مدة القراءة: 7 دقائق | إدلب, حلب, درعا, سياسة

الانتقام أم تثبيت خطوط المواجهة: ماذا ينتظر المناطق الخارجة عن سيطرة الأسد في شمال وجنوب سوريا


يونيو 16, 2021

عمّان – غداة إجراء الانتخابات الرئاسية، أواخر أيار/ مايو الماضي، لأجل ادعاء “شرعية” بشار الأسد حكم سوريا لسبع سنوات مقبلة على الأقل، صارت أكثر إلحاحاً الأسئلة المتعلقة بمستقبل المناطق الخارجة عن سيطرة نظامه، سواء بشكل علني، كما هي حال كل من شمال غرب وشمال شرق البلاد، أو بشكل فعلي في حالة جنوب البلاد تحديداً، لاسيما مناطق عدة في محافظة درعا التي استعاد النظام السيطرة عليها رسمياً منذ صيف العام 2018.

إذ إن “نشوة الانتصار” الانتخابي القائم أساساً على تجاهل الحل السياسي القائم على مفاوضات اللجنة الدستورية، قد تدفع نظام الأسد، مدعوماً بحليفيه روسيا وإيران، إلى شن عمليات عسكرية باتجاه المناطق الخارجة عن سيطرته لبسط نفوذه عليها، بما يسمح بفرض حقائق جديدة على الأرض تفضي إلى إعادة تأهيله دولياً.

الجنوب الخاصرة الضعيفة العصية

خلال السنوات الثلاث الماضية، شكل الجنوب السوري، لاسيما محافظة درعا، مركز احتجاجات مؤرقة لنظام الأسد، نتيجة استمرار العمليات العسكرية التي يشنها مجهولون ضد القوات الحكومية والأمنية هناك، إضافة إلى التظاهرات الشعبية المتواصلة، منذ توقيع اتفاق التسوية (المصالحة) في تموز/يوليو 2018 بضمانة روسية، وأفضى إلى سيطرة دمشق إلى حد ما على المنطقة.

حالة الاضطراب هذه دفعت دمشق، مرات عدة، إلى إرسال تعزيزات عسكرية إلى مناطق مختلفة في درعا من أجل السيطرة عليها. لكن العمل العسكري المتوقع غالباً ما تم التراجع عنه عبر التوصل إلى اتفاقات جديدة مع لجان التفاوض في المحافظة، تضمنت تقديم فصائل التسوية -التي تشكلت في أعقاب المصالحة من فصائل المعارضة سابقاً- المزيد من التنازلات لصالح دمشق.

رغم ذلك، نجحت دمشق في مرتين على الأقل في تهجير مقاتلين إلى الشمال السوري وبسط سيطرتها على مدينة الصنمين شمال درعا وبلدة أم باطنة بريف القنيطرة.

وقد تشكل هكذا “نجاحات” سابقة بعد فوز الأسد بولاية رئاسية جديدة حافزاً لتكرار السيناريو مع مدن وبلدات جديدة في الجنوب تعد خارجة عن سيطرته الأمنية. فيما يشكل عاملاً إضافياً في الاتجاه ذاته باعث الانتقام من محافظتي درعا والقنيطرة لرفضهما الانتخابات الرئاسية الأخيرة ومنع إجرائها في بعض المدن والبلدات هناك.

هذا الطرح أكده عضو في اللجنة المركزية في درعا التي تتولى التفاوض مع النظام وممثلي الجانب الروسي الضامن لاتفاق صيف 2018. إذ اعتبر أن “محافظة درعا كانت واضحة مع نفسها ومع أهلها ومع النظام ومن خلفه الروسي، بأنها ترفض الانتخابات ولا تقبل المشاركة فيها. وقد تم الإعلان عن ذلك جهارا نهارا”.

وهو ما دفع النظام، كما أضاف المفاوض لـ”سوريا على طول”، إلى البدء في “التضييق على بعض المناطق، مثل إغلاق بعض الطرق والتدقيق على البطاقات والسيارات ومنع الدراجات من الدخول إلى مدينة درعا [المحطة] عقاباً على موقف أهل [المحافظة] من الانتخابات”.

مع ذلك، استبعد المفاوض شن القوات الحكومية عمليات عسكرية على المناطق الخارجة عن قبضته الأمنية في محافظة درعا، معتبراً أن ذلك يعد “صعباً على أرض الواقع”، لأسباب تحفظ على ذكرها. مستدركاً بأنه “ليس هناك ما هو مستبعد على النظام وعنجهيته”.

لكن حتى باستبعاد احتمالية العمل العسكري، فإن “عنجهية النظام” وعدم الثقة بالضامن الروسي، يبقيان قائماً سيناريو التهجير القسري للمقاتلين والمدنيين الرافضين لاتفاق المصالحة وعائلاتهم، لاسيما مع وجود رغبة لدى دمشق في بسط سيطرتها الأمنية بأقل التكاليف الممكنة.

هنا أيضاً، استبعد المفاوض هكذا سيناريو، مستنداً  إلى فشل النظام في تطبيق ذلك في العديد من المرات في مدينة طفس غرب درعا، وبلدة كناكر بريف دمشق الغربي. مؤكداً أن “مبدأ التهجير مرفوض تماماً من قبلنا ولا نقبل أن يتم تهجير أبناء المنطقة من بيوتهم وأراضيهم التي ورثوها أبا عن جد”، مضيفاً أن “بعض العائلات متواجدة بهذه الأرض من قرون خلت، وبعضهم من مؤسسي سوريا”. ليكون الخيار التمسك “بأرضنا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها”، كما قال.

على النقيض مما سبق، من ناحية عسكرية، رأى المحلل العسكري والاستراتيجي العقيد الركن المنشق عن قوات النظام مصطفى الفرحات، أن “الطرف المهاجم [النظام] عندما يريد أن يهاجم يختار دائماً النقطة الأضعف في دفاعات العدو، والجنوب هي الأضعف عسكرياً، لكون المنطقة لا تملك عمق استراتيجي أو إمداد خارجي”.

مع ذلك، استدرك الفرحات في حديثه لـ”سوريا طول”، فإن يميز الحالة السورية اليوم “أن ما يؤثر فيها هو الوضع السياسي وليس العسكري؛ حقيقة أن أي معركة اليوم يتم اتخاذ القرار بشأنها تخضع لتوافقات سياسية بين الدول الفاعلة أو الدول المنخرطة في الملف السوري”.

كذلك، فإن “الروس لن يسمحوا للنظام بفتح جبهة واسعة في درعا”، برأي الفرحات، “نتيجة وجود قوات من الفيلق الخامس التابع لروسيا، والذي تهدف من خلاله إلى تعزيز تواجدها على الأرض. فهي لا تمتلك قوات على الأرض كما إيران التي تنافسها في الملف السوري بقوة”. مضيفاً أن قوات الفيلق تخلق “توازناً بين الجانبين الروسي والإيراني، وتحد من المنافسة القوية والجشع الإيراني على حساب الروس”.

الشمال: التوافقات التركية-الروسية

تحكم منطقة شمال غرب سوريا الخاضعة لسيطرة هيئة تحرير الشام وفصائل المعارضة مجموعة من التوافقات التركية-الروسية التي أفضت إلى إنشاء نقاط مراقبة عسكرية تركية. ورغم أن المنطقة شهدت، خلال السنوات الماضية، العديد من العمليات العسكرية التي شنتها القوات الحكومية مدعومة بالمليشيات الأجنبية والمقاتلات الروسية، وأفضت إلى قضم مناطق شاسعة لصالح دمشق، وتالياً تفكيك نقاط مراقبة تركية بعد محاصرتها من قبل القوات المهاجمة، إلا أن تلك التوافقات ترسم حدوداً لا يمكن تخطيها، كون ذلك قد يخلق أزمة إنسانية شديدة تطال أنقرة والاتحاد الأوروبي، نظراً للكثافة السكانية في شمال غرب سوريا بتعداد يقترب من أربعة ملايين إنسان.

إضافة إلى ذلك، يعد المحور الشمالي (محافظة إدلب وريف حلب الغربي) أكثر صعوبة من الجنوب في حال أي هجوم تشنه دمشق وحلفاؤها، كون المنطقة “تمتلك عمقاً مع تركيا”، و”هامش مناورة كون لديها من التذخير والتسليح ما يكفي، وقوات بعدد أكبر وتحصينات”، بحسب الفرحات.

مع ذلك، فإن الأهداف الاقتصادية الروسية، والتي تعد أحد الأسباب الرئيسة للتدخل العسكري الروسي في سوريا، قد تدفع بموسكو إلى الضغط للوصول إلى طريق حلب-اللاذقية المعروف باسم “M4”.

إذ إن “الروسي يطمح للوصول، عن طريق تركيا إن أمكن، إلى طريق “M4” للاستخدام المدني والتجاري، من دون الزج بقوات النظام، حتى لا يوتر العلاقات مع الجانب التركي، لاسيما مع وجود تفاهمات معينة في الكثير من القضايا، وليس فقط على صعيد الملف السوري”، كما أوضح الفرحات.  لكن في حال لم تستطع موسكو فتح الطريق عبر اتفاق مع أنقرة، فإنها “قد تلجأ إلى عمليات عسكرية محدودة في مناطق جبل الزاوية، من أجل إخضاع الطريق لسيطرتها، لاسيما في منطقة أريحا وجسر الشغور الحاكمتين على الطريق”، كما أضاف. 

مع ذلك، فإن اللجوء إلى الخيار العسكري يبدو في “المدى المنظور أو القريب صعباً”، برأي الفرحات، لاعتبارات كثيرة، من قبيل أن “المدافعين من أبناء المنطقة لن يسلموا بسهولة التحصينات الكبيرة” التي أنشؤوها في المنطقة. هذا بالإضافة إلى أن “الطبيعة الجغرافية لجبل الزاوية تجعل القوات الموجودة على الأرض تتمتع بأريحية في التعامل مع الطيران وتحييده، بسبب التحصينات الطبيعية للمنطقة. ما يعني أن العملية لن تكون نزهة للقوات المهاجمة”.

يتضافر مع ما سبق أن عملاً عسكرياً واسعاً في المنطقة يعد “أمراً محظوراً على كل الأطراف، لوجود أكثر من ثلاثة ملايين إنسان في الشمال السوري”، كما ذهب الفرحات. كون هكذا عمل “سيعني كارثة إنسانية، ولن يسمح المجتمع الدولي برمته على الإطلاق بها”. لاسيما وأن ذلك “سيدفع سكان شمال غرب سوريا لاجتياز الحدود التركية، وتالياً الوصول إلى أوروبا”. مستدركاً بأنه “يمكن أن تكون هناك أعمال محدودة، يطمح من خلالها الروسي للوصول إلى طريق M4”.

تثبيت الخطوط

“النظام لن يقوم بحسم أي منطقة عسكرياً خلال الفترة المقبلة”، رجح المحلل العسكري العقيد المنشق أحمد حمادة. معتبراً أن “سوريا ربما تشهد مرحلة من تثبيت خطوط الاشتباك والسيطرة”، رغم أن النظام “ربما يقوم في جنوب سوريا، بتكرار ما حصل من تهجير في أم باطنة وترحيل للأهالي، وتحشيد للفرقة الرابعة”.

وكما أوضح حمادة لـ”سوريا على طول”، فإن “هذه الخطوط ليست مقدسة، ويمكن تحريكها بعمل عسكري، لكن الأجواء الحالية محكومة بتفاهمات سياسية؛ وأي معركة ستكون سياسية أولاً”. مؤكداً الرأي القائل بأن “منطقة شمال غرب سوريا لاتتحمل تهجير مزيد من النازحين، بما سيؤثر على تركيا”، ما يفسر نشر تركيا “قوات عسكرية من مختلف الصنوف، وتعزيز مواقعها”.

كذلك، فإن “الجيش التركي والفصائل يعززان مواقعهما في المنطقة المحكومة بتفاهم تركي-روسي”، و”النظام لايملك من أمره شيئاً؛ فأمر الحرب والسلم يتعلق بالروس الذين لولاهم لما كان النظام موجود”، كما أضاف حمادة.

هذا الرأي أكد عليه العقيد الفرحات، بأنه “بعد توقف الأعمال القتالية الكبيرة بشكل شبه تام تقريباً اليوم، فإن أي عمل عسكري واسع [مستقبلاً] يفرض نفسه من خلال معطى سياسي”. إذ على الرغم من أن الهدف الأول بالنسبة للنظام يتمثل في بسط سيطرته على كامل الجغرافية السورية، إلا أنه “من ناحية عسكرية ومن ناحية التوازنات السياسية”، يعد ذلك صعباً على النظام، لاسيما وأن “التوافقات الحاصلة بين القوى الكبرى، أدت إلى تأجيل أي توتر وأي عمل عسكري كبير إلى ما بعد التسويات السياسية في حال حصلت، وإلا سوف تنفجر حرب عالمية”، وفقاً للفرحات.

وفي حال لم يتوصل الفرقاء إلى توافقات معينة في الملف السوري، فإن “أي شرر أو نار في الداخل السوري سوف يطال الجميع، لذلك نشاهد كيف الجميع يحاول تطويق الأزمة والإبقاء عليها داخل الجغرافية السورية وفي بؤر معينة”، كما أضاف. مرجحاً أنه “عندما تغيب الإرادة السياسية للحل، فستبقى مناطق النفوذ هذه كما هي، بل ستتكرس. ونشاهد اليوم تكريس مناطق النفوذ، بل حتى إنعاشاً للبنية التحتية في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وحتى في مناطق سيطرة قوات [سوريا الديمقراطية] “قسد”، بينما النظام في الأقصى المسموح له يمكنه أن يحدث دائما قلاقل”.

وأيد العقيد الفرحات أيضاً أن “ما يريده الروس هو تحقيق مصالحهم الاقتصادية والاستثمار، وهي المصالح التي تدخلوا لأجلها في الملف السوري، والآن يريدون جني ثمار هذا التدخل”. لذلك، فإن الأولوية بالنسبة لموسكو، كما رأى، هي “أولوية اقتصادية وليس بسط نفوذ. بينما بالنسبة للنظام بسط النفوذ أهم من الجانب الاقتصادي؛ فهو لا يهمه جاع الشعب أم لم يجع، وهو ذاته استخدم سلاح التجويع ضد الشعب”. 

ويتمثل الجانب الاقتصادي لموسكو، بفتح الطريق الدولي “M4″، إذ “يعتبر فتح هذا الشريان أولوية بالنسبة للروس على إخضاع منطقة جغرافية ما لسيطرتهم وسيطرة النظام. لذلك التناقض بين الطرفين قائم، والنظام لا يستطيع فتح أي جبهة دون التنسيق مع الروس”، وفقاً للفرحات. 

يعزز هذا السيناريو المرجح أن إيران تسعى بشكل أكبر إلى الاستيلاء على مفاصل الدولة، ومصادرة قرارها، إضافة إلى محاولة السيطرة على “معظم هوامش الاقتصاد في الداخل السوري، وفي دمشق بشكل خاص”، وهو ما “لا يروق للروس”، برأي الفرحات. ما تسبب في تنافس حقيقي بين موسكو وطهران على العديد من الملفات، لاسيما في القطاعات الاقتصادية السيادية وكذلك منطقة جنوب سوريا، ودفع موسكو بالتالي إلى “إعداد كوادر تتبع لها في المنطقة، كما لا تسمح للنظام بفتح معركة مع هؤلاء [الكوادر التابعة لروسيا]، لكن يسمح للنظام في إخماد بعض بؤر التوتر الخارجة عن سيطرة النظام والطرفين الروسي والإيراني”.

آخر التقارير…