مدة القراءة: 5 دقائق | إدلب, تقارير, ثقافة ومجتمع

البحث عن مهنة أخرى: تلاشي الدعم يهدد معيشة معلمي إدلب ومستقبل طلبتها


أبريل 7, 2021

إدلب- حتى سنوات قليلة، لم يكن يخطر على بال عبد الله عبد الرحيم أن يعمل في مجال البناء، وهو المدرس لمادة التاريخ في مدارس محافظة إدلب، شمال غرب سوريا. لكن “انقطاع الدعم وظروف الحياة الصعبة دفعتني لهذه المهنة من أجل الحصول على دخل شهري أعيل به عائلتي”، كما قال لـ”سوريا على طول”.

ومنذ نيسان/أبريل 2019، يعمل عبد الرحيم، 29 عاماً، معلماً متطوعاً في إحدى مدارس منطقة حارم، غرب إدلب، بعد توقف الدعم عن معلمي طلبة الحلقة الثانية (المتوسطة) والمرحلة الثانوية، على أمل “عودة الدعم والحصول على راتب مستقبلاً”، كما أضاف، معتمداً في تغطية مصاريفه حالياً على “مهنة البناء التي تحقق لي دخلاً معدله 600 ليرة تركية [75 دولار أميركي بحسب سعر الصرف الحالي] شهرياً”. 

ورغم تدهور القطاع التعليمي في إدلب، وتدني رواتب العاملين فيه، إلا أن معلمي طلبة الحلقة الثانية (المتوسطة) والمرحلة الثانوية هم الأكثر تضرراً، كونهم لا يحصلون على رواتب شهرية منذ نحو عامين. إذ تلقوا آخر راتب لهم “ضمن برنامج مناهل المدعوم من خلال منظمة كيمونكس، في شهر نيسان/أبريل 2019″، بحسب ما ذكر لـ”سوريا على طول” المعلم حسان يوسف الخليفة، والمتطوع في مدرسة الصيادي بمدينة أريحا جنوب إدلب.

وكان معلمو محافظة إدلب نظموا وقفة احتجاجية أمام مبنى مديرية التربية والتعليم التابعة لحكومة الإنقاذ التابعة لهيئة تحرير الشام، في الثالث من شباط/فبراير الماضي، تنديداً بانقطاع رواتبهم للعام الثاني على التوالي. لكن مع مرور شهرين على الوقفة لم يجن المشاركون سوى وعوداً بتحسين أوضاعهم مع بقاء الواقع على حاله، كما عبّر عدد من المدرسين لـ”سوريا على طول”.

ويبلغ إجمالي عدد الكوادر التعليمية ضمن ملاك مديرية التربية والتعليم في إدلب 16,304 أشخاص، يعمل 5,190 منهم مدرسين بشكل تطوعي من دون رواتب شهرية، بحسب أرقام حصلت عليها “سوريا على طول” من مدير تربية إدلب، حسن الشوا. 

استقرار وظيفي مفقود

بدأ أحمد المصطفى، 29 عاماً، الأب لأربعة أطفال، العمل بمهنة التدريس في العام 2017، حين عمل في إحدى المدارس المدعومة من منظمة “سيريا ريليف”. لكن عمله توقف بعد أشهر فقط، نتيجة انقطاع الدعم عن المدرسة. ولم يجد فرصة عمل أخرى إلى أن نزح مع عائلته من ريف إدلب الجنوبي، حيث كان يقيم، بفعل الحملة العسكرية لنظام الأسد، قاصداً مخيمات دير حسان شمال إدلب.

عاد المصطفى إلى التدريس في مكان نزوحه، حيث حصل على فرصة عمل في مدرسة قريبة من المخيم، براتب 150 دولاراً أميركياً. ورغم أنه أفضل حالاً من أولئك الذين يعملون متطوعين بلا أجر، إلا أنه لا يشعر “بالاستقرار الوظيفي”، كما قال لـ”سوريا على طول”.

وهو ما أكده أيضاً المعلم غيث محمد، 23 عاماً، المهجر من غوطة دمشق الشرقية إلى مدينة معرة مصرين بريف إدلب الشمالي، والذي أمضى أكثر من عام بحثاً عن عمل، كون “فرص العمل في مجال التدريس قليلة، وخصوصاً للمهجرين، فهم أقل حظاً”، كما قال لـ”سوريا على طول”.

وإضافة إلى صعوبة إيجاد فرصة عمل في التعليم، كما عدم شعور المعلمين بالاستقرار الوظيفي، فإن “رواتب المعلمين متدنية مقارنة بوظائف أخرى”، كما أضاف محمد. إذ “على سبيل المثال قد يجني حارس أو مستخدم [موظف] في إحدى منظمات المجتمع المدني 200 دولار أميركي راتباً شهرياً، فيما راتب المعلم 150 دولاراً في الحد الأعلى”. 

ويتم تحديد رواتب المعلمين “بالتنسيق بين المنظمات التي تدعم قطاع التعليم في المنطقة”، بحسب ما ذكر لأ”سوريا على طول” أسامة حاج حسين، مسؤول التعليم في منظمة بنيان العاملة في شمال غرب سوريا، و”تدعم 673 معلماً في ريفي محافظتي إدلب وحلب برواتب شهرية تتراوح بين 150 و170 دولار”.

وبما أن المعلمين يتقاضون رواتبهم الشهرية عن أشهر الدوام الفعلية فقط، أي عن ثمانية أشهر في العام، كما أوضح عدد من المدرسين في إدلب لـ”سوريا على طول”، فإن ذلك يعني ضرورة بحثهم عن مورد مالي آخر لتأمين متطلبات حياتهم.

البحث عن بدائل

عادة، يعتمد المعلم في تحقيق دخل إضافي على إعطاء دروس خصوصية. لكن في حالة شمال غرب سوريا فإن هذا الخيار غير موجود، إذ يعيش نحو أربعة ملايين شخص، قرابة نصفهم نازحون، في ظروف إنسانية ومعيشية صعبة.

لذلك، استفاد المعلم أحمد المصطفى من خبرته السابقة في صناعة الألبان والأجبان، ليجد فرصة عمل في هذا المجال منذ ستة أشهر، لتأمين دخل إضافي “يتراوح بين 250 و300 ليرة تركية [31-37.5 دولار أميركي]”، بحسب قوله. أما المعلم حسان يوسف الخليفة، فقد افتتح محلاً لبيع الأحذية في مدينة أريحا معتمداً عليه في تأمين مصاريفه، مع استمراره في العمل مدرساً متطوعاً.

المعلم أحمد المصطفى يعمل في صنع الألبان بمكان إقامته في أحد مخيمات دير حسان بريف إدلب الشمالي، 22/3/ 2021 (سوريا على طول)

أما المعلمة وردة الخليل، 38 عاماً، والمعيلة لخمسة أطفال بعد مقتل زوجها بقصف للنظام على ريف إدلب الجنوبي في العام 2018، فتعتمد لسد الفجوة بين مصاريفها وراتبها المتدني الذي يبلغ 120 دولاراً أميركياً، على “كفالة اثنين من أولادي الأيتام، المشمولين بتغطية من إحدى الجمعيات الخيرية”، بحيث “أحصل على 50 دولاراً للولد الواحد” شهرياً، كما أوضحت لـ”سوريا على طول”.

أيضاً، تستفيد الخليل من السلة الغذائية التي تحصل عليها من برنامج الأغذية العالمية (WFP). إذ تبيع بعض الأصناف التي لا تستخدمها وتبقي الضروري منها فقط، كالسكر والرز والزيت النباتي. 

في الأثناء، تبحث الخليل التي قضت 16 عاماً في التعليم، عن مهنة بديلة “في مجال الدعم النفسي أو الصحة المجتمعية مع إحدى منظمات المجتمع المدني. إذ قد أحصل على راتب يصل إلى 300 دولار أميركي”، كما أخبرتها زميلات لها. واصفة التعليم بالوظيفة “المتعبة جداً مقابل راتب قليل”.

أما على صعيد رسمي، فربما يكون أحد البدائل لدعم المعلمين الذين انقطعت رواتبهم “الاقتراح على أهالي الطلبة دفع أقساط مالية حسب إمكاناتهم، للإسهام في جزء بسيط من رواتب المدرسين”، كما قالت لـ”سوريا على طول”، خديجة مواس، مديرة إحدى مدارس الحلقة الثانية في مدينة جسر الشغور غرب إدلب.

مستقبل التعليم

حذّر رئيس دائرة التعليم الأساسي في مديرية التربية والتعليم بإدلب، محمود الباشا، من أن “ضعف الدعم ومحدوديته له آثار سلبية كثيرة” تتمثل خصوصاً في إفقاد “العملية التعليمية استقرارها المطلوب”، من خلال “عدم التزام الكوادر التعليمية بالدوام حتى نهاية العام، كما عدم القدرة على إلزامهم”، كما قال لـ”سوريا على طول”.

علماً أن هناك عجزاً في الكوادر التعليمية قدّره حاج حسين بنسبة تتراوح بين 60 و 70%، معتبراً أن “انقطاع الدعم عن مدرسي المرحلة المتوسطة والثانوية انعكس على الطلبة أيضاً، إذ أدى إلى تراجع مستواهم على الصعيد العلمي والتربوي”.

وبحسب أرقام حصلت عليها “سوريا على طول” من مديرية تربية إدلب، تستمر العملية التعليمية في 959 مدرسة شمال غرب سوريا، منها 311 مدرسة تعمل من دون دعم، فيما تعمل 321 مدرسة أخرى بدعم من منظمات المجتمع المدني، و103 مدارس بدعم مشترك من منظمات المجتمع المدني وبرنامج “مناهل” الممول عبر “كيمونكس”. وتدعم الأخيرة أيضاً 210 مدرسة، لكن “بعد سحب الاتحاد الأوروبي حصته من دعم المشروع، والتي تقدر بالثلث، تم حصر الدعم بمعلمي طلبة الحلقة الأولى [الابتدائي]”، كما قال الشوا. 

هذا الواقع أدى إلى وجود حالة من عدم التوازن في مدارس محافظة إدلب، إذ صارت عائلات الطلبة “تتهافت على تسجيل أطفالها في المدارس المدعومة”، كما قال المعلم عبد الرزاق حمّال لـ”سوريا على طول”، الأمر الذي أوجد خلق “كثافة في عدد الطلبة بمدارس دون أخرى، ما انعكس سلباً على نوعية التعليم الذي يحصل عليه الطلبة”.

آخر التقارير…