مدة القراءة: 7 دقائق | تقارير, شتات ومهجر

“إنها البداية وليست النهاية”: ما هي احتمالات عودة النازحين داخلياً في سوريا؟


سبتمبر 26, 2018

فرار السوريون من منازلهم في إدلب في 6 ايلول. تصوير: عارف وتد.

في الفترة التي استعادت فيها الحكومة السورية سيطرتها تدريجياً على غالبية البلاد، دعا المسؤولون مراراً وتكراراً اللاجئين والنازحين للعودة إلى “أحضان الحكومة”. 

وبينما بدأ النازحون في بعض أجزاء البلاد فعلياً بالعودة إلى منازلهم في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، إلا أن حالات النزوح في أماكن أخرى لم تتوقف. ووفقاً لتقديرات الأمم المتحدة كان قد نزح مايقارب 40 ألف شخصاً في جميع أنحاء محافظة إدلب في هذا الشهر وحده، وسط مخاوف واسعة النطاق من شن هجوم شامل تابع للحكومة تم تعليقه في الوقت الراهن

وخلافاً للاجئين، الذين عبروا الحدود إلى بلد آخر بحثاً عن الأمان، تبقى حماية النازحين هي مسؤولية الحكومة. 

أما في حالة سوريا، فإن الحكومة تفتقر القدرة على ضمان حماية 6.8 مليون نازحاً داخل حدودها. كما أنها استخدمت إسلوب التهجير كتكتيك لاستعادة الجيوب التي تسيطر عليها المعارضة في جميع أنحاء البلاد، وذلك من خلال فرض الحصار والقصف اللذان وضعا المعارضة في نهاية المطاف أمام خيارين فقط، إما المصالحة مع الحكومة السورية أو صعود حافلات الحكومة الخضراء والتوجه إلى مناطق المعارضة شمال غرب سوريا. 

وتشرح إيرين موني، وهي باحثة ومستشارة سياسية في المفوضية مختصة بشؤون النازحين، في مقابلتها هذه مع سوريا على طول بعض التحديات الرئيسية لإيجاد حلول مستدامة للنازحين في جميع أنحاء العالم. 

وعلى الرغم من مرور 20 عاماً على تبني الأمم المتحدة لـ “المبادئ التوجيهية المتعلقة بالنزوح” – وهي قائمة تضم 30 مبدئاً توجيهاً يحدد حقوق النازحين ويحدد من هو المسؤول عن حمايتهم- إلا أنه لا يزال هناك “ثغرات كثيرة” في الاستجابة الوطنية والدولية لحماية حقوق النازحين، بحسب الموني. 

وتشمل التحديات الرئيسية ضمان السكن والأرض وحقوق الملكية للنازحين العائدين، وفقاً لما أكدته الموني لمراسلة سوريا على طول أليس المالح، معتمدة على 25 عامًا من الخبرة في العمل في مجال النزوح. 

وبينما تتحدث الدول المجاورة بشكل متزايد عن عودة اللاجئين السوريين من خارج البلاد رغم المخاطر والعوائق العديدة، إلا أن الأمور غالباً ما تكون معقدة بنفس القدر بالنسبة للنازحين السوريين. 

وأوضحت الموني أنه “في كثير من الأحيان بمجرد انتهاء النزاع أو انتهاء الحرب يعود الناس، والعودة بحد ذاتها تمثل حلاً، [لكن] هذا عادة ما تكون البداية وليست النهاية لحل مشاكل النزوح”. 

ما هي التحديات الرئيسية لحماية النازحين مقارنة باللاجئين خارج البلاد؟

إن الأشخاص النازحين لا يزالون داخل دولتهم، أي أن الدولة تتحمل المسؤولية الأساسية لحمايتهم وغيرهم من المواطنين الموجودين على أراضيها. وهذا يعني أن الحماية تعتمد على قدرات الحكومة على معالجة مشكلة النزوح. 

قد تكون هناك أيضاً مناطق خارجة عن سيطرة الحكومة، وهو ما يحدث غالباً في النزاعات المسلحة الداخلية. 

ومن ثم هناك تحديات الإرادة السياسية. يجب أن تكون الإرادة السياسية موجودة لتوفير الحماية الكافية للنازحين. ففي العديد من البلدان في العالم يمكن أن تشكل الإرادة السياسية تحديًا، لا سيما عندما تكون الحكومة طرفًا في هذا الصراع، وبالطبع هناك اختلاف في كل سياق، [لكن] غالبًا ما يكون مزيجًا من كل هذه الأشياء: القدرة والإرادة. 

مرت 20 سنة على تبني الأمم المتحدة للمبادئ التوجيهية حول النزوح الداخلي. ولكن إلى أي مدى وصلنا منذ ذلك الحين، من حيث ضمان حماية النازحين داخلياً؟

من الصعب التفاؤل وبشكل خاص بعد أن ازداد حجم النزوح على الصعيد العالمي بشكل كبير خلال العشرين سنة الماضية. ولكن على الرغم من تفاقم حجم المشكلة، إلا أن هناك تطوران يشيران إلى أنه تم إحراز تقدم.

في أوائل التسعينات، كانت مفاهيم سيادة الدولة تعني أن نزوح الناس داخل بلدانهم لا يزال ينظر إليه باعتباره مسألة داخلية بحتة للدولة. ومسألة السيادة كانت تقريبا حاجزا للتدقيق الدولي. 

ومع ذلك، ومع نهاية الحرب الباردة وتغير المفاهيم المتعلقة بمفهوم السيادة، يُنظر الآن إلى النزوح على أنه مسألة تثير قلقاً دولياً مشروعاً- خاصة في الحالات التي تكون فيها الدولة غير راغبة أو غير قادرة على الوفاء بمسؤولياتها لحماية سكانها والحفاظ على رفاهيتهم وسلامتهم.

هذا تقدم معرفي كبير. ولكن بالرغم من أن هذه الخطوات هي في الاتجاه الصحيح، إلا أننا لم نصل إلى هناك حتى الآن. حتى مع هذه التحسينات على مدى العشرين سنة الماضية، لا تزال هناك فجوات هائلة في الاستجابات الوطنية والدولية لضمان أن تكون الحقوق المنصوص عليها في المبادئ التوجيهية واقعية.

 

أطفال نازحون في مخيم أطمة في شمال إدلب في أيلول. تصوير مالك أبو عبيدة لسوريا على طول. 

هناك مجموعة من المبادئ التوجيهية تثبت أن مسؤولية حماية النازحين تقع على عاتق الحكومة، ولكن إذا كانت الحكومة غير راغبة أو غير قادرة على تأمين حقوق النازحين، وهذا هو الحال في سوريا، إذن ما هو المبدأ الذي يجب على المجتمع الدولي التدخل فيه؟

تستند هذه المبادئ إلى الالتزامات القائمة في القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي. لذلك، لا يتعلق الأمر بقوانين جديدة أو أي نوع من أنواع التحدي القانوني، بل بالتنفيذ. 

وتشير المبادئ التوجيهية إلى أن المسؤولية الأساسية عن النزوح تقع على عاتق السلطات الوطنية، ولكن في الحالات التي تكون فيها غير راغبة أو غير قادرة على الوفاء بهذه المسؤولية، هناك دور للجهات الفاعلة الدولية لتقديم المساعدة ومحاولة ضمان استجابة سريعة. ومن المهم ضمان توفير الدعم إذا كانت هناك قدرة غير متوافرة. ولكن هناك أيضاً دوراً رئيسياً للدعوة والمساءلة [و] الرصد. 

في بحثك، تؤكدين على أهمية ليس فقط على تصنيف النازحين كفئة تثير القلق ولكن أيضًا على تحديد الوقت الذي ينتهي فيه نزوحهم. لماذا هذا مهم؟

باعتبار أن النازحين هم مواطنون أو مقيمون بصفة اعتيادية في بلدهم، لا نحتاج إلى إنشاء فئة قانونية رسمية كما نفعل في حالة اللاجئين الذين يحتاجون إلى وضع قانوني ليتم تنظيمهم في دولة أخرى. 

إن الهدف من توجيه الانتباه إلى الأشخاص النازحين باعتبارهم فئة مثيرة للقلق وليسوا مجرد فئة قانونية، ليس لأنهم سيحصلون على جميع الحقوق نفسها التي يتمتع بها المواطنون الآخرون أو المقيمون المعتادون في البلد، ولكن للتأكد من أن هناك اهتمام خاص لمعرفة احتياجات النازحين.

ومهما تكن أسباب النزوح، فإنه يخلق احتياجات معينة: كفقدان المأوى، وسبل العيش، والتشتت الأسري، وفقدان الوثائق. وتظهر هذه الاحتياجات مرارا وتكرارا في حالات النزوح، ولن تتم بالضرورة ملاحظتها إذا نظرت إلى مسألة حماية المدنيين.

مثال آخر، هو أنه حتى فعل التهجير القسري يمكن أن يكون جريمة في القانون الدولي إذا كان نزوحا متعمدا حيث يعتبر تعسفا. لذا فإن مجرد النزوح في بعض الحالات يمكن أن يكون جريمة.

ونظرا لوجود حاجة للحماية والمساعدة تستحق الاهتمام، فمن الضروري ضمان معالجة هذه الأمور، قبل الالتفات إلى أمور أخرى بعيدا عن النزوح.

وغالبا ما تكون هناك افتراضات أنه بمجرد انتهاء النزاع أو الحرب، سوف يعود المواطنون. أو أن العودة بحد ذاتها تمثل حلا. وعادة ما تكون هذه بداية، وليست نهاية حل مشكلة النزوح.

من بين التحديات التي تواجه العائدين إلى سوريا هو أن العائلات تعود في بعض الأحيان إلى منازلها التي يسكنها أشخاص آخرون. علاوة على ذلك، تم تهجير معظم النازحين بشكل متكرر، من مكان إلى آخر، مما يعني أن الملكية قد تغيرت بشكل متكرر أيضا. كل هذا يمكن أن يجعل عودة السوريين النازحين تبدو وكأنها مهمة لا يمكن التغلب عليها، أليس كذلك؟

يجب أن يكون رد الممتلكات لأصحابها جزء لا يتجزأ من أي حل أو اتفاقية سلام، لأنه ما لم تتم معالجة هذا الأمر بفعالية، يمكن أن تكون مشاكل الملكية مصدرا جديداً للنزاع- أو مصدرا جديدا للنزوح والانتهاكات.

إن عودة الناس إلى ممتلكاتهم تصبح تحديا كبيرا عندما يضع أشخاص آخرون يدهم على العقار: سواء تم تقديم الممتلكات كمكافأة، على سبيل المثال، لبعض الجهات المسلحة؛ أو إذا كان الأشخاص الجدد الذين وضعوا أيديهم على العقار هم نازحون أيضا من مناطق أخرى.

هاتان الحالتان تتطلبان نهجا مختلفا جدا. لأنه إذا كان النازحون الجدد هم أشخاص فقدوا منازلهم، فإن العقار يشكل بالنسبة لهم مأوى مؤقتا، ويجب اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنحهم مكانا للإقامة قبل أن يتم إجلاؤهم ويمكن للمالكين الأصليين العودة للعيش في بيوتهم (العقار).

في البوسنة على سبيل المثال، حل قضايا استعادة الملكية لعائلة واحدة يتطلب في كثير من الأحيان حلول إسكان ثانوية للأسر الأخرى، مما يضاعف المشكلة بحيث يجب حل مشكلة جميع الأشخاص الذين تأثروا بذلك. إنه أمر معقد.

عندما غادرت البوسنة قبل بضع سنوات، كان هناك معدل استرداد ملكية بنسبة 98 ٪.

[لم يتسن لسوريا على طول التأكد من هذا الرقم بشكل مستقل].

لذا فإن عودة الناس ليست مستحيلة، لكن الأمر يتطلب بعض الوقت، والاستثمار، وقدرا كبيرا من استعراض المشكلات القانونية لإيجاد حلول للأشخاص المتضررين في جميع مراحل العملية. ويستلزم الأمر مشاركة المجتمع الدولي، سواء في توفير الخبرة التقنية أو في مراقبة العملية للتأكد من حدوثها بالطريقة الصحيحة.

نأمل أن تستعين سوريا بالأمثلة والدروس المستفادة من تجارب أخرى- البوسنة وكوسوفو والعراق على وجه الخصوص- وأن تأخذ من هذه التجارب ما يلائم وضعها الخاص.

بالنظر إلى التعقيدات التي تنطوي عليها عملية رد الممتلكات، هل يعد ذلك بالضرورة الحل الأكثر استدامة؟ ما هي الخيارات الأخرى المتاحة للنازحين؟

النقطة الأساسية هي رؤية ما يريده النازحون أنفسهم. ويستطيع النازحون الاختيار من بين عدد قليل من الحلول المتاحة.

الأول هو أن يعودوا إلى مكان إقامتهم الأصلي. والآخر هو الاندماج ضمن المنطقة التي كانوا يعيشون فيها أثناء نزوحهم- وآخرهم هو إعادة توطينهم في جزء آخر من البلاد.

من حقهم أن يختاروا بين هذه الحلول، وهو حق أكدته المبادئ التوجيهية للنزوح الداخلي. ويجب حماية هذا اﻟﺣق، ويحتاج النازحون إلى معرفة أنه سيتم تقديم الدعم لهم في أي حل يختارونه.

وغالبا ما تكون العودة هي الحل المفضل، أو على الأقل يفترض أنها الحل المفضل. المهم هو أن العودة يجب أن تكون طوعية. لا يمكن أن يكون هناك إجبار على الإعادة القسرية للنازحين أو اللاجئين. وهذا مخالف للقانون الدولي ومبدأ عدم الإعادة القسرية، الذي يحظر العودة إلى أي مكان يتعرض فيه الناس للخطر أو يتعرضون لانتهاكات الحقوق.

وترتبط فكرة الطوعية هذه بأن أي قرار يجب أن يكون قرارا نابعا عن تفكير منطقي. هذا هو معيار الطوعية. يحتاج النازحون واللاجئون إلى الحصول على معلومات دقيقة وموضوعية حول الوضع في منطقة العودة المحتملة. ما هي الظروف التي سيعودون إليها؟ كيف سيتم تنظيم العودة؟ ما هو نوع الدعم الذي يمكن أن يتوقعوا الحصول عليه في هذا المجال؟ إلى أي مدى تمت إعادة إنشاء الخدمات الأساسية؟

لا يوجد حلول بالجملة. يجب أن تستند العودة، أو أي حل يختاره النازحون، إلى التقييم الفردي. بالإضافة إلى ذلك، يجب دعم أي حل من خلال ضمان الشروط الأساسية: السلامة، توفر سبل العيش، توفر الخدمات الأساسية، العدالة والمصالحة. وجميع الأشياء التي تتطلب استثمارات ومراقبة مستقلة طويلة الأمد لضمان حصول النازحين على حلول دائمة.

 

هذه المقابلة هي جزء من تغطية سوريا على طول لأوضاع النازحين في سوريا بالتعاون مع منظمة كونراد أديناور والمراسلين على الأرض في سوريا. اقرأ تقريرنا التمهيدي هنا.

 

 

آخر التقارير…