“إثبات الوفاة”: معاناة مستمرة تلاحق قتلى في الحرب السورية وتؤرق حياة من بقي بعدهم


أبريل 4, 2017

تسبب الرصاص الطائش الذي أصاب زوج أم حارث، وهو مهندس يعمل في القطاع الحكومي، بمقتله على الفور. كان ذلك في كانون الثاني 2013، وفي تلك الأثناء كان الجيش السوري الحر يحارب قوات النظام من أجل السيطرة على الأحياء الواقعة شمال شرق العاصمة.

ترك الزوج وراءه زوجته، ذات الـ24 عاما، وأطفالهما الأربعة. وبسبب المعارك، دفنت العائلة الزوج في مقبرة قريبة، وانتقلت مع أقاربها إلى منطقة جنوب شرق دمشق، خاضعة لسيطرة النظام.

وبعد أكثر من أربع سنوات، لا تملك أم حارث شهادة وفاة رسمية لزوجها، حتى الآن.

وتمنح الحكومة السورية تعويضا ماديا لأقارب قتلى الجيش السوري وموظفي القطاع الحكومي، من الدرجة الأولى، كضمان اجتماعي في بلد لا تتعدى نسبة النساء المشاركات في سوق العمل 14%. ومن خلال شهادة وفاة الزوج، يصبح بمقدور أم حارث وغيرها من الأرامل العاطلات عن العمل الحصول على التعويض الحكومي وإطعام أطفالهن وإرسالهم إلى المدرسة وعيش حياة كريمة دون عوز أو حاجة.

 شهادة وفاة زوج أم حارث الصادرة عن المؤسسة السورية للتوثيق والنشر في إربد، الأردن. تصوير: أم حارث.

إلا أن الاستجواب والتدقيق الأمني من قبل السلطات الحكومية في مكتب النفوس حال دون مواصلة أم حارث لإجراءات الحصول على شهادة الوفاة.

وقتل زوج أم حارث بينما كان عائدا من العمل إلى منزله، أثناء تبادل لإطلاق النار بالقرب من بلدته، وفقا لما تقوله أم حارث لريهام توهان، مراسلة سوريا على طول، من عمان، حيث تعيش منذ عام 2014. وتقول أنها كانت تخشى إخبار السلطات بكيفية موت زوجها “خوفاً من اتهامه بالانضمام إلى قوات المعارضة أو مساعدتها”.

وبعد مرور سنوات على وفاته، ما الذي يعنيه عدم الحصول على شهادة وفاة صادرة عن الحكومة السورية؟ لا تستطيع أم حارث إثبات أنها أرملة.

واليوم، تعيش هي وأطفالها في فقر، كلاجئين في الأردن. حيث تقدمت بطلب لإعادة التوطين في الولايات المتحدة، ولكن عدم وجود إثبات رسمي على وفاة زوجها، كان سببا في رفض طلبها. وكغيرها من الكثير من السوريين الذين لا يملكون إثباتات رسمية لوضعهم العائلي، تعيش أم حارث حياتها دون هدف محدد.

ما هي الإجراءات التي قمتِ بها  للحصول على شهادة الوفاة؟ وما الذي جعلك تتوقفين عن إتمام الإجراءات؟

بعد أربعة أشهر من وفاة زوجي، ذهبت إلى دائرة النفوس لاستصدار شهادة وفاة لزوجي، إلا أن التدقيق الأمني والخوف من الاعتقال حال دون ذلك في نهاية الأمر.

بدأوا (الضباط) باستجوابي عن أسباب وملابسات وفاة زوجي، ومن شدة خوفي من أن أذكر أنه توفي بسبب الاشتباكات (في حينا)، خوفاً من اتهامه بالانضمام إلى قوات المعارضة أو مساعدتها،  أخبرتهم بأن زوجي توفي بسبب نوبة قلبية.

 طلبوا مني تقريرا طبيا يثبت صحة كلامي، لم أكن أملك تقريراً طبياً، ولو كنت أملك واحداً فسوف يكون من أحد الأطباء في مناطق المعارضة، ولن يعترف به وربما يعرض الطبيب للاعتقال.

بعد ذلك جاؤوا إلى المنطقة التي كنت أسكن فيها، واستدلوا على بيتي من “العواينية”، وبدأوا يسألون عنا بحسب ما نقله لي جيراني هناك.

ومنذ ذلك الوقت، لم أحاول مراجعة دائرة النفوس، خوفاً على نفسي وأولادي وبناءً على طلب والد زوجي، خوفاً على أولاده من الحواجز والملاحقات الأمنية.

كم كان راتب زوجك؟ وكم كانت قيمة التعويض والراتب التقاعدي الذي ستحصلين عليه لو أنك أثبت وفاته؟

كان راتب زوجي 20 ألفا (93 دولارا)، بالإضافة إلى عمله الإضافي يوم السبت فيصل راتبه إلى 28 ألف ليرة (130 دولارا).

كان من المفترض أن أحصل على تعويض وفاة لمرة واحدة بعد وفاته، يقدر ب 150 ألفا (700 دولار) في ذلك الوقت، بالإضافة الى راتب تقاعدي يصل إلى 30 ألف ليرة (140 دولارا)، بعد الزيادات في الرواتب خلال الأربع سنوات بالمراسيم الرئاسية.

مع عدم وجود المال، كيف استطعت تدبر أمورك وأمور أطفالك خلال هذه المدة؟ ما الذي كنت مضطرة للتخلي عنه في هذا الوقت؟

كانت أموري المادية تزداد سوءاً كل يوم، خصوصاً مع ارتفاع الأسعار ووجود أطفال يحتاجون لكل شيء، مما اضطرني في البداية للعمل مُدرّسة في إحدى المدارس بالوكالة، (يعني حسب الشاغر الموجود في المدرسة وليس كموظفة دائمة).

 كنت أتقاضى 36 ألف ليرة (168 دولارا)، ونستلم الراتب كل فصل يعني كل ثلاث شهور، لكن لم يكن هذا العمل دائماً.

كنت أسكن مع عائلة زوجي لعدم قدرتي على السكن بمفردي، لأنني لا أملك أجار البيت، وفي بعض الأحيان كان يساعدني والد زوجي في بعض حاجيات أطفالي حسب استطاعته.

 مقبرة دوما، تشرين الثاني، 2016. تصوير: عبد الدوماني.

في عام 2014، قررتِ مغادرة البلد والتوجه إلى الأردن بسبب وضعك المادي، كيف أثر عدم وجود شهادة وفاة صادرة عن الحكومة على حياتك في الأردن؟

عندما علمت استحالة الحصول على راتب زوجي التقاعدي، ومعاناة استمرت لسنة تقريباً في البحث عن عمل يعيلني وأطفالي، أُنهكت قواي بالكامل، وبدأ اليأس من تحسن وضعي المادي يتسلل إلى نفسي.

عندها فكرت باللجوء إلى الأردن بسبب ضيق الأحوال المادية والتخوف الدائم من الاعتقال.

لو أنني استطعت تثبيت وفاة زوجي، لما غادرت بلدي، كنت سأصبر وأعيش ولو بما يسد حاجة أطفالي، هناك تركت في كل زاوية ذكريات وحنين، في بلد لا يرتاح فيها حتى الأموات.

حالياً أتدبر أمري من خلال تسجيلي بمفوضية الأمم المتحدة، وأتقاضى منها مبلغ 125دينارا بصمة عين، مما يضمن لي استئجار منزل صغير، كما تقدم المفوضية لنا كوبونات غذائية لا بأس بها، وتعليم أطفالي في المدارس الحكومية مجاني، وهناك بعض الجمعيات الخيرية تساعدنا بأشياء بسيطة.

كما أنني أقوم بإعطاء الطلاب في المرحلة الابتدائية دروساً خصوصية، على اعتبار أنني خريجة أدب عربي من جامعة دمشق، وعندي مقدرة على ذلك، وهذا يؤمن لي مردوداً مادياً لا بأس به والحمد لله.

ولكن هناك منظمات لا أستطيع التسجيل فيها لأني لم أتمكن من تقديم دليل رسمي على وفاة زوجي.

في نهاية الأمر لم يكن لدي خيار سوى الذهاب إلى المؤسسة السورية للتوثيق والنشر في إربد، الأردن. حصلت على شهادة وفاة. وعلى الرغم من ذلك، عندما قررت التقدم بطلب لإعادة التوطين في الولايات المتحدة، العام الماضي، تم إغلاق ملفي لأنني لا أملك شهادة وفاة صادرة عن الحكومة السورية، داخل سوريا.

وكانوا بحاجة دليل على أنني أرملة، وأن لي الحق في حضانة أطفالي، ولكن شهادة الوفاة التي حصلت عليها لم تكن كافية.

ماهي خططك المستقبلية؟

صراحة لا أريد البقاء في الأردن، فالحياة هنا شبه معدومة لنا، نعيش فيها لنأكل ونشرب ونتنفس فقط، وليس لنا أي مستقبل مهني فيها، ولا لأولادنا، ننتظر الجمعيات والمنظمات لتقدم لنا بعض المعونات. وفي نفس الوقت لا أستطيع العودة إلى سوريا، فلم يبق لي أحد، والأوضاع من أسوء لأسوأ، لكن حاليا أفكر بالهجرة إلى أوروبا، ولكن أكيد بعد حصولي على ورقة ثتبت وفاة زوجي، فقد راجعت المفوضية بخصوص هذا الأمر، وأخذوا لي موعدا مع محامي المفوضية، عندها سأتمكن من الحصول على حجة أرملة وحجة حضانة لأولادي.

ما الذي تشعرين به عندما تفكرين بفقدانك لزوجك والمعاناة التي مررت بها؟

تسأليني عن شعوري، ونحن في زمن مجرد ورقة تثبت أني أرملة، لا أملكها، أشعر بالنقم والحقد على هكذا نظام حرمنا من أبسط حقوقنا، وكان سبب في عذابنا وضياع مستقبل أطفالنا، حتى الشهادات التي نحصل عليها من قبل المعارضة، غير معترف بها قانونا، فهذه الحرب  جرت علينا الويلات، وأكلت الأخضر واليابس.

ترجمة: سما محمد

آخر التقارير…