مدة القراءة: 5 دقائق | الرقة, تقارير, سياسة

استهداف حراس الدين القاعدة الروسية في الرقة: صيد في مستنقع الخلافات


يناير 5, 2021

عمّان – في ما مثل سابقة، استهدفت سيارة مفخخة، يوم الخميس الماضي، قاعدة عسكرية روسية في قرية تل السمن الواقعة ضمن مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) شمال محافظة الرقة. لكن الملفت أكثر من الاستهداف كان تبني تنظيم حراس الدين العملية تحت مسمى “غزوة العسرة”، ما أعاد التنظيم الذي يتواجد عناصره شمال غرب سوريا إلى الواجهة. 

إذ أعلن التنظيم، في بيان له نشر على وسائل التواصل الاجتماعي، مسؤوليته عن العملية، من دون إيراد أي تفاصيل أخرى. وفيما ما تزال روسيا تلتزم الصمت إزاء العملية، ذكرت وسائل إعلام محلية معارضة أن الهجوم أسفر عن مقتل وإصابة عدد من الجنود الروس المتواجدين في القاعدة.

رسالة بأبعاد متعددة

حملت عملية “تل السمن” على الرغم من محدوديتها رسائل كبيرة في طياتها، لاسيما وأنها أول عملية لـ”حراس الدين” خارج مناطق تواجده الرئيسة في ريف إدلب. كما إنها تأتي دليلاً على فشل أبو محمد الجولاني قائد هيئة تحرير الشام في شل حركة ووقف نمو الجماعات الجهادية التي تتواجد في مناطق سيطرته شمال غرب سوريا.

وحراس الدين هو تنظيم جهادي منشق عن هيئة تحرير الشام، بعد رفض قادته فك ارتباط “الهيئة” بتنظيم القاعدة الذي صار “حراس الدين” فرعاً له في سوريا. وهو مدرج على اللائحة الأميركية للتنظيمات الإرهابية، كما استهدف الطيران الأميركي العديد من قادة التنظيم المتمركزين في ريفي إدلب الغربي واللاذقية الشمالي.

ووفقاً للباحث السوري المتخصص في شؤون الحركات الدينية والجهادية، عرابي عبد الحي عرابي، فإن للعملية أبعاداً سياسية وعسكرية وأمنية. وتتمثل الأمنية في “قدرة التنظيم على اختراق مناطق “قسد” من دون اكتشاف الخلايا مسبقاً”. بينما على الصعيد العسكري، ورغم أن العملية “كانت العملية شبه رمزية، وليست مؤثرة، فإنها تعد بداية لمرحلة جديدة”. فيما يظهر البعد السياسي في “خلط الأوراق ضد تحرير الشام، بعد فشل الأخيرة في وقف نشاط حراس الدين”.

ومنذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في شمال غرب سوريا، في آذار/مارس الماضي، بين روسيا وتركيا، بدأت “تحرير الشام” في لعب دور أكبر كقوة محلية على الأرض تنفذ الاتفاق بشكل غير معلن. إذ لعبت دور رئيساً في ملاحقة الفصائل والتنظيمات الجهادية خصوصاً وشلّها والحد من فاعليتها، إلى حد منعها مبادرات الاندماج بين الفصائل الجهادية الصغيرة خارج عباءتها، ومن ضمن ذلك منع اندماج حراس الدين مع فصائل جهادية أخرى في غرفة عمليات “فاثبتوا”، في حزيران/يونيو الماضي.

وعدا عن أن عملية “تل السمن” تؤكد فشل “تحرير الشام” في تحقيق هدفها بشل فاعلية حراس الدين، فإن العملية قد تكون بداية لعمليات أخرى تستهدف أطراف الصراع خارج مناطق المعارضة شمال غرب سوريا، كما أكد الباحث عرابي في حديثه لـ”سوريا على طول”، بجيث لم يستبعد حتى أن “نرى مثلاً عمليات قريباً في درعا”.

في هذا السياق، أوضح عرابي أن “حراس الدين منذ زمن طويل لديه خلايا نائمة، وهي سياسته كما كل التنظيمات الجهادية التي لديها خلايا خلف خطوط العدو للتنسيق المستقبلي”، ضمن ما يعرف بـ”جهاد المستضعفين أو جهاد النكاية، والذي لا يكون الهدف فيه التمكين أو الوصول إلى مكاسب استراتيجية، إنما النكاية والانتقام”.

في الوقت ذاته، تشير عملية تل السمن، حسب الخبير الأردني في شؤون الجماعات الإسلامية حسن أبو هنية، إلى حصول “تطور في بنية حراس الدين، ونشاطه بعد فترة من الخلافات على النفوذ والسلطة مع تحرير الشام، كان التنظيم منشغلاً خلالها بترتيب صفوفه”. وهو ما يعني، كما أضاف أبو هنية لـ”سوريا على طول”، إلى أن “التنظيم بدأ يستقر ويتخذ قرارات على المستوى الاستراتيجي باختيار طبيعة الأهداف ونمط العمليات الانتحارية”.

تغير الاستراتيجية: بين إيران و”داعش”

“عملية استهداف حراس الدين لقاعدة عسكرية روسية يعد تغيراً في أولويات التنظيم، الذي كان يركز بشكل أكبر على قوات النظام ومحاربة الأميركيين، بينما الآن يتوجه للروس بشكل واضح وصريح”، برأي أبو هنية. وهو ما يعني أن “الأمر قد يكون مرتبطاً بتوتر العلاقات الروسية الإيرانية”، مستدلاً على ذلك بأن “حراس الدين كما نعرف مرتبط بتنظيم القاعدة، وتحديداً بقيادة [المصري] سيف العدل، أحد قيادات تنظيم القاعدة الموجودين في إيران”. لذا قد يكون هناك، كما ذهب أبو هنية “تشجيع أو تسهيل إيراني لحراس الدين لضرب الروس”.

يضاف إلى ذلك احتمالية وجود تنسيق بين حراس الدين وتنظيم “داعش”، بما في ذلك نقل عناصر ومقاتلي الأول إلى خارج مناطق وجوده المعروفة. يعزز ذلك وجود علاقات سابقة بين مقاتلي التنظيمين نتيجة قتالهم سابقاً في نفس التنظيمات، بحسب أبو هنية، مستدلاً على ذلك في أن “المسافات الطويلة بين مناطق تواجد حراس الدين غرب إدلب ومكان تنفيذ العملية في الرقة يدل على وجود تعاون وتنسيق مع داعش لأجل الوصول لمكان الاستهداف”. لكن هكذا تنسيق، كما استدرك أبو هنية، “ليس بالضرورة بين التنظيمين بشكل كامل، بل ربما هناك أجنحة داخل حراس الدين تقوم بنوع من التنسيق العملياتي واللوجستي في هذه المناطق”. 

تقويض “تحرير الشام”

إضافة إلى هدف “إحراج تحرير الشام”، بحسب أبو هنية، من خلال إظهار “أنها ليست قادرة على السيطرة على هذه الفصائل، ما يضعف الجولاني ومكانته، بعد أن حاول أن يصدر نفسه أنه الرجل العسكري والسياسي والأمني المتحكم في المنطقة”، يبرز في السياق نفسه هدف “دفع أو تعجيل عملية اجتياح شمال غرب سوريا من قبل روسيا”، عبر تقديم ذريعة للروس بمحاربة التنظيمات الإرهابية المتواجدة في شمال غرب سوريا، والتي تنفذ عمليات ضد القواعد العسكرية الروسية.

وهو ما سوف يستفيد منه “حراس الدين”، لكون التنظيم “يعاني من تحرير الشام أكثر مما يعانيه من روسيا والنظام”، بسبب سياسات التضييق التي تتبعها “تحرير الشام” تجاه التنظيمات الجهادية في مناطق سيطرتها. كما إن من شأن ذلك، برأي أبو هنية، إفساح “المجال أمام الحراس بزيادة التجنيد أو عمل انشقاقات داخل الهيئة، لاسيما كون جزء من قيادات تحرير الشام غير راضين عن الاتفاق [الروسي-التركي بشأن شمال غرب سوريا]وطريقة تعامل الهيئة مع النظام وتركيا”.

على النقيض من ذلك، عبر عرابي عن اعتقاده بأن العملية لا تعطي تبريراً لروسيا في إدلب، كون عملية استهداف القاعدة الروسية “جرت في الرقة ومناطق قسد”، إضافة إلى أن “تركيا لن تقبل بهذا الأمر [شن هجوم روسي على إدلب]، وستستغل الأمر ضد قسد”.

مضيفاً: “حتى إن أرادت روسيا القيام بعمل عسكري، فإنها ستصطدم بالواقع العسكري، إذ بنت تركيا جداراً فولاذياً -إن صح التعبير- من النقاط العسكرية، وأصبحت المنطقة حصينة إلى أبعد الحدود”. متسائلاً: “لماذا تنفذ روسيا هذه العملية وهي تعلم أنها ستجر عليها بلاء ووباء من تركيا، وحتى قد تنقلب الطاولة عليها في المنطقة؟”.

مستقبل علاقة “حراس الدين” و”تحرير الشام”

على الرغم من أن العلاقة أساساً بين “تحرير الشام” و”حراس الدين” يشوبها التوتر، وقد وصلت مستويات عالية من التضييق والحصار وحتى الاعتقالات والاغتيالات بحق عناصر وقادة “حراس الدين”، فإن العملية الأخيرة لحراس الدين في الرقة من شأنها رفع مستوى المضايقات التي يتعرض لها التنظيم، وفقاً لما قد تراه تحرير الشام بأنه خروج عن عباءتها. لكن سيبقى ذلك دون مستوى الاقتتال، وفقاً لعرابي؛ إذ قد تعتقل الهيئة “بعض قيادات التنظيم مرة أخرى لأجل التحقيق والتعذيب، أو قد يطلب منهم حتى مغادرة سوريا”.

في السياق ذاته، رأى أبو هنية أن “خصوصية العملية في كونها ضد الروس محرجة للهيئة، والحراس يدرك ذلك بأنها سوف تحرج الجولاني مع عناصره ومع الدول”، وهو ما يعني أن “الجولاني سيلجأ إلى إجراءات أمنية، لكن لن تكون معلنة وواضحة أو واسعة، إلا أنه سوف يحرص على أن يبعث برسائل بأنه لا تتصرفوا مرة أخرى من دون الرجوع لنا في هكذا قرارات استراتيجية”.

وكان “سوريا على طول” قد حاول التواصل مع كل من هيئة تحرير الشام وتنظيم حراس الدين للحصول على تصريحات بشأن عملية تل السمن وتداعياتها. وفيما اعتذر المكتب الإعلامي في “الهيئة” عن التعليق، امتنع “حراس الدين” عن الإجابة عن الأسئلة المرسلة إليهم.

آخر التقارير…