8 دقائق قراءة

الحفر العشوائي للآبار: المياه تغور في باطن الأرض والعطش يجتاح درعا

يشتكي مزارعون في محافظة درعا من انخفاض منسوب المياه الجوفية، نتيجة عوامل مناخية تتعلق بارتفاع درجات الحرارة وتذبذب الهطولات المطرية، إضافة إلى عوامل بشرية تتعلق بزيادة عمليات الحفر العشوائي للآبار الارتوازية بشكل واضح


26 يوليو 2023

 باريس- اضطر المزارع فرحان (اسم مستعار) إلى زيادة عمق البئر الارتوازية، التي تروي أرضه الواقعة في سهول مدينة جاسم، 20 متراً إضافية لتحسين غزارة البئر بعدما تراجعت، في صيف 2022، من أربعة إلى ثلاثة إنشات (أي من 20 إلى 15 متر مكعب في الساعة).

صار عمق البئر 205 أمتار، وهي المرة الثانية التي يعالج أبو محمد ضعف المياه في بئره بزيادة عمقها، كما قال لـ”سوريا على طول”.

اشتكى ثلاثة مزارعون تحدثوا لـ”سوريا على طول” من ضعف عمق الآبار الارتوازية في أراضيهم، ما اضطرهم إلى زيادة عمقها، وهي ظاهرة في عموم درعا، بحسب خبراء ومصادر حكومية، أكدوا انخفاض مناسيب المياه الجوفية في المحافظة، عازين ذلك إلى عوامل مناخية تتعلق بارتفاع درجات الحرارة وتذبذب الهطولات المطرية، إضافة إلى عوامل بشرية تتعلق بزيادة عمليات الحفر العشوائي للآبار الارتوازية.

استغلال الفوضى الأمنية!

في ظل حالة الفوضى التي سادت محافظة درعا منذ اندلاع الثورة في ربيع 2011، انتهز العديد من الأشخاص الفرصة لحفر آبار ارتوازية بشكل عشوائي، بعد عقود من تنظيمها. قبل ذلك، لا يمكن للمزارعين حفر الآبار من دون الحصول على تراخيص وموافقات أمنية من النظام، مع صعوبة الحصول على الترخيص من دون دفع رشى لمسؤولين في النظام.

يقدر عدد الآبار الارتوازية في محافظة درعا بحوالي 25 ألف بئر، فيما لم يتجاوز عددها ثمانية آلاف بئر قبل عام 2011، كما قال لـ”سوريا على طول” مهندس مائي متخصص بمتابعة مياه درعا منذ ثلاثين عاماً، طالباً عدم الكشف عن هويته لدواع أمنية.

لا توجد أرقام دقيقة لعدد الآبار الارتوازية العشوائية في محافظة درعا، إلا أن أعدادها “تضاعفت عشرات المرات كما كانت عليه قبل الأزمة”، بحسب مسؤول في مديرية الموارد المائية بدرعا، التابعة للنظام، مشيراً إلى أن مديريته أحصت جزءاً من هذه الآبار فقط.

في مطلع تموز/ يوليو الحالي، حفرت أم محمود، 55 عاماً، بئر ارتوازية بعمق 200 متر، في أرضها بمدينة إنخل شمال درعا، وبلغت تكلفة المتر الواحد 85 دولار أميركي، أي بتكلفة إجمالية 17 ألف دولار أميركي.

لم تحصل أم محمود على رخصة لحفر البئر، بذريعة أن “شروط الحفر صعبة”، مستغلة “عدم وجود تدقيق من الدولة”، كما قالت لـ”سوريا على طول”.

غاية السيدة الخمسينية من حفر البئر “استغلال الأرض بمزروعات مروية”، بعد أن كانت تعتمد على المزروعات المعتمدة على مياه الأمطار (البعلية)، من قبيل: القمح والشعير وبعض البقوليات، إضافة إلى إمكانية تأجير “البئر والأرض المحيطة به”، مقابل إيجار سنوي، أو “بيع المياه لأصحاب الصهاريج” الذين يبيعونها بدورهم للأهالي كمياه صالحة للشرب، إذ يتراوح سعر الصهريج الواحد بين 50 و70 ألف ليرة سورية (3.9 و5.4 دولار أميركي، بحسب سعر الصرف في السوق الموازية البالغ 12,820 ليرة للدولار الواحد).

بعد تدفق مياه البئر في أرضها، تخطط أم محمود لتحويل جزء من أرضها إلى “بستان عنب ورمان”، على حد قولها.

رجل يقف أمام حفارة آبار في مدينة إنخل شمال درعا، أثناء حفر بئر ضمن مبادرة شعبية لتوفير مياه الشرب، 06/ 04 / 2023 (مدينتي إنخل)

رجل يقف أمام حفارة آبار في مدينة إنخل شمال درعا، أثناء حفر بئر ضمن مبادرة شعبية لتوفير مياه الشرب، 06/ 04 / 2023 (مدينتي إنخل)

تغير عمق الحفر!

منذ خمس سنوات بدأ سليم أبو عقاب (اسم مستعار)، صاحب حفارة آبار ارتوازية، يلاحظ انخفاض مستوى المياه الجوفية في منطقة الجيدور، شمال غرب درعا، التي تضم مدن وبلدات: إنخل، جاسم، الحارة، نوى، الصنمين، وكفرشمس وغيرها.

حتى عام 2018، كانت مياه البئر تتدفق عند عمق 90 متراً، وفي أسوأ الحالات يصل العمق إلى 150 متراً، لكن “هي مرات قليلة التي وصلنا إلى هذا العمق آنذاك”، كما قال أبو عقاب لـ”سوريا على طول”، بينما يتراوح العمق حالياً بين 150 و210 متر، وفي بعض الأحيان “قد لا تخرج المياه”، ما يعني “تكبد المزارع خسارة مالية قد تصل إلى 17 ألف دولار”.

بالتوازي مع ذلك، ازدادت ظاهرة زيادة عمق الآبار المحفورة أصلاً، نتيجة انخفاض مستوى المياه أو غزارة مياهها، وتتراوح الزيادة “بين عمق 10 و25 متراً” حسب الحاجة والمنطقة، وفقاً لأبو عقاب، الذي يحفر الآبار العشوائية ليلاً، للتواري عن أعين الأمن، إلا في بعض الأحيان يعمل “تحت رعايتهم” مقابل تقديم رشى للأمن الجنائي ومديرية الري في درعا، ناهيك عن نحو 2 مليون ليرة سورية (162 دولاراً) لكل حاجز تمرّ حفارته منه.

وفي هذا السياق، قال المهندس المائي من ريف درعا أنه “زاد عمق الحفر من 100 إلى أكثر من 250 متر في محافظة درعا”، ما ينذر بـ”تسرب المياه” من الحامل الأول (طبقة عروق الماء)، إلى الحامل الثاني في باطن الأرض، وهو ما “يؤثر على المياه الجوفية المغذية للينابيع”.

وأشار إلى أن مناسيب مياه الآبار في المنطقة الغربية بدرعا كانت تقع على منسوب استاتيكي 50 إلى 70 متر، (يُقصد بالمنسوب الاستاتيكي بمنسوب المياه في البئر في حالة عدم السحب والضخ، وهي المسافة بين سطح الأرض وحتى عمق المياه الجوفية)، بينما صار المنسوب اليوم من 120 إلى 150 متر”.

انخفاض مناسيب المياه الجوفية “يدفع المواطنين إلى الحفر أكثر أو زيادة عمق آبارهم الإرتوازية، وهذا يسبب جفاف الينابيع الطبيعية ويؤثر على توفر مياه الشرب للمدن والقرى”، كما قال المهندس.

ويتفق المصدر المسؤول من مديرية الموارد المائية في درعا مع المصادر الأخرى، قائلاً: “كان الحفر بعمق 125 متر في باطن الأرض كافياً للحصول على 30 إلى 35 متر مكعب من الماء في الساعة، بينما الآن يجب الحفر بعمق 200 متر للحصول على نفس الكمية”.

وأشار المصدر إلى أن منطقة الشريط الحدودي شرق درعا لا تخرج المياه إلا بأعماق تصل إلى 500 متر، وعند فحص مياه تلك الآبار تبين أنها غير صالحة للشرب كونها كبريتية وناقليتها عالية (أي تحتوي على نسبة أملاح كثيرة).

لماذا زاد عمق الحفر؟

أظهرت بيانات جمعتها “سوريا على طول”، في حزيران/ يونيو الماضي، تغير درجات الحرارة في محافظة درعا بين عامي 2007 و2021، بمعدل 1.20 درجة، مقارنة بمعدل 1.02 درجة في عموم سوريا.

وتسجل سوريا وعدد من بلدان المنطقة ارتفاع درجات الحرارة أكثر من معدلاتها، بفعل ظاهرة “القبة الحرارية”، التي تحتجز الهواء عالي الضغط تحتها، ما يعمل على رفع درجات الحرارة في المناطق المذكورة.

وفي المقابل، انخفضت الهطولات المطرية في محافظة درعا، في موسم 2022-2023 ، بنسبة 36% مقارنة بموسم 2018-2019. وتظهر بيانات جمعها مراسل “سوريا على طول”، الشهر الماضي، تذبذب معدلات الهطولات المطرية السنوي في محافظة درعا خلال الفترة من 2007 و 2023.

رغم ارتفاع معدل الهطولات المطرية خلال السنوات الخمس الماضية، مقارنة بالفترة بين 2007 و2017، إلا أن احتباس الأمطار حتى أوقات متأخرة من فصل الشتاء وارتفاع درجات الحرارة، تؤثر على المياه الجوفية وعلى بعض المحاصيل الزراعية مثل القمح.

استذكر أبو عقاب، صاحب حفارة الآبار، آخر مرة طاف فيها “الوادي”، وهو سيل موسمي يخترق مدينة إنخل، عام 2008، نتيجة غزارة الأمطار، ومنذ ذلك الوقت “تقل الأمطار بشكل سنوي تدريجياً”، ما أدى إلى انخفاض مستوى الآبار الارتوازية وتدني إنتاجيتها.

من جانبه، قال المسؤول في مديرية الموارد المائية بدرعا، أن “توسع الزراعة في درعا وتطورها، والضخ الجائر للمياه الجوفية بكافة أرجاء المحافظة لعب دوراً رئيسياً في تعمق المشكلة”، مقابل ذلك “الهاطل المطري غير قادر على تعويض النقص الحاصل بالمخزون الجوفي”، وهو ما تسبب في “جفاف الينابيع السطحية والمسطحات المائية الطبيعية مثل بحيرة المزيريب”. 

يضاف إلى ذلك، التعديات البشرية وعمليات الحفر الجائر للآبار الارتوازية، تلعب الدور الأكبر في التأثير على مياه المنطقة. زاد عدد الحفارات في منطقة الجيدور من ثلاث حفارات إلى سبع، وهو مؤشر على زيادة أعداد الآبار المحفورة، كما قال أبو عقاب، مشيراً إلى أنه حفر منذ بداية العام الحالي 20 بئراً في منطقة الجيدور، “وهو رقم كبير جداً”، على حد قوله.

وأشار أبو عقاب إلى أن مدن: إنخل وجاسم وكفرشمس والمناطق المجاورة لها، هي أكثر المناطق التي تشهد عمليات حفر للآبار، نتيجة “بعد مياه وادي الأشعري القريبة من نوى عنها، وهي كانت مصدر مياه الشرب للمنطقة”، مؤكداً أن “الكثير من الآبار التي نحفرها ليست لأغراض زراعية وإنما للشرب وبيع صهاريج مياه الشرب”.

مقابل ذلك، جفت العديد من الينابيع الطبيعية بريف درعا، هذا العام، من قبيل: النبع المغذي لبحيرة المزيريب، ونبع زيزون ونبع عين الساخنة وغيرها، كما قال المهندس المائي من ريف درعا.

وفيما لم يلحظ أبو عقاب، أي تغير في نوع المياه المستخرجة من الآبار، رصد المهندس المائي من ريف درعا مجموعة من التغيرات من قبيل: “زيادة درجة العكارة لمياه الينابيع من 2 وحدة عكارة إلى 8 وحدات عكارة، لبعض الينابيع مثل المزيريب”، عما كانت عليه قبل ثلاث سنوات.

إضافة إلى “ارتفعت نسبة الأملاح الكلية من 140 إلى 200 مليجرام لكل لتر، وزيادة الناقلية الكهربائية من 300 إلى 400″، كما “زادت كمية الكلور المطلوب للتعقيم من 0.6 جرام إلى 1.2 جرام لكل متر مكعب، للحصول على فعالية تعقيم بسبب فقدان قسم من الكلور بالعكارة”، بحسب المهندس.

لكن التأثير الأكبر لعمليات الحفر العشوائي للآبار ينعكس على توفير مياه الشرب العامة، لا سيما بعد أن “انخفضت غزارة الكثير من الينابيع، بحيث صارت لا تكفي لتشغيل محطة الضخ العاملة على مصدر النبع”، بحسب المهندس، محذراً من أن “جفاف الينابيع يؤثر بدوره على المناخ والأشجار المحيطة بمنطقة النبعة”.

تأثر مياه الشرب!

يشتري أبو حسام (اسم مستعار)، 28 عاماً، المقيم في مدينة إنخل شمال درعا، صهريج ماء للشرب لعائلته المكونة من خمسة أفراد، كل أسبوعين، لأن المياه الواصلة إلى منزله عبر الشبكة الأرضية، لا تكفي احتياجاته “بسبب ضعف ضخ المياه في الشبكة، وانقطاع التيار الكهربائي في وقت ساعات الضخ”.

ينفق أبو حسام حوالي 140 ألف ليرة سورية، ثمن صهريجي مياه شهرياً، وهو مبلغ يساوي ربع راتبه الشهري، كما قال لـ”سوريا على طول”.

وفي وقت يُشار إلى تأثير حفر الآبار على مياه حوران، شعر أبو حسام بـ”تحسن وضع المياه” عما كان عليه سابقاً، كنتيجة للمشاريع والمبادرات الشعبية التي شهدتها غالبية مدن وبلدات المحافظة، بما فيها إنخل، بتمويل من أبناء حوران داخل سوريا وخارجها، وتم تخصيص تلك الأموال لمشاريع مياه الشرب إلى جانب إنارة الشوارع وترميم المدارس.

شهدت هذه المناطق عمليات حفر آبار ارتوازية وتركيب وحدات طاقة شمسية لتشغيلها، إلى جانب صيانة شبكات ضخ المياه، من التبرعات، وهو ما أدى إلى تحسن واقع هذه الخدمات قليلاً، لكنها ما تزال دون المستوى المطلوب، بحسب عدد من المصادر المحلية التي تحدثت لـ”سوريا على طول”.

تعليقاً على ذلك، قال مصدر من وحدة مياه الشرب بمدينة إنخل، التابعة للمؤسسة العامة لمياه الشرب، أن هناك 11 بئراً يتبع لوحدة المياه، مجموع غزارتها 204 متر مكعب في الساعة، مشيراً إلى أن “اثنين منها بغزارة منخفضة جداً”.

وأضاف المصدر في حديثه لـ”سوريا على طول”، شريطة عدم كشف هويته، أنه “بحسب كمية المياه المنتجة يومياً من الآبار باستخدام الطاقة الشمسية والتيار الكهربائي معاً، فإن حصة الفرد الواحد يومياً 32 لتر، وهي خُمس حصة الفرد في الظروف الطبيعية”. حددت منظمة الصحة العالمية كمية المياه المطلوبة، لضمان تلبية معظم الاحتياجات الأساسية وتفادي المشاكل الصحية بـ50 إلى 100 لتر يومياً للفرد الواحد. 

بصورة أوسع، “تتغذى محافظة درعا من مصدرين مائيين، الأول هي الينابيع، بغزارة إجمالية 3 آلاف متر مكعب في الساعة. والثاني، الآبار ، البالغ عددها 430 بئراً، بغزارة إجمالية 7 آلاف متر مكعب في الساعة”، بحسب مصدر مسؤول في المؤسسة العامة لمياه الشرب في محافظة درعا.

وبحسب هذه الأرقام، يبلغ متوسط نصيب الفرد اليومي في المحافظة نحو ١٠٠ لتر يومياً، مقارنة بـ 150 لتر يومياً، قبل عام 2011.

وشدد المسؤول على خطورة الحفر العشوائي للآبار، مشيراً إلى أنها “تستنزف المياه الجوفية وتؤدي إلى هبوط مناسيب بعض المصادر المائية المغذية لشبكة مياه الشرب وجفاف بعضها الآخر”، في وقت تتأثر مياه المنطقة بـ”التأثير المناخي والجفاف، وبرامج التقنين الكهربائي وعدم استقرار التيار ووروده بتوتر منخفض، ما يؤثر سلباً على استمرار عملية ضخ المياه، وتعطل بعض التجهيزات الميكانيكية والكهربائية”.

لكن، أمام انقطاع التيار الكهربائي لفترات طويلة، قد تمتد إلى 24 ساعة متواصلة في بعض الأحيان عن مدينة إنخل، وأزمة المحروقات التي تشهدها البلاد، لاسيما مادة المازوت المستخدمة في تشغيل تشغيل مضخات المياه، “تتفاقم مشكلة المياه في درعا، ويزيد حجم التعديات على الشبكة”، بحسب المصدر من وحدة المياه.