5 دقائق قراءة

السويداء تتمسك بسلمية حراكها واستمراريته في مواجهة تعزيزات النظام

يتميز حراك السويداء بمشاركة نسائية فاعلة، وإصرار المتظاهرين على سلمية مظاهراتهم المستمرة منذ 286 يوماً، التي أحرجت حكومة دمشق في طريقة التعامل معها.


1 يونيو 2024

السويداء- مع صبيحة يوم الجمعة، توافد المتظاهرون إلى ساحة الكرامة بالسويداء للمشاركة في المظاهرة المركزية، متمسكين بمطالبهم التي وصلت حدّ “إسقاط النظام”، ومواصلين حراكهم لليوم 286 على التوالي، في تحدّ لتعزيزات النظام الأمنية والتغييرات التي أحدثها في منظومته بالمحافظة الجنوبية.

في أواخر نيسان/ أبريل الماضي، استقدمَ النظام تعزيزات عسكرية إلى السويداء. وفي أيار/ مايو، أصدر بشار الأسد المرسوم رقم 102 لعام 2024، عين بموجبه اللواء أكرم محمد محافظاً للسويداء وأنهى تعيين بسام ممدوح بارسيك المحافظ السابق للمحافظة، ضمن إجراءات شملت تعيين أربعة محافظين جدد.

محافظ السويداء الجديد ينحدر من محافظة حمص، وهو من أبرز ضباط إدارة المخابرات العامة (أمن الدولة)، ومتهم بارتكاب جرائم حرب خلال رئاسته للأفرع الأمنية، وتنفيذ عناصره عمليات قتل تحت التعذيب.

تشير تحركات النظام الأخيرة، أو على الأقل هذا ما تحاول ماكينته الإعلامية الترويج له،  إلى نيته وضع حدّ لمظاهرات السويداء، ذات الغالبية الدرزية، بعد أن انتهج في الأشهر الماضية سياسة التجاهل الحراك.

اقرأ المزيد: حراك السويداء: مستقبل ضبابي يفرضه “تجاهل” النظام

في الواقع “لا يمكن أن يُقدم النظام على شن عملية عسكرية في السويداء”، بحسب الناشطة الحقوقية راية سبيعي، معللة ذلك في حديثها لـ”سوريا على طول” بأن “النظام يلعب على كرت حماية الأقليات، وبما أن السويداء تُعد أقل دينية فإن الهجوم العسكري عليها سيحرق هذا الكرت الأخير، الذي يفاوض به دولياً”، ناهيك عن أن قرار الهجوم “ليس فقط بيده وإنما متعلقٌ بحليفتيه روسيا وإيران”. وفقاً لها.

ولكن “قد يحاول النظام بث حالة الخوف والرعب، عبر تصدير الإشعاعات بوجود تنظيم داعش في المنطقة، أو شن حرب إعلامية ضد المتظاهرين والمتظاهرات في ساحة الكرامة”، كما أوضحت سبيعي.

تشهد محافظة السويداء احتجاجات شعبية، منذ 20 آب/ أغسطس 2023، بدأت رداً على جملة من القرارات الحكومية، منها رفع الدعم عن المحروقات، ثم تطورت إلى إضراب عام في القطاع الخاص ودوائر الدولة، لتتحول المطالب الاقتصادية إلى سياسية، من قبيل تطبيق قرار مجلس الأمن 2254، والإفراج عن المعتقلين السياسيين، وأعلاها سقفاً المطالبة برحيل الأسد. 

تميز حراك السويداء بمشاركة نسائية فاعلة، وإصرار المتظاهرين على سلمية المظاهرات، التي أحرجت حكومة دمشق في طريقة التعامل معها، فعمل على استمالة الحراك عبر العديد من وجهاء السويداء التابعين له، وأعطى وعوداً بإعطاء المحافظة بعض المميزات عن باقي المحافظات السورية، مثل زيادة حصتها من الكهرباء والمحروقات وإلغاء الملاحقات الأمنية بحق معارضيه من أبناء السويداء.

ومع فشله في سياسة الترغيب وعدم جدوى التجاهل، استخدم النظام العنف في الرد على حراك السويداء، كما حصل في أواخر شباط/ فبراير 2024، عندما أطلقت قوات الأمن النار لتفريق المتظاهرين أمام مركز التسويات في السويداء، ما أدى إلى مقتل جواد الباروكي، الذي كان في صفوف المتظاهرين، ومن ثم أتبعها بالتعزيزات العسكرية.

الحراك مستمر

منذ اندلاع احتجاجات السويداء، العام الماضي، تحرص الناشطة الحقوقية راية سبيعي على المشاركة. في الثلاثة أشهر الأولى “كنت متواجدة بشكل يومي”، لأن الاحتجاجات “تمثلني، وتحقق مطالبي، وتعبّر عن المطالب المحقة للسوريين”.

أثارت تعزيزات النظام “القلق والتساؤل” عند سبيعي “عن سبب التعزيزات وكيف ستتعامل مع الحراك”، لكن لم يؤثر ذلك على قرارها في المشاركة، ولم تعطّل التعزيزات حركة المتظاهرين والمتظاهرات حتى الآن، “كونها تمركزت في الأماكن العسكرية المخصصة لها” بعيداً عن الحراك. قالت مصادر من السويداء لـ”سوريا على طول” أن التعزيزات وصلت إلى مطاري الثعلة وخلخلة العسكريين، وفرعي الأمن العسكري والمخابرات الجوية.

ربما كان للمرجعيات الدينية والفصائل المحلية دور في تحجيم دور التعزيزات العسكرية أو الحدّ من تأثيرها على المتظاهرين. إذ بعد وصولها شهدت المحافظة عدة اجتماعات على مستوى القيادات الدينية والعسكرية والاجتماعية، من قبيل لقاء يحيى الحجار، قائد حركة رجال الكرامة، أبرز الفصائل المحلية في السويداء، مع الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز، الشيخ حكمت الهجري، وأكد الحجار في الاجتماع على أن “التصعيد مرفوض من أي جهة كانت”.

وجددت فعاليات السويداء تأكيدها على سلمية المحافظة ورفض جرّها إلى الاقتتال العسكري، فيما أعلنت فصائل محلية رفع جاهزيتها تحسباً لأي عملية عسكرية تحدث ضد السويداء.

وفي هذا السياق، أعرب سليمان عبد الباقي، قائد فصيل تجمع أحرار جبل العرب عن دعم فصيله للحراك، مشدداً في حديثه لـ”سوريا على طول” على استمرار الحراك “حتى تحقيق مطالبه المشروعة”.

من وجهة نظر الصحفي حمزة المختار، كان للتعزيزات العسكرية “دور إيجابي بالنسبة لأهالي السويداء، لأن دخول التعزيزات جمعت أهالي المحافظة وزادت من تكاتفهم، وأعطى زخماً للمتظاهرين في ساحة الكرامة”.

جموع المتظاهرين يحتشدون في ساحة الكرامة بمحافظة السويداء بعد أيام من وصول تعزيزات عسكرية للنظام إليها، 03/ 05/ 2024، (نور الناشط)

جموع المتظاهرين يحتشدون في ساحة الكرامة بمحافظة السويداء بعد أيام من وصول تعزيزات عسكرية للنظام إليها، 03/ 05/ 2024، (نور الناشط)

وبعكس ما يرنو إليه النظام “صار هناك دافع أكثر للأهالي للاستمرار في موقفهم دون تراجع”، ودليل ذلك “المظاهرات التي تخرج بشكل يومي، [إذ] لم تخل ساحة الكرامة من المتظاهرين  رغم كل الظروف الأمنية والاقتصادية والمناخية”، كما قال المختار لـ”سوريا على طول”.

بدوره، قلل الناشط مروان حمزة من تعيين محافظ جديد “له سوابق في تعذيب السوريين واضطهادهم”، معتبراً أن تعيينه “لن يغير شيء في المعادلة لأنه مأمور من جهات أمنية أعلى منه”.

“النساء عصب الحراك”

تلعب نساء السويداء دوراً بارزاً في حراك المحافظة، وأخذن دورهنّ في “قيادة الحراك”، كما قالت إحدى الناشطات المشاركات في المظاهرات لـ”سوريا على طول”، شريطة عدم ذكر اسمها لدواعٍ أمنية.

“النساء عصب الحراك، ودائما ما يشاركن في كل المبادرات، بما فيها الكبيرة والمهمة”، بحسب الناشطة، واستمرارهنّ في الحراك يأتي من “إيمانهنّ بأن توقفهنّ قد يحدث خللاً وهذا الخلل قد ينتهي بتوقف الحراك”، كما قالت.

وبدلاً من تراجع حضورهنّ بعد تعزيزات النظام وتغيير المحافظ “زادت مشاركة الأهالي، وزاد إصرارهم على المشاركة”، كما أوضحت الناشطة، لافتة إلى أن تلويح النظام بالقوة عبر التعزيزات “دفعت الأشخاص الذين توقفوا عن المشاركة بالعودة إلى الساحة والتظاهر”.

وأضافت الناشطة: “نحن نثبت سلمية حراكنا ومدى أحقيته” في تحدّ للتعزيزات العسكرية، مشددة على أنه “رغم حالات التشهير والإساءة على وسائل التواصل الاجتماعي لم تتوقف النساء عن التواجد في الساحات للمطالبة بكرامتهن وحقوقهن”.

بالتغييرات التي أحدثها النظام في منظومته الأمنية والإدارية يدخل حراك السويداء مرحلة جديدة “لا يمكن إيجاد تصور واضح لمستقبله”، بحسب سبيعي، غير أن “هذا الحراك لن يتوقف أو ينتهي بسهولة بعد مضي عشرة أشهر عليه، حافظ خلالها على سلميته”.

ورغم قوة الحراك إلا أن “المسار السياسي على الصعيد الإقليمي والدولي هو الذي سيلعب دوراً كبيراً بمستقبل الحراك”، ومن دون ذلك “قد ينتهي الحراك بتحقيق المطالب المرجوة أو بالقمع، أو قد يراهن النظام على تعب الناس أو صرفهم عن الحراك بمشاكل أخرى”، وفقاً لسبيعي.

شارك هذا المقال