“الطبيب” درويش واحد من أكثر المخلصين في المجال الإنساني يرحل عن مضايا


أبريل 27, 2017

كان محمد درويش، ذو السادسة والعشرين عاماً، لزمن طويل نافذتنا في موقع سوريا على طول إلى بلدته في أطراف دمشق، مضايا.

وكان درويش أول من أخبرنا أن الناس يموتون جوعاً في مضايا في كانون الأول عام 2015، بعد خمسة شهور من تطويق النظام السوري وحلفائه للبلدة الجبلية التي كانت ملاذاً ساحراً يقصده الدمشقيون والسياح. وكان آنذاك طالب طب أسنان، وواحد من ثلاثة من أهالي مضايا الذين بالكاد يمتلكون تدريباً طبياً.

وتحدث درويش لسوريا على طول أيضاً عن المرضى الذين آتوه طلباً للمساعدة مع تشديد الحصار: رجال ونساء بإصابات رصاص قاتلة من القناصة الموالين للنظام الذين يطوقون البلدة وأكثر من عشرين حالة فشل كلوي بسبب نقص الإمدادات الغذائية. وفي آواخر تموز، وصف درويش عشرات الحالات من الإجهاض منذ بدء الحصار نتيجة “تأثير سوء التغذية الملازم لسكان البلدة منذ أشهر”.

محمد درويش. حقوق نشر الصورة لـ محمد درويش.

ولكن مع التدريب الذي تلقاه كطبيب أسنان والمستلزمات الطبية القليلة، لم يكن بوسع درويش أن يقدم لمرضاه الكثير، وكثيراً ما ينتهي به الأمر وهو يراقبهم يموتون أمامه،”وهذا ما يجعلني دائم التفكير والشعور بتأنيب الضمير”، وفق ما قال لسوريا على طول في شباط.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، انتهى الحصار. واستسلمت مضايا. ورحل درويش مع ما يقدر بـ 3000 آلاف من أهالي مضايا إلى إدلب بموجب اتفاقية إخلاء والتي أنهت أخيراً عامين من الحصار الكلي. وفضل أن يغادر على أن يبقى ليعيش تحت سيطرة النظام، وفق ما قال لـ بهيرة الزرير، مراسلة في سوريا على طول من تركيا، على أمل أن يتابع دراسة الطب.

ما هي أسباب خروجك من إدلب وتوجهك إلى تركيا؟ وهل لديك نية بالعودة إلى إدلب؟

السبب الأول لمغادرتي إدلب هو حضور مؤتمر بأرمينيا بشهر آيار، لأنني مرشح لجائزة أورورا، جائزة إنسانية تم ترشيحي لها من قبل الجمعية الطبية الأمريكية السورية (سامز)، ومن بين 558 متسابقا كنت من الخمسة الأوائل.

(وبحسب موقعها، تمنح جائزة أورورا “باسم الناجين من الإبادة الجماعية للأرمن” لـ”تقوية المنقذين في العصر الحديث ليمنحوا الحياة والأمل لأولئك الذين هم بأمس الحاجة للإغاثة الإنسانية”. وتتضمن الجائزة منحة قدرها 100 ألف دولار. ومن المقرر أن يتم الإعلان عن الفائزين في 28 أيار في يريفان بأرمينيا).

والسبب الآخر، أنني أحاول إكمال دراسة الطب البشري وليس طب الأسنان، إذا تمكنت من الحصول على منحة دراسية سواءً في تركيا أو خارجها، للعمل على تصحيح الأخطاء التي حصلت معنا داخل مضايا، كوني عملت في تخصص غير تخصصي.

أنت طبيب أسنان غير متخرج وقمت بإجراء إسعافات وعمل جراحي، هل تشعر الآن أنك قمت بعمل غير صحيح كونك غير مختص، وليس لديك أي خبرة؟

هذا عمل غير صحيح عندما أكون في مدينة لا يوجد فيها حرب، ولا تعاني الحصار ونقص الكوادر الطبية، ونقص في كل مقومات الحياة الأساسية، فنحن كنا مضطرين لتقديم المساعدة للناس بسبب عدم توفر ذوو الخبرة من الاختصاصيين، لو أن الاختصاصين في المجال الطبي كانوا موجودين، ما كنا لنقترب ولكن كان بين أيدينا أرواح ونحن غير مؤهلين للعمل.

بعد أن كنت محاصراً ثم مهجراً ثم لاجئاً الآن في تركيا؟ ماهو شعورك الآن حين تستذكر موطنك. أخبرتنا قبل  شهرين أنك تفضل الرحيل عن مضايا، إذا كان ذلك يعني نهاية للمآساة. الآن، وبعد رحيلك، هل ما زلت تشعر بذات الإحساس؟

سورية تدمرت، بلداً وشعباً، ورغم العديد من التدخلات لوقف هذا الدمار، لكن لايوجد لها أي نتائج على الأرض وللأسف الوضع أصبح مخيفاً، لي كمحاصر ومهجر ولاجئ، كوني عايشت المراحل الثلاثة.

كمحاصر، وصلت لمرحلة أنني مستعد لأي قرار ينهي معاناتنا سواءً كان هذا الخيار هو التهجير أو النزوح أو النفي، المهم أن ينتهي هذا الحصار.

وكمهجر، عندما وصلت إلى إدلب، كلما كنت أسمع أخبار مضايا، كنت أشعر بالحزن وتعود لي ذكرياتي داخلها كونها أرضنا التي ولدنا وتربينا فيها ولن ننساها.

محمد درويش في طريقه إلى إدلب من مضايا، 14 نيسان. حقوق نشر الصورة لـ حسام محمود

وكلاجئ، أنا لا أشعر بالغربة كوني وصلت حديثاً إلى تركيا، ولكن يوجد فرق كبير بين تركيا وبلدي المدمر، وأحن لبلدي بكل تأكيد ولكن يوجد هنا العديد من أهالي مضايا الذين استقبلوني عندهم، ولا شك إذا طالت فترة لجوئي سأشعر بالغربة مستقبلاً.

ولكنني أعيش على أمل العودة إلى مضايا بأقرب وقت وأتمنى أن لا تطول فترة لجوئي.

ألم تفكر أن تبقى في إدلب لتقديم المساعدة الطبية للأهالي هناك؟

من وقت خروجي من مضايا قررت عدم العمل في العمل الطبي قبل الحصول على شهادة في الطب، بسبب وجود أطباء اختصاصيين وذوي خبرة في إدلب، وإذا زاد الضغط عليهم فأمامهم بديل أخر هو المشافي الحدودية وإدخال المرضى إلى تركيا.

فأمر العودة إلى إدلب مرهون بأمر هل سأستطيع إكمال دراستي أم لا، وهل سأحصل على منحة دراسية؟ في حال كان الجواب “لا”، فسأعود إلى إدلب.

ترجمة: فاطمة عاشور

آخر التقارير…