الحذر من فيروس كورونا المستجد ترف لا يملكه سكان شمال غرب سوريا


يوليو 23, 2020

عمان- “كيف لك أن تشرح لشعب ذاق الموت آلاف المرات، متأرجحاً بين قصف وجوع وتهجير، أن هناك وباء هو بمثابة عدو جديد لن يستطيع مقاومته إلا بالتباعد الاجتماعي والعزل، سواء كانوا مقيمين أم نازحين في مخيمات مكتظة أساساً؟”. هكذا لخصت الممرضة فاطمة الأشقر، من أحد مستشفيات مدينة إدلب، صعوبة إقناع سكان شمال غرب سوريا بخطورة فيروس كورونا “كوفيد-19″، لاسيما مع بدء ظهور إصابات بالوباء، وتزايدها مؤخراً، في المنطقة التي تمثل آخر مناطق سيطرة المعارضة السورية.

وكانت مديرية صحة إدلب أعلنت عن تسجيل أول إصابة بـ”كوفيد-19″ شمال غرب سوريا، في 9 تموز/ يوليو الحالي، لطبيب في مستشفى باب الهوى كان قدم من تركيا في 25 حزيران/ يونيو الماضي. ليعقب ذلك ارتفاع أعداد الإصابات في المنطقة، حتى يوم أمس، 21 تموز/يوليو، إلى “22 إصابة، بينها أربع لكوادر طبية”، بحسب ما قال مسؤول القسم الإعلامي في مديرية صحة إدلب التابعة للحكومة السورية المؤقتة (المعارضة)، عماد زهران، لـ “سوريا على طول”.

وتتوزع الإصابات، التي سجل تعافي أربع منها حتى الآن، بين سبع في مدينة سرمدا، وأربع في كل من مدينة الباب وريف حلب، وثلاث في مدينة أعزاز، واثنتين في كل من مدينة إدلب وقرية باب الهوى ومدينة الدانا وقرية أطمة، كما أوضح زهران، كاشفاً عن إجراء ما مجموعه 3,071 فحصاً طبياً للكشف عن الوباء في المنطقة.

وكانت “منسقو استجابة سوريا”، وهي منظمة محلية تغطي مناطق شمال غرب البلاد، أطلقت تحذيراً على صفحتها على موقع “فيسبوك”، في 15 تموز/ يوليو الحالي، من أنه “في حال عدم اتخاذ تدابير إنسانية عاجلة تجاه تهديد فيروس كورونا COVID-19 في مناطق ريف حلب الشمالي ومناطق شمال غرب سوريا، فالنتائج ستكون مدمرة”. لافتة إلى أن “أسوأ السيناريوهات المتمثلة في انتشار فيروس كورونا COVID-19 [ستكون] في السجون والمخيمات الخاصة بالنازحين في المنطقة”، معتبرة في بيان أسبق، في 13 تموز/ يوليو، أن هذه المخيمات المكتظة والعشوائية قد تغدو “قنابل موقوتة في حال تسجيل أي إصابة” فيها.

جهود طبية ومدنية مكبلة

مع ظهور الوباء، شرعت الجهات الطبية وبعض المنظمات في تنفيذ “خطة طوارئ” للحد من انتشاره. إذ “تم إغلاق ثلاث مستشفيات سجلت فيها إصابات بالفيروس، هي مستشفى باب الهوى شمال إدلب، ومستشفى الهاند في مخيمات أطمة، ومستشفى الشفاء في مدينة إدلب”، بحسب زهران. كما “انتهينا من تجهيز ثلاث مستشفيات تحتوي على 30 منفسة [جهاز تنفس اصطناعي] و28 سرير عناية مركزة، وثلاث مراكز عزل”. فيما يتم العمل أيضاً “على تجهيز 15 مركز عزل من أصل 30 مركزاً سيتم تجهيزها لاحقا”. كما خُصصت ثلاث أرقام هاتف “كخطوط ساخنة للإجابة عن أي استفسارات لدى الأهالي بشأن الوباء، أو لطلب سيارات إحالة لحالات مشكوك بإصابتها”.

في السياق ذاته، “تم تعليق العمليات الباردة [غير الطارئة] والعيادات لمدة أسبوع اعتباراً من يوم الجمعة الماضي، 10 تموز/يوليو”، كما ذكر رئيس دائرة الرعاية الثانوية بمديرية صحة إدلب، يحيى نعمة، لـ “سوريا على طول”.

لكن “ضمن إمكاناتنا الضعيفة جدا، فإننا غير قادرين على ضبط الوضع في حال انتشر الوباء بشكل واسع”، أقر نعمة. مضيفاً أن “دولاً عجزت عن احتواء المرض، فما بالكم بمنطقة محاصرة وبإمكانات ضعيفة مع كثافة سكانية هائلة، وبما يجعل بيئة المخيمات [خصوصاً] خصبة جدا لانتشاره بسرعة!”. مطالباً “المجتمع الدولي بضرورة تقديم دعم كبير للقطاع الطبي في المحافظة؛ سواء التجهيزات الوقائية والمنافس [أجهزة التنفس الاصطناعي] واختبارات “بي. سي. آر” [للكشف عن الإصابة بالوباء]”. 

كذلك، قامت فرق الدفاع المدني “بعمليات تعقيم لجميع المنشآت والمرافق والمخيمات”، بحسب مدير مركز الدفاع المدني في إدلب، أحمد الشيخو، بلغ “مجموعها 7,740 عملية تعقيم، وشملت أكثر من 5000 موقع موزعة على عموم محافظة إدلب، من ضمنها المخيمات العشوائية والدائمة”. 

وقد “رافقت عمليات التعقيم حملات توعية بالوباء”، كما ذكر الشيخو لـ”سوريا على طول”، عبر “وضع ملصقات توعوية، والشرح عبر مكبرات الصوت في المخيمات لخطر هذا الفيروس وضرورة اتخاذ الإجراءات الوقائية”. 

ويتولى الدفاع المدني نقل الحالات المؤكدة أو المشتبه بها إلى مواقع الحجر الصحي شمال إدلب، وبحيث تعمل فرقه “في ظل إمكاناتنا المتواضعة، بكامل طاقتها على مدار 24 ساعة”، كما لفت الشيخو.

بين سندان الجوع ومطرقة كورونا

بالنسبة لمصطفى بكور، المقيم في مدينة الباب بريف حلب الشمالي، يعني البقاء في بيته احترازاً من وباء كورونا عدم القدرة على “تأمين قوت أطفالي الثلاثة”، كما قال لـ”سوريا على طول”، كونه يعمل بنظام المياومة في قطاع الإنشاءات. وبحيث يغدو “موتي بالفيروس أهون علي من رؤية أطفالي جائعين”، كما أضاف. 

يفاقم الخطر ارتفاع “أسعار الكمامات تلقائياً بمجرد تسجيل أول حالة إصابة بالفيروس في الشمال السوري”، بحسب بكور؛ إذ “كان سعر الكمامة الواحدة لا يصل إلى 500 ليرة سورية [0.2 دولار، بحسب سعر صرف الليرة في السوق السوداء]، بينما وصل سعرها الآن إلى ثلاث ليرات تركية، أي ما يعادل 897 ليرة [0.5 دولار]”. بحيث يغدو “شراء الكمامات وتبديلها بشكل يومي أمراً مستحيل تطبيقه”، كما قال، كونه يحصل على “3000 ليرة [1.4 دولار] يوميا، ولدي الكثير من الالتزامات لتغطيتها”.

الأمر ذاته أكدته عائشة عبد الرحمن، المهجرة من مدينة حمص، والمقيمة حالياً في إحدى مخيمات أطمة على الحدود مع تركيا. فرغم إدراكها خطورة هذا الفيروس إلا “أننا لا نملك رفاهية شراء كمامات ومعقمات تقينا شره، [على حساب] أولويات معيشية وطبية لا نستطيع تجاهلها”، كما قالت. فكونها مريضة بالسكري، فتحتاج “إبر أنسولين بشكل شهري، لا يتم تأمينها دائماً من المنظمات الراعية للمخيم”، تضطر عبد الرحمن إلى القيام بذلك من دخلها المتأتي “من عملي في مهنة الخياطة داخل خيمتي، والذي يقارب نحو  2,000 ليرة [0.9 دولار] شهرياً”. علماً أن الإبرة الواحدة ارتفع سعرها مؤخراً بحكم الندرة إلى حوالي 8,000 ليرة، كما أشارت، أي أضعاف دخلها. وبشكل يحرمها من الانتظام في أخذ الأنسولين بشكل قد يهدد حياتها.

ورغم محاولات مديرية الصحة في إدلب التعريف بطرق بديلة عن شراء الكمامات عبر صنعها يدوياً، فإن “هناك نسبة ضئيلة جدا ممن قاموا بصنعها وارتدائها”، بحسب ما قالت الناشطة الإعلامية حنان الآغا، المقيمة في مدينة إدلب، لـ”سوريا على طول”. إذ “عندما تمر في شوارع المدينة وأسواقها المكتظة، وحتى بين الخيم، لاتكاد ترى شخصين أو ثلاثة يرتدون الكمامات”. 

كما لفتت الآغا إلى عقبة أخرى تعترض الوقاية من الوباء، وتتمثل في “نظرات استهزاء من الناس” من مرتدي الكمامات على قلتهم. عازية ذلك إلى تأخر وصول الوباء “إلى مناطقنا، وما تزال أعداد الإصابات ضئيلة مقارنة بالدول الأخرى، بحيث لم تؤخذ خطورته على محمل الجد من قبل الأهالي حتى الآن”.

لكن “عدم اكتراث منظمة الصحة العالمية” على حد وصف زهران، بمناطق شمال غرب سوريا فيما يخص الوباء، متزامناً ذلك مع “أعداد الفحوصات الضئيلة التي نمتلكها”، يجعل “سلاحنا الأول زيادة وعي الناس لتقليل الإصابات. لكن للأسف لم نصل حتى الآن إلى الاستجابة المرجوة منهم”. موضحاً بدوره أن “هناك استهتاراً كبيراً في ظل وضع اقتصادي يحتّم على الناس الخروج للعمل”. 

لكن بحسب تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، في 13 تموز/يونيو الحالي، فيتوقع توفير منظمة الصحة العالمية جهازين إضافيين لإجراء فحص “بي سي آر” في شمال غرب سوريا، وتقديم تدريب عليهما.

في الوقت ذاته، زاد نشاط الإعلاميات والإعلاميين على صعيد “توعية الناس أكثر”، كما قالت الآغا، وذلك “عبر النشر على صفحاتنا الخاصة على وسائل التواصل الإجتماعي، عن ضرورة الجدية في التعامل مع إرشادات مديرية الصحة”. إضافة إلى “أننا نلتزم لبس الكمامات والحفاظ على التباعد الاجتماعي أثناء إجراء المقابلات كي نكون قدوة للمواطنين ونحفزهم على الالتزام”.

لكن “نحن شعب لطالما رأينا الموت بأعيننا. هربنا من القصف والقنابل، فما الذي تبقى لنخاف منه”، كان ما ختمت به عائشة عبد الرحمن حديثها.

آخر التقارير…