مدة القراءة: 5 دقائق | دمشق, سياسة

العلاقات السعودية-السورية: تبدلات إقليمية قد تحد خلافاً عميقاً بين البلدين 


يونيو 3, 2021

عمان- بدا حضور وزير السياحة في حكومة دمشق، محمد مرتيني، رفقة وفد وزاري إلى العاصمة السعودية الرياض، في 25 أيار/مايو الماضي، للمشاركة في اجتماع تعقده منظمة السياحة العالمية للشرق الأوسط، في زيارة تعتبر الأولى لوزير في نظام الأسد إلى السعودية، وكأنه بادرة تحسن في العلاقات الرسمية بين البلدين، بعد انقطاعها عقب اندلاع الثورة السورية العام 2011. وهو ما أكدته المستشارة السياسية لبشار الأسد، بثينة شعبان، في تصريح لإذاعة “شام إف إم” المحلية، في 26 أيار/مايو، إذ أشارت إلى “جهود تبذل لعلاقات أفضل بين دمشق والرياض”، بحيث “قد نشهد في قادم الأيام نتائج بهذا الموضوع”. مضيفة أن “زيارة وزير السياحة للرياض خطوة إيجابية، وقبل سنوات لم تكن ممكنة”.

ومؤخراً أيضاً، أعلنت شركات نقل سعودية خاصة إعادة تسيير رحلات برية إلى سوريا عبر الأردن، اعتباراً من حزيران/ يونيو الحالي، موضحة في إعلاناتها عن أنه سيتم تبديل الحافلات في الأردن. علماً أنه لم يتم الإعلان رسمياً عن فتح الطريق البري بين السعودية وسوريا، عبر الأردن، باستثناء شاحنات الترانزيت.

ويظل الأهم ما ذكرته صحيفة “الغارديان” البريطانية بداية الشهر الماضي عن زيارة وفد سعودي برئاسة رئيس جهاز المخابرات، الفريق خالد الحميدان، إلى دمشق في 31 نيسان/ أبريل، التقى خلالها نائب بشار الأسد للشؤون الأمنية، اللواء علي مملوك. إذ اكتفت الرياض، على لسان مدير إدارة تخطيط السياسات بوزارة الخارجية السعودية، السفير رائد قرملي، بالقول إن المعلومات بهذا الشأن “غير دقيقة”، وأن “السياسة السعودية تجاه سوريا لا تزال قائمة على دعم الشعب السوري وحل سياسي تحت مظلة الأمم المتحدة وفق قرارات مجلس الأمن”.

دوافع التوازنات الإقليمية

خلال الفترة القليلة الماضية، برزت تطورات مهمة في موقف المملكة العربية السعودية من بعض القضايا الإقليمية، لاسيما موقفها من إيران. ففي 18 نيسان/أبريل الماضي، كشفت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية عن إجراء مسؤولين رفيعي المستوى من البلدين مفاوضات مباشرة في العاصمة العراقية بغداد، في لقاء هو الأول من نوعه منذ قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في كانون الثاني/يناير 2016، عقب اعتداءات على السفارة والقنصلية السعوديتين في طهران ومشهد، احتجاجاً على إعدام السعودية المعارض السعودي الشيعي نمر النمر. 

ويعد “وصول الرئيس جو بايدن إلى البيت الأبيض، وتغييره للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط” من أبرز أسباب التقارب السعودي-الإيراني”، برأي المحلل السياسي السعودي المقيم في دبي زايد الشمري. “إذ انتقد بايدن الحرب في اليمن وأعلن عن إنهاء الدعم الأميركي للسعودية في هذه الحرب”، كما أوضح الشمري لـ”سوريا على طول”، “كما تجري الإدارة الأميركية أيضا مباحثات مع طهران حول إعادة إحياء الاتفاق بشأن برنامجها النووي للعام 2015، ما اضطر السعودية إلى التماهي مع موقف أميركا”.

يعزز هذا الرأي إعلان ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، في 28 نيسان/ أبريل الماضي، عن أنه يطمح لأن يكون للسعودية “علاقة طيبة ومميزة مع إيران”، وأنه يراهن على الدبلوماسية الإقليمية لعودة العلاقات بين البلدين.

وعليه، جاء التقارب السعودي-السوري بعد تطور المباحثات بين طهران والسعودية مؤخراً، كون “السعودية تسعى لتحقيق رؤيتها بقيادة الشرق الأوسط بعد توسع نفوذ إيران في عدة بلدان عربية أهمها سوريا”، أضاف الشمري. موضحاً أنه “نتيجة لعدم وجود أي تقدم أو تغيير في الشأن السوري، واستمرار إيران بفرض سيطرتها على النظام السوري الذي يتخذها داعماً أساسيا في حربه ضد السوريين، قررت المملكة بعد قطيعة لسنوات طويلة أن تضع يدها بيد سوريا على أنها وطن عربي لا كقيادة فحسب، لانتشالها من حضن إيران، لأن الأخيرة عدو مؤذ وغاياتها من التوسع السيطرة على البلدان العربية ككل وتشييع المنطقة العربية برمتها”.

رؤى المعارضة السورية المتباينة 

“هناك على الأقل ما يشير إلى سبر ممكنات عودة العلاقات” السعودية-السورية، بحسب الباحث السوري المقيم في تركيا عمر كوش، “إذ إن المملكة ربما لا تمانع عودة النظام السوري إلى الحضن العربي، بعد محاولات روسيا تلميعه وإعادته لمقعده في الجامعة العربية. وأيضا هناك الملفات الإقليمية وتغيراتها السياسية بعد تغير الاصطفافات وتوجهات الأنظمة في المنطقة”.

لكن ذلك كله، كما أضاف كوش لـ”سوريا على طول”، “لا يمكن أن يكون بمعزل عن الموقف الأميركي الرافض لتطبيع العلاقات العربية مع نظام الأسد، والذي يصطدم، خاصة في ملف إعادة الإعمار، بقانون قيصر الذي لا يزال مطبقاً من قبل الولايات المتحدة الأميركية ويحظى برضا وموافقة الحزبين الجمهوري والديمقراطي”. و”بالتالي لن يستفيد النظام حتى لو عادت العلاقات مع السعودية أو الجامعة العربية سوى الضخ الإعلامي الذي يحاول أن يبثه عن انتصاراته”.

في المقابل، رأى المتحدث الرسمي باسم الهيئة العليا للمفاوضات (المعارضة)، د. يحيى العريضي، أن “حضور وزير السياحة السوري مؤخراً إلى الرياض كان بدعوة من بعض المتماهين مع منظومة الاستبداد وإيران وروسيا والصين في منظمات الأمم المتحدة السياحية وليس من السعودية”. مستدلاً في حديثه لـ”سوريا على طول” بتصريح وزير خارجية قطر التي ترأس دورة الجامعة العربية حالياً بأن الأسباب التي أدت إلى طرد النظام من الجامعة لا تزال قائمة، وأن “الموقف السعودي لن يكون خارج هذا التوجه، كما إن الأمر يتعلق بمحاور دولية تحدد هكذا أمور”. إضافة إلى عدم اعتقاد العريضي أن “السعودية ستناقض تصريحاتها وتعكس مواقفها التي اتخذتها خلال السنوات الماضية من النظام السوري”.

يتفق مع ما سبق مدير منظمة سوريون مسيحيون من أجل السلام، أيمن عبد النور. إذ إن “منظمات الأمم المتحدة تستضيف في كل سنة تلك الفعاليات السياحية في بلد مختلف، وكان هذا العام من نصيب الرياض”، كما قال لـ”سوريا على طول”. مضيفاً: “لو كانت الدعوة موجهة لوزير السياحة السوري إلى الكونغو لكان ذهب إليها، وهذا لا يشير بدوره إلى تطبيع العلاقات السعودية مع النظام”.

لكن الشمري رأى أن التقارب السعودي مع نظام الاسد قد “حصل بالفعل”، وأنه “يصب في مصلحة السعودية، كون عبء الحرب السورية أثر بشكل سلبي على الجزيرة العربية اقتصادياً، وشتتهم عربياً، لذا كان على السعودية أن تتقبل عبء القيادة السورية، مقابل إعادة فرض سياستها ومنهجيتها، وقيادة سوريا لوضع اقتصادي أفضل بعيداً عن إيران، وربما محاولة إقناع نظام الأسد بتسوية سياسية مرضية لجميع الأطراف”. مؤكداً أن “الحركة التجارية ونقل المسافرين قد بدأ بالفعل بين البلدين منذ أيام بشكل لم يعلن بشكل رسمي بعد”، مع توقع أن “تفتح السفارات بين البلدين في وقت قريب”.

تحديات على الطريق

لم تكن الثورة السورية هي بداية تأزم العلاقات السعودية-السورية خلال فترة حكم بشار الأسد تحديداً. فعقب حرب العام 2006 بين إسرائيل وحزب الله، استخدم بشار الأسد في خطاب له وصف “أنصاف الرجال” في إشارة إلى قيادات أنظمة عربية رفضت إشعال الحزب لتلك الحرب، ومن ذلك السعودية التي رأت في تصرفات حزب الله “مغامرات غير محسوبة”. 

سبق ذلك، في العام 2005، اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري الحامل للجنسية السعودية والمقرب بشدة من الرياض. وهو الاغتيال الذي يعتقد بمسؤولية نظام الأسد وحليفه حزب الله عنه.

لكن تلك الخلافات لم تصل بالعلاقات بين البلدين إلى حد القطيعة النهائية، بخلاف الحال عقب اندلاع الثورة السورية العام 2011. إذ اتخذت الرياض موقفاً حاسماً ومسانداً للثورة، بدءاً من إدانة نظام الأسد بسبب تعامله الدامي مع الاحتجاجات، وسحب الوفد السعودي من بعثة السلام التابعة لجامعة الدول العربية من سوريا العام 2012، وإغلاق السفارة في دمشق، وصولاً إلى دعم فصائل في الجيش السوري الحر المعارض.

بناء على ذلك، لم يعد هناك “أي ثقة بالنظام السوري بالنسبة للسعودية”، بحسب الصحفي معاذ الخضر المقيم في تركيا، نتيجة “خلافات عميقة سابقة شهدها البلدين، سببها الخداع السياسي الممارس من قبل النظام السوري، خصوصاً عقب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري المقرب من السعودية، وتقرب النظام السوري من حزب الله اللبناني الشيعي”.

لكن حتى وإن صح ذلك، يبدو استقرار بلدان الشرق الأوسط المطلب الرئيس للسعودية في الوقت الراهن، والحد من التغلغل الإيراني في المنطقة. ولتبدو سوريا “على صعيد الأولويات بالنسبة للسعودية، خاصة مع بدء انتقال عدوى الطائفية إليها بعد العراق ولبنان”، برأي الشمري.

آخر التقارير…