مدة القراءة: 8 دقائق |

الضربات التركية تفاقم أزمة الطاقة والتلوث في شمال شرق سوريا 


ديسمبر 8, 2022

القامشلي، أربيل- يجلس أبو فهد أمام منزله الصغير في قرية معشوق بمحافظة الحسكة، شمال شرق سوريا، قلقاً بشأن حال قريته عقب القصف التركي الذي ضرب حقل نفطٍ وأحد محولات الطاقة المجاورة. 

“انقطعت الكهرباء والماء منذ ذلك الحين لأنَّ القرية لا تغذيها مولدة كهربائية خاصة [أمبيرات]، وإنما الشبكة الرئيسية فقط”، كما قال أبو فهد، لـ”سوريا على طول”، يوم الأحد، أي بعد نحو أسبوع تقريباً من الضربات.

وأضاف: “بقي لدينا برميل واحد من ماء الشرب، ولكن لم يبق لدينا ماء للاستعمال المنزلي ولسقاية الحيوانات”، قائلاً بحزن “القرية كلها تعتمد على هذا البئر”.

منذ أشهر، يعيش المزارع الخمسيني، صاحب الأرض المتاخمة للحدود السورية-التركية في ترقبٍ وخوفٍ من الهجوم التركي، ولم يتمكن من زراعة أرضه، البالغ مساحتها 15 هكتاراً “بسبب التوترات مع تركيا”.

تقع قرية معشوق في نطاق الأراضي الواقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي يهدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بشن هجوم بري عليها منذ آذار/ مارس لإنشاء “حزام أمني” على طول الحدود.

وفي 20 تشرين الثاني/ نوفمبر، أطلقت تركيا عملية عسكرية استهدفت أجزاء من شمال سوريا والعراق، وشنت عشرات الغارات الجوية وقصفت مجموعةً كبيرة من الأهداف على مدى عدة أيام.  

وكانت العملية المسماة “عملية المخلب-السيف”، رداً مباشراً على تفجيرٍ إسطنبول، في 13 تشرين الثاني/ نوفمبر، الذي أسفر عن مقتل ستة أشخاص وإصابة 81 شخصاً.

واتهمت تركيا حزب العمال الكردستاني (ب ك ك) و “قسد” بالوقوف وراء الهجوم، وكلاهما نفى ضلوعهما في العملية. تعتبر تركيا وحدات حماية الشعب الكردية السورية (ي ب ك) المكوِّن الرئيسي لقسد، المدعومة من الولايات المتحدة في شمال سوريا، امتداداً لحزب العمال الكردستاني، المدرج ضمن قائمة المنظمات الإرهابية من قبل تركيا وأميركا. 

استهدفت الغارات الجوية والقصف التركي قيادات حزب العمال الكردستاني في منفاهم بسوريا والعراق، وكذلك وحدات حماية الشعب وبعض القوات الحكومية السورية، وسبق لأنقرة أن اغتالت العشرات من عناصر وحدات حماية الشعب عبر طيرانها المسير.

لم يقتصر القصف التركي على الأهداف العسكرية، وإنما استهدفت أنقرة البنية التحتية المدنية في شمال سوريا، منذ 20 تشرين الثاني/ نوفمبر، وفقاً لوسائل إعلام محلية ومراقبي حقوق الإنسان، ومن المواقع المستهدفة: مركز لعلاج كوفيد-19، وصوامع حبوب، ومحطات توليد طاقة، وحقول نفط، ومحطة وقود. 

يبدو أنّ الجيش التركي يسعى من خلال استهدافه محطات الطاقة إلى قطع شريان حياة الإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا، التي تتولى إدارة مناطق سيطرة “قسد”، المتمثل بإنتاج النفط، لكن الضربات قطعت الماء والكهرباء والتدفئة عن آلاف المدنيين أيضاً.

وعند ضرب مواقع مثل حقول النفط، لا تنحصر المخاطر بالتأثير المباشر قصير الأمد على حياة المدنيين فحسب، وإنما بالتأثير بعيد الأمد  على الصحة الناجمة عن التلوث البيئي.

أبو فهد يتحدث عن آثار الغارات التركية على قريته معشوق بمحافظة الحسكة، 27/ 11/ 2022 (سولين محمد أمين/ سوريا على طول)

أزمة طاقة

“تسعى تركيا من خلال هذه الضربات إلى تدمير البنى التحتية للطاقة في المنطقة”، كما قالت لـ”سوريا على طول”، رشا عباس، الرئيسة المشتركة لمكتب الطاقة في الإدارة الذاتية لمنطقة الجزيرة (التي تقابل محافظة الحسكة تقريباً)، مؤكدة أن أنقرة “قصفت معمل الغاز [السويدية]، الذي يغذي جميع أنحاء شمال شرق سوريا، ويُنتج نحو 13-14 ألف اسطوانة غاز يومياً للاستخدامات المنزلية”.

كذلك، انقطعت خدمات المياه في بعض البلديات إثر قصف محطات الطاقة وحقول النفط، كون عمل المضخات ومحطات التنقية يتوقف على توفر الكهرباء، وبالتالي توقفت مع انقطاعها.

“أسفر قصف محولات الطاقة ومحطات النفط وغيرها من البنى التحتية للطاقة عن انقطاع التيار الكهربائي في 17 قرية حول القحطانية (تربسبي)”، كما أوضح محمد المحمود، العامل في حقل معشوق النفطي، لـ”سوريا على طول”. 

وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، انقطعت الكهرباء في مدينتي القامشلي والمالكية (ديريك)، ما زاد الاعتماد على المولدات الخاصة (الأمبيرات)، التي تعتمد في تشغيلها على الوقود أيضاً.

وبالتوازي مع ذلك، تعطلَّ الإنتاج في حقول النفط في معظم أنحاء محافظة الحسكة الغنية بالنفط، إذ “توقفت أربع آبار من أصل سبعة عقب الضربات” في معشوق وحدها، قال محمد وهو يشير إلى الخزانات والأنابيب السوداء. 

محمد المحمود يعاين الأضرار التي طالت حقل معشوق النفطي في محافظة الحسكة، شمال شرق سوريا، 27/ 11/ 2022 (سولين محمد أمين/ سوريا على طول)

من جهته، قال عبد اللطيف أحمد، مسؤول إداري في حقلٍ نفطي يعود لـ”شركة عودة للنفط“، وهي شركة تابعة للإدارة الذاتية تدير حقول النفط في الحسكة، أن “الخسائر كبيرة وبالملايين”، وأضاف في حديثه لـ”سوريا على طول”، الخميس، تحت اسم مستعار كونه غير مخول بالحديث إلى وسائل الإعلام، “تعرض أكثر من 20 موقعاً لإنتاج النفط ومواقع فرعية للضرب”.

وفي حديثه عن حقل نفطي آخر بالقرب من القحطانية ضُرِب بقذيفة هاون مؤخراً، قال أحمد أنّ إنتاج هذا الحقل، كان يتراوح بين 400 و600 برميل يومياً، وخرج عن الخدمة كلياً بعد الأضرار التي طالت خزانين نفطيين.

واستأنف أحمد “لا تنقصنا الوسيلة لإصلاح حقول النفط، إلا أننا لا نعتزم إصلاحها في الوقت الحالي خشية استهدافها ثانيةً”.

الاستنزاف والتلوث

مع حلول فصل الشتاء، من المُرجّح أن تؤثر الأضرار التي طالت البنية التحتية للوقود ومحطات الطاقة على توفر وسائل التدفئة، وتسهم في ارتفاع أسعارها، في جميع أنحاء مناطق سيطرة قسد، إضافة إلى أنها ضربة اقتصادية، كونها المصدر الرئيس لإيرادات الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا.

وتعتمد الإدارة الذاتية في تقديم الخدمات الأساسية ودفع رواتب مقاتلي “قسد” على عائدات تصدير النفط الخام إلى كردستان العراق ومناطق سيطرة النظام في سوريا. وبالتالي،  “هجمات تركيا، على الأرجح، إشارة إلى قدرتها على منع الإدارة الذاتية من الحصول على دخل من مبيعات الوقود”، كما قال فيم زويجنينبيرج، مدير أحد برامج منظمة “باكس” الهولندية لبناء السلام، التي أجرت العديد من الدراسات حول التأثير البيئي للحرب في سوريا.

بالإضافة إلى حقول النفط التي تستخرج النفط الخام للتصدير، تنتشر في منطقة الجزيرة مصافي تكرير عشوائية تنتج مادة الديزل (المازوت) منخفض الجودة، المخصص للبيع في الأسواق المحلية. هذه المصافي البديلة للنظامية المتضررة من الحرب، هي مصدر رئيسي للتلوث في جميع أنحاء سوريا، كونها تسببت في “انسكاب النفط على الأراضي وفي الأنهار والجداول المحلية على مدى سنوات”، بحسب زويجنينبيرج، محذراً من أن “عدم تصريف نفايات النفط بطريقة سليمة، وعدم وجود مصافي نظامية تعمل باحترافية يسبب تلوثاً خطيرا للهواء والتربة”. 

المخلّفات النفطية الناتجة عن التكرير العشوائي تتسبب في تلوث التربة المحيطة، كما هو واضح حول هذه المصافي، التي أغلقت مؤخراً، في شمال محافظة الحسكة، 11/ 10/ 2022 (ليز موفة/ سوريا على طول)

ويرتبط التلوث النفطي بارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان وأمراض الجهاز التنفسي وظهور العيوب الخلقية في شمال شرق سوريا، كما أوضح مسؤولون من وزارة الصحة في الإدارة الذاتية لـ”سوريا على طول”، في تشرين الأول/ أكتوبر.

من أجل ضبط هذا القطاع وتنظيمه، بذلت سلطات الأمر الواقع في السنوات الأخيرة جهوداً، حتى إن كانت محدودة، لكنها مستمرة، وفي إطار ذلك جرّمت عمالة الأطفال في المصافي وحظرت تشغيل الأفران البدائية جداً.

ويمكن أن تنسف عملية المخلب -السيف هذه الجهود عن بكرة أبيها، وتعمّق الحاجة إلى صيانة وإصلاح البنية التحتية المتضررة، وكذلك لتنظيف آثار انسكاب النفطي الناتج عن التكرير العشوائي، خاصة أن خروج بعض المنشآت النفطية الكبيرة في المنطقة عن الخدمة، سيسهم في إعادة عمل بعض المصافي العشوائية التي أغلقت سابقاً.

“يبدو أن تأثير الضربات الحالية بحد ذاتها محدودٌ، وينحصر باحتمال حدوث تلوثٍ في الهواء والتربة والمياه محلياً، ولكن في ظل نقص المعدات الكافية ومحدودية إمكانيات الترميم، قد تستغرق عمليات التنظيف والإصلاحات وقتاً طويلاً، مما سيفاقم التلوث الحالي ويؤدي إلى انهيار أكبر في البنية التحتية النفطية”. وفقاً لزويجنينبيرج

وأضاف “في شمال شرق سوريا أكثر من 1000 كيلومتر من خطوط أنابيب النفط والغاز القديمة التي لابدّ من استبدالها، وما لا يقل عن 20 مجموعة من المصافي البدائية، التي ما تزال قيد التشغيل في الحسكة، وأكثر من 12 مكباً للنفايات النفطية بُنيت بطريقة بدائية جداً”.

أزمة ذات نطاق واسع 

يحظر القانون الإنساني الدولي على الأطراف المتحاربة استهداف البنية التحتية المدنية، بما في ذلك البنية التحتية للطاقة، إلا في حال استخدامها لغرض عسكري، وحينها يجب تقديم أدلة لتسويغ الضربات، كما يحظر البروتوكول الأول الإضافي لاتفاقية جنيف على وجه التحديد “استخدام وسائل أو أساليب للقتال، يقصد بها أو قد يتوقع منها أن تلحق أضراراً بالغة واسعة الانتشار وطويلة الأمد”.

ولكن في جميع أنحاء العالم، لم يلتزم المتحاربون، حتى الآن، كثيراً بهذه الأحكام، التي يصعُب إخضاع مُنتهكيها للمساءلة في المحاكم الدولية.

“عندما يتعلق الأمر بمساءلة الدول عن الأضرار البيئية بموجب القانون الدولي الحالي، هناك ثغرات خطيرة”، بحسب زويجنينبيرج، معتبراً أن “عتبة المساءلة مرتفعة حقيقة، أي أن الضرر يجب أن يكون جسيماً وطويل الأمد وواسع النطاق في الوقت نفسه”.

“وفي حالة شمال شرق سوريا، لا تحقق الانسكابات الصغيرة [هذه المعايير]، حتى الأضرار طويلة الأمد التي لحقت بالبيئة المحلية جرّاء إلقاء النفايات النفطية لا تحققها”، وفق زويجنينبيرج. 

تندرج الضربات الأخيرة ضد البنية التحتية للطاقة ضمن إطار أوسع لنمطٍ عانت منه سوريا مراراً وتكراراً منذ عام 2011، إذ قامت أطراف الحرب جميعها باستخدام البنية التحتية للطاقة كسلاح.

في عام 2015، قصف النظام السوري محطة حلب الحرارية، إحدى محطات الطاقة الرئيسة في البلاد، لقطع الكهرباء عن أجزاء في مدينة حلب كانت تحت سيطرة المعارضة آنذاك. وفي عام 2016، قصف أيضاً محطة زيزون لتوليد الكهرباء في إدلب، لتقوم الجماعات الإسلامية بنهبها. وكانت المحطتان تشكلان 15% من إنتاج الكهرباء في سوريا.

وفي العام التالي، دمرّ التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة (داعش) بقيادة الولايات المتحدة محطة رئيسة لتوليد الكهرباء في دير الزور، كما استهدف حقول نفط في الصحراء السورية والعراقية لحرمان داعش من الإيرادات، مخلِّفاً وراءه تركته الخاصة من التلوث. 

ونتيجة لذلك، يعاني قطاع الطاقة السوري من حالة يرثى لها. تأقلم الكثير من السوريين على الاكتفاء ببضع ساعات من الكهرباء يومياً، والوقوف أمام محطات الوقود لساعات في طوابير انتظاراً لتزويد سياراتهم بالوقود ودرء برد الشتاء عنهم بما يتوفر أمامهم من خيارات على قلتها.

ووفقا لدراسة تقييمية أجريت عام 2021، يستهلك السوريون حالياً فقط 15% من كهرباء الدولة التي كان جلّ اعتمادهم عليها قبل الحرب. وبذلك، زاد الاعتماد على المولدات التي تعتمد على الوقود في جميع أنحاء البلاد، ما يعني زيادة تلوث الهواء من الدخان المنبعث منها. 

في أعقاب الضربات، يسعى آلاف الأشخاص في شمال شرق سوريا، الذين تأثروا بشكل مباشر أو غير مباشر بعملية المخلب- السيف، إلى تأمين الكهرباء والمياه والتدفئة، ويُمكن أن يستمر تعطل خدمات الطاقة لأسابيع أو أشهر، بناءً على مسار العملية العسكرية التركية.

ولكن، حتى لو تم تلبية الاحتياجات الفورية، ما تزال هناك كارثة تزحف ببطء، فالتداعيات البيئية طويلة الأمد للحرب ستستمر لسنوات قادمة.

مخلّفات نفطية حول مصفاة تكرير عشوائية في شمال محافظة الحسكة، 11/ 10/ 2022 (ليز موفة/ سوريا على طول)

تم نشر هذا التقرير أصلاً باللغة الإنجليزية وترجمته إلى العربية فاطمة عاشور.