أطفال، يعمل موظفاً في القطاع الحكومي) “لم تعد الحياة داخل دمشق كما كانت عليه قبل الحرب، فنحن نعيش لنجري وراء تأمين قوت يومنا”.

دمشق، 15كانون الثاني. حقوق نشر الصورة لـ دمشق الآن

وبدورها، تحدثت أم صهيب عن المعاناة التي تعيشها. وقالت “أذهب دائماً بعد الساعة الرابعة لأن السعر ينخفض نوعاً ما وأقوم بشراء بقايا الخضار وهذا حال الموظفين في أغلب أحياء دمشق، وحتى رغيف الخبز صعب المنال”.

 

  • أم صهيب، سيدة دمشقية،45عاماً، معلمة في مدرسة ابتدائية، وأم لثلاثة أطفال، وتعيش في إحدى أحياء دمشق.

 

بعد مرور ستة سنوات تقريباً منذ بدء الثورة السورية، وتغير الحياة جذرياً في شتى أنحاء البلد، كيف تغير روتين حياتك خلال هذه السنين؟

أااااخ … الحمد لله رب العالمين نحن نعيش في عزلة عن العالم من حولنا، فالتطور والتقدم الذي تعيشه المجتمعات غائب بشكل نهائي عنا، بل عدنا إلى استخدام الطرق البدائية التي انقرضت عند المجتمعات المتقدمة.

كلما أذهب إلى عملي في المدرسة، كل الحديث الذي يتردد على مسامعي، ويُتداول في أزقة المدرسة، هو التذمر والغضب مما نعانيه.

فقد تأقلمنا على العيش من دون كهرباء منذ بداية الثورة في سوريا، ولكن بعد مرور سنوات من الحرب زادت أعباء المواطنين داخل دمشق. والتي تمثلت بارتفاع مستوى المعيشة في العاصمة دمشق، فالمواد الغذائية مرتفعة جداً، وعند ذهابك للسوق لشراء بعض الحاجيات من خضار وفواكه، أذهب دائماً بعد الساعة الرابعة لأن السعر ينخفض نوعاً ما وأقوم بشراء بقايا الخضار وهذا حال الموظفين في أغلب أحياء دمشق، وحتى رغيف الخبز صعب المنال وتحتاج للوقوف ساعتين كحد أدنى للحصول عليه.

وأما بالنسبة للوقود؛ فالغاز الذي استعمله للطهي نفد منذ أسبوعين، وكلما أذهب لتبديل أسطوانة الغاز، يقولون لي لا يوجد غاز. والأولوية في التبديل هي للعناصر على الحواجز وعوائلهم، ويتم بيعها لنا بسعر 5000 ليرة سوريا، و يبيعونها للعناصر بسعر الشراء 3500، ولكي أؤمن الغاز عليَ أن أدفع رشوة 500 ليرة لأحد العناصر، أي أن سعر الجرة  يصل إلى5500 ليرة.

وبما أن المازوت غير متوفر، نقوم  بجمع الكراتين والأوارق والأحذية القديمة لدينا لنشعل المدافئ.

ناهيك عن أزمة المواصلات، فهي صعبة للغاية،  فاذا أردت الذهاب إلى مكان ما، الأفضل لك أن تمشي على الأقدام لتصل أسرع، وتوفر تكلفة المواصلات وذلك بسبب الحواجز المنتشرة والتفتيش الأمني، غير مخاوفنا على أبنائنا وأنفسنا من الاعتقال، فالجميع عرضة للاعتقال.

والألبسة غالية الثمن فنحن نقوم بإعادة تدوير الملابس، ولا نستغني عن أي قطعة لأنها بالمؤكد ستلزمنا في أي شي آخر.

وأخيراً ؛ أزمة المياه التي أثقلت كاهلنا فلا حياة بدون ماء، فنحن نحرص على عدم هدر المياه والحفاظ على كل قطرة منه لقيمتها لدينا، فلا غاز للطهي، ولا مياه للجلي، وبتنا نعتمد على تعبئة المياه من الصهاريج التي وضعتها الدولة، فنقف في طابور طويل للحصول عليها، وفي أغلب الأحيان تنفد قبل وصولنا لها، فنقوم بشراء عبوة مياه للشرب، والتي كان سعرها قبل الأزمة 100 ليرة سورية، والآن بعد الأزمة أصبحت بـ250 ليرة.

ماهو شعورك اليوم في ظل كل ما تعانيه من غياب كافة المستلزمات الأساسية للحياة؟

الحياة داخل دمشق تغيرت كلياً عن ما كانت عليه في 2011، وأصبحنا نتذكر السنوات الماضية، بحسرة وندم كانت أياماً رغيدة، مقارنة بما نحن عليه الآن.

أشعر بالحزن والأسى على سوريا وما يحصل فيها، كنا نعيش حياة هادئة، فلا يوجد عائلة إلا وقد مات أحد أفرادها، أو هاجر خارج البلد. حتى الروابط الاجتماعية والعلاقات غابت معالمها مع غياب الوقت، فجميعنا منهمكون في الجري وراء تأمين المستلزمات الضرورية.

كمعلمة، كيف لاحظت التغيير على طلابك، منذ بداية الحرب، وهل هناك طالب معين، ما يزال يترك انطباعاً مختلفاً في ذاكرتك؟

التغيير الذي لاحظته هو أن الحالة النفسية للطلاب سيئة جداً، فالطفل مشتت التفكير بما يجري حوله؛ من سماعه لأصوات القصف من المناطق المحيطة بدمشق، بالإضافة لانتشار عناصر الأمن الذين يحملون السلاح في الطرقات.

نعم، كان هناك طفل في الصف الثالث الإبتدائي، ومازال جوابه في ذاكرتي، فعندما سألت الطلاب عندما تكبرون ماذا ستصبحون في المستقبل كان رده عندما أكبر سأقتل داعش لأنها دمرت البلد.

دمشق، 10كانون الأول. حقوق نشر الصورة لـ دمشق الآن

 

  • أبو جواد، البالغ من العمر 41، متزوج ولديه 3 أبناء، موظف إداري، في مؤسسة حكومية.

 

 أيامنا باتت صعبة للغاية، وكل شيء أصبح صعب المنال بسبب قلة توفره وصعوبة الحصول عليه، فتبدأ معاناتي مع الحواجز الأمنية، وتقنين الكهرباء، وغلاء أسعار المواد الغذائية، عدم توفر المحروقات للتدفئة نهايةً بانقطاع المياه. كل شيء بات تأمينه شبه مستحيل في هذه الظروف.

لقد مللت الحياة، لدي عائلة وأنا معيلها الوحيد، ومن واجبي وأنا رب أسرة، تأمين المستلزمات اليومية لعائلتي، وكثيراً ما أقف عاجزاً أمام  توفيرها.

فلم تعد الحياة داخل دمشق كما كانت عليه قبل الحرب، فنحن نعيش على الجري وراء تأمين قوت يومنا والمستلزمات الأساسية لمعيشتنا، راتبي 20 ألفا، ولا يكفي لشيء، والعديد من الأطعمة غابت عن موائدنا بالحرب.

فبعد عام واحد من الثورة، بدأت نتائج الثورة تتجلى وتنعكس على الحياة في دمشق. ففي عام 2012 بدأ النظام بقطع الكهرباء عنا، والآن بعد مرور سنوات على الثورة السورية والحرب، بات يومنا ظلاماً، وما زاد من معاناتنا انقطاع المياه فمنذ 15 يوماً أطفالي لم يستحموا، وأصبح الخوف من الالتحاق بالجيش، هاجساً يعيق حياتنا اليومية. الحياة بكل ما فيها صعبة في دمشق، ولا يوجد أي شيء سهل.

ونحن على أمل بتحسن الوضع وانتهاء الحرب، وأن تعود سوريا كما كانت عليه، آمنة، ويتوفر فيها كل مستلزمات الحياة الأساسية بأقرب وقت ممكن.

الأمل بإنهاء الحرب هو ما يبقينا صامدين في وجه الضغوطات.

ألم تفكر بالخروج من دمشق إلى دول الجوار أو إلى مناطق المعارضة؟ وماهي الحلول أمامك كمدني؟

الوطن غال رغم كل الضغوطات حتى لو كانت الحرب، وأعتبر نفسي أقيم بإحدى المخيمات التي لا تتوفر فيها مستلزمات الحياة الأساسية.

ولا يوجد أمامي أي حل سوى التكيّف مع الوضع الجديد.

ترجمة: فاطمة عاشور

آخر التقارير…