مدة القراءة: 5 دقائق | إدلب, شتات ومهجر

“الجندرمة” حماية أمن تركيا ونذير خطر على النازحين شمال غرب سوريا


يوليو 8, 2021

إدلب- على مقربة من الجدار الفاصل بين سوريا وتركيا، في منطقة أطمة بريف إدلب الشمالي، يتخذ الأطفال النازحون من الأراضي المكشوفة على حرس الحدود التركي أماكن لعب لهم، على اعتبار أنها منطقة آمنة من قصف نظام الأسد وحليفه الروسي.

لكن، في حالة الطفل أمجد سعدو، 12 ربيعاً، وهو نازح من بلدة اللطامنة بريف حماة الشمالي إلى مخيمات أطمة منذ العام 2014، كاد اللعب في فسحة تبعد 100 متر تقريباً عن الجدار الفاصل، في مخيم الكرامة بمنطقة أطمة، أن يودي بحياته بعد أن اخترقت جسده رصاصة مصدرها حرس الحدود التركي (الجندرمة)، في 21 أيار/ مايو الماضي، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات بين أهالي المخيم ونقطة حراسة حدودية تركية.

وتضاف حادثة إطلاق الرصاص على الطفل سعدو إلى حادثتين في الشهر نفسه، إذ قتل شخص وأصيب آخر برصاص “الجندرمة” أثناء صيد السمك على ضفاف نهر العاصي في منطقة دركوش بالقرب من الحدود التركية، فيما قتل مزارع أثناء عمله في أرض زراعية بالقرب من بلدة خربة الجوز بمنطقة حارم في ريف إدلب الشمالي.

بعد ذلك، أصيب طفل، يبلغ من العمر 7 سنوات، برصاص “الجندرمة”، في الثالث من حزيران/ يونيو الماضي، أثناء عمله برعي الأغنام في قرية القامشلية التابعة لمدينة سلقين شمال غرب إدلب. 

من جانبها، أصدرت منظمة “مظلومدير” التركية، والتي تعنى بتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان، في 9 حزيران/ يونيو الماضي، تقريراً انتقدت فيه الانتهاكات التي ترتكبها قوات حرس الحدود التركية، والتي تقع عموماً “حول المخيمات الواقعة خارج الجدار الممتد على طول 12 نقطة مراقبة”، إضافة إلى بعض الانتهاكات التي “تقع في الأراضي المزروعة والمراعي”.

وحتى إذا كانت المنطقة نقطة عبور عناصر تهدد تركيا، ما يجعل عناصر الجندرمة في حالة تأهب تام، فإن ذلك لا يبرر “موت الأطفال وانتهاك حقهم في الحياة”، كما قالت المنظمة.

ومنذ مطلع العام 2021 حتى 21 أيار/ مايو الماضي، وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان، مقتل 25 مدنياً سوريا برصاص “الجندرمة” التركية داخل الأراضي السورية، بينهم 3 نساء و10 أطفال.

الاقتراب انتحار!

في أواخر العام 2019، نزح محمد الحسن، 32 عاماً، عن بلدة سفوهن بريف إدلب الجنوبي، هرباً من قصف قوات النظام على المنطقة، لكن اليوم يجد نفسه “أمام خطر مصدره نيران الجندرمة التركية” القريبة من مخيم التنمية  كما قال لـ”سوريا على طول”. 

وإلى حين نزوحه من بلدته، توقع الحسن أن تكون المناطق الحدودية “ملاذاً آمناً لنا”، لكن مع مرور الوقت تبين أن “مجرد الاقتراب من الجدار التركي المقابل لمخيمنا، الذي يبعد عنا أقل من 500 متر، بمثابة انتحار”، أضاف الحسن، مشدداً على ضرورة “الانتباه إلى حركة الأطفال وأماكن لعبهم”.

الشعور ذاته، يراود زياد شعبان، 39 عاماً، النازح من بلدة اللطامنة إلى مخيم الكرامة في تجمع مخيمات أطمة، إذ لا يشعر بالأمان “على أطفالي الثلاثة وأنا أسمع أو أشاهد جندياً تركياً يطلق النار مباشرة على طفل وهو يلعب مع آخرين على مقربة من الجدار التركي، الذي يعتقد أنه كلما اقترب منه كان أكثر أمناً”.

على صعيد آخر، تتسبب حوادث استهداف النازحين في المناطق الحدودية بحالة من الهلع في أوساط المزارعين العاملين في الأراضي الزراعية القريبة من الحدود، إذ ربما يتعرضوا “لإطلاق نار مصدره الجنود الأتراك”، كما حدث مع الطفل يزن عبد الكريم حاج باكير، 11 ربيعاً، الذي قتل على إثر إطلاق النار عليه من جندي في حرس الحدود التركي، في 11 شباط/ فبراير الماضي، أثناء توجهه مع شقيقه “لتقليم أشجار المشمش في مزارع بلدة العدنانية بالقرب من الحدود التركية في منطقة جسر الشغور”، بحسب ما ذكر عمه بشير باكير لـ”سوريا على طول”.

واستشهد باكير بتعرض عدد من أبناء قريته لإطلاق نار من الجانب التركي، “منهم: محمد حاج طه الذي استهدف أثناء حراثة أرضه، وعبد القادر حاج باكير، الذي أصيب أثناء قطاف العنب، إضافة إلى زكريا حاج عبد الله، الذي استهدف أيضاً أثناء حراثة أرض بالقرب من الحدود التركية”.

وتفادياً للخطر يحاول بعض الفلاحين “الحصول على إذن من النقطة التركية بهدف الوصول الآمن إلى أرضهم، لكن في بعض الأحيان يتأخرون عن جني محاصيلهم نظراً لعدم السماح لهم، أضاف باكير.

الموقف التركي من الاعتداء

لا يلمس بشير باكير جدية من الجانب التركي في محاسبة عناصر الجندرمة التركية، الذين يرتكبون انتهاكات بحق السوريين وعلى أرضهم، إذ غالباً ما يكون الرد من المسؤولين الأتراك في ولاية أنطاكيا (هاتاي) على مطالبات الأهالي، بأن “العسكري التركي بريء، وهو يحمي حدود بلاده”.

لكن من وجهة نظر المحامي فهد الموسى، عضو مجلس نقابة المحامين في إدلب، فإن استهداف المدنيين داخل الأراضي السوري، من الناحية القانونية والقضائية، يعد “جريمة قتل عمد مكتملة الأوصاف، بغض النظر عمّن ارتكبها”، مشيراً لـ”سوريا على طول” بأنه “لا يوجد أي مبرر لها”.

وحذّر الموسى من أن “عدم اهتمام الحكومة التركية بمعالجة ما يحدث، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات سيؤدي إلى سخط شعبي”، معتبراً أنه “بغياب أي إجراء حكومي أو قضائي تركي حيال الانتهاكات تكون تركيا شريكة في هذه الجريمة”.

وحتى إن كان “بعض الضحايا يحاولون عبور الحدود بطريقة غير شرعية، فلا يجوز استهدافهم بإطلاق النار المميت”، كما قال مصدر حقوقي مقيم في تركيا لـ”سوريا على طول”، طالباً عدم الكشف عن اسمه لدواعٍ أمنية.

ونظرياً، يمكن لأهالي الضحايا الذين قتلوا برصاص “الجندرمة” على الأراضي السورية القريبة من الحدود “رفع دعاوى قضائية على الفاعلين”، لكن من الناحية العملية “يواجه الاهالي صعوبات كبيرة سواء لجهة الدخول إلى تركيا لتقديم ادعاء، أو لجهة متابعة تحقيقات الشرطة والجندرمة التي تكون عند كتابتها للضبط هي الخصم و الحكم”، بحسب الموسى.

من جانبه، أوضح المصدر الحقوقي أن “المدعي يجب أن يكون صاحب صفة أو مصلحة بالادعاء، أي أن يكون متضرراً من الجريمة”، كذلك يجب أن يكون “له موطن إقامة بمكان الادعاء أو له وكيل قانوني يمثله في الادعاء والمحاسبة”، وهو ما لا يتحقق غالباً لدى ضحايا انتهاكات الجندرمة التركية.

أيضاً، من التحديات التي تواجه المواطن السوري المعتدى عليه من “الجندرمة”، بأن “عمليات القتل تقع في أراض سورية لا تسيطر عليها حكومة معترف بها دولياً، ما يعني أنه لا يمكن التقاضي عن طريق البعثات الدبلوماسية كدولة مقابل دولة”.

القانون الدولي

يصطدم السوريون بتحديات عدة قد تحول دون لجوئهم إلى القضاء التركي للادعاء على طرف تركي، خاصة وأن ذلك يتطلب منهم “الخبرة القانونية الكافية والقدرة المالية لتوكيل محامٍ، هذا إلى جانب ضرورة إتقان اللغة التركية للتواصل هذا الإطار”، بحسب ما ذكر لـ”سوريا على طول”، محمد العبد الله، المدير التنفيذي للمركز السوري للعدالة والمساءلة.

وفي حال توفر ذلك، قد يصطدم الضحايا، الذين تعرضوا لانتهاكات على يد عناصر الجندرمة التركية بـ”مشاكل أمنية”، هذا إلى جانب “الأسئلة المحقة حول استقلالية القضاء التركي للنظر في مثل هذا النوع من الشكاوى”، قال العبد الله.

وحتى إن كانت الانتهاكات التي ارتكبتها الجندرمة التركية ضد سوريين حاولوا عبور الحدود تركيا، فإن ذلك لا يبررها في القانون الدولي، الذي “يحظر بشكل مطلق استخدام العنف بحق اللاجئين وطالبي اللجوء لحظرهم من العبور أو ثنيهم عن المحاولة”.

وعليه، يمكن للسوريين تحصيل حقوقهم عبر مجالين خارج تركيا، بحسب العبد الله، موضحاً أن “الأول جزائي، أمام محكمة الجنايات الدولية، وهو ما يقوم به المركز السوري للعدالة والمساءلة في حالة اليونان”، لكن هنا “يتوجب أن تكون الانتهاكات على قدر كبير ومنتشر وواضح على أنه سياسة ممنهجة”.

أما الثاني، فهو “الخيار المدني، والمطالبة بالتعويض على الضحايا، ويكون ذلك بالتوجه أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، كون تركيا دولة عضو في المجلس الأوروبي”، لكن هذا الخيار “يقتصر على التعويض دون المساءلة عن الانتهاكات”، بحسب العبد الله، هذا إضافة إلى “العوائق في الإثبات واستنفاذ فرص التقاضي الوطني أولاً”.

آخر التقارير…