مدة القراءة: 6 دقائق |

العودة إلى المدارس في دمشق: البهجة غائبة في “أيلول الأسود”


سبتمبر 5, 2022

دمشق- مع أن أيلول/ سبتمبر هو أول أشهر فصل الخريف، إلا أن بهجة “العودة إلى المدارس” تحوله إلى ربيع في معظم الدول، متزيناً بالألوان الزاهية، ألوان القرطاسية بأنواعها، والحقائب، والاكسسوارات الخاصة بالطلبة بمختلف أعمارهم، لكن هذا لا ينطبق على مناطق سيطرة النظام السوري، التي تعيش استثناء منذ سنوات، بفعل أزمة اقتصادية غير مسبوقة.

افتتحت المدارس في مناطق سيطرة النظام أبوابها، في الرابع من أيلول/ سبتمبر الحالي، ويقدّر عدد العائدين إلى مقاعد الدراسة لهذا العام بنحو 3.7 مليون طالب وطالبة، كما ذكرت وسائل إعلام مقربة من النظام السوري. 

عادة، تنتعش الأسواق في موسم عودة المدارس، كما هو حال مواسم الأعياد، وكان أولياء الأمور يخصصون أموالاً لشراء احتياجات أبنائهم وبناتهم، تغطي العام الدراسي كاملاً، وهذه قاعدة عند غالبية السوريين، يشذّ عنها بعض معدومي الحال.

لكن في عام 2022 تغيّر الحال، كما شكى أبو عبدو، 55 عاماً، المقيم في دمشق، وهو أب لخمسة أولاد، أربعة منهم في سنّ المدرسة، والخامس في سنّ الروضة، لكن “لم أتمكن من تسجيله لعدم قدرتي على دفع الأقساط وتحمل مصاريف إضافية”، كما قال لـ”سوريا على طول”، إذ يبلغ راتبه بعد خدمة 23 عاماً كموظف في مديرية كهرباء دمشق التابعة لوزارة الكهرباء، 175 ألف ليرة سورية (39.5 دولاراً أميركياً، بحسب سعر الصرف في السوق السوداء، البالغ 4440 ليرة للدولار الواحد).

بعد جولته في سوق شارع الثورة بدمشق، خرج أبو عبدو بأربعة دفاتر فقط “دفتر لكل واحد، يغطي جميع المواد، وحين ينتهي الدفتر نشتري غيره”، بحسب أبو عبدو، مشيراً إلى أن اثنين من أولاده في المرحلة الثانوية، “الكبير في الصف الثالث الثانوي (البكالوريا)، والثاني في الصف الثاني الثانوي (الحادي عشر)”. 

ومع رفع وزارة التربية التابعة لدمشق ثمن أسعار الكتب المدرسية للمرحلة الثانوية العامة والمهنية، إذ صار سعر نسخة الكتب لطلبة “البكالوريا” هذا العام، 49800 ليرة (11.20 دولاراً)، بعد أن كان سعرها العام الماضي 38200 ليرة (8.60 دولاراً)، فيما ارتفع سعر نسخة الكتب للصف الثاني الثانوي (الحادي عشر) إلى 54800 ليرة (12.30 دولاراً)، بدلاً من 40200 ليرة (9 دولارات)، يتعين على أبو عبدو دفع 60% من راتبه الشهري لشراء نسختي كتب لولديه.

تقنين المشتريات

مع افتتاح المدارس في مناطق سيطرة النظام، في الرابع من أيلول/ سبتمبر الحالي، تمثلت معاناة سكان دمشق الاقتصادية هذه المرة بعدم قدرتهم على تأمين حق أبنائهم في التعليم على أكمل وجه، وهو حق كفله الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادتين 18 و26، ويكفله الدستور السوري في المادة 29 منه “التعليم حق تكفله الدولة، وهو مجاني في جميع مراحله”.

وقال أبو عبدو، الذي اضطر إلى تقليص شراء احتياجات أبنائه للحد الأدنى، وألغى فكرة تسجيل ابنه في “الروضة”، أن تكاليف تجهيز ابنه “طالب البكالوريا” بلغت 84 ألف ليرة (19 دولاراً)، توزعت على: 49800 ليرة (11.20 دولاراً) ثمن نسخة الكتب، و25 ألف ليرة (5.60 دولاراً) ثمن حقيبة مدرسية، ودفتراً واحدا بقيمة 9 آلاف ليرة (2 دولار)، مستذكراً أيام كان سعر الدفتر من فئة 200 ورقة، قبل عام 2011، 10 ليرات (0.20 سنتاً بحسب سعر الصرف التقريبي آنذاك).

وبذلك، دفع أبو عبدو نصف راتبه تقريباً لتجهيز ابن واحد من أبنائه، رغم أنه لم يشترٍ له بدلة مدرسية ولا حذاء، وأعاد تدوير بعض المستلزمات القديمة وإصلاحها، كالحقائب والأحذية، لتأمين احتياجات بقية أولاده، كما قال.

لا يتناسب الحدّ الأدنى الذي اكتفى به أبو عبدو بذاك الذي حددته وزارة التربية، وهو ثلاثة دفاتر لطلبة الثانوية العامة، إضافة إلى دفتر للغة الأجنبية، إضافة إلى دفتر رسم وألوان.

وكما أبو عبدو، اشتكى عدد من أولياء الطلبة، الذين تحدثوا إلى “سوريا على طول” من غلاء أسعار القرطاسية واللباس المدرسي الموحد، إضافة إلى رفع أسعار الكتب المدرسية، وسط أزمة معيشية خانقة تشهدها مناطق سيطرة النظام، نتيجة عوامل عدّة، منها هبوط سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار الأميركي، إذ خسرت أكثر من 20% من قيمتها منذ مطلع العام الحالي.

ورغم أن رفع سعر الكتب كان “بفارق بسيط” عما كان عليه العام الماضي، بحسب تصريح علي عبود، مدير مؤسسة المطبوعات، في 16 آب/ أغسطس الماضي، لوسيلة إعلام محلية، إلا أن الفارق كبير بالنسبة للسوريين، حيث يعيش أكثر من 90% منهم تحت خط الفقر المدقع، بحسب إحصائيات الأمم المتحدة، ويقدّر متوسط الدخل الشهري 92 ألف ليرة (21 دولاراً).

وأشار تقرير لصحيفة تشرين المقربة من النظام، نشر في 17 آب/ أغسطس الماضي، إلى ارتفاع أسعار المستلزمات المدرسية بنسبة تتراوح بين 50 و70 % مقارنةً بالعام الفائت 2021.

“بسطة قرطاسية” في شارع الثورة بدمشق، 27/ 08/ 2022 (حبيب شحادة/ سوريا على طول)

قدّرت “سوريا على طول” خلال جولتها في أسواق البرامكة والخجا والصالحية بدمشق، تكلفة تجهيز طالب ثانوية عامة (بكالوريا) بين 125 و260 ألف ليرة (28 و58 دولاراً)، إذ يتراوح سعر اللباس المدرسي الموحد بين 25 و50 ألف ليرة (5.6 و11.20 دولاراً) بحسب نوعيته، فيما يبلغ سعر الحذاء 30 ألف ليرة تقريباً (6.75 دولاراً)، أما السعر الأدنى للحقيبة المدرسية 38 ألف ليرة (8.50 دولاراً)، وقد يصل أسعار بعضها إلى 100 ألف ليرة (22.50 دولاراً).

أما بالنسبة للدفاتر، يبلغ سعر الدفتر العادي، فئة 50 ورقة، ألف ليرة (0.22 سنتاً)، وصولاً إلى تسعة آلاف ليرة (2 دولار) للدفتر فئة 200 ورقة، ويبدأ سعر القلم من 500 ليرة وصولاً إلى خمسة آلاف (0.11 إلى 1.10 دولاراً)، بحسب نوعيته ومنشأ تصنيعه.

التداعيات الاقتصادية للحرب في سوريا، تسببت بتسرّب أكثر من مليون ومئة ألف طالب عن التعليم، أعمار غالبيتهم “بين 15 و24 سنة”، كما قال مدير مركز القياس والتقويم التربوي في وزارة التربية التابعة للنظام، رمضان درويش، في كانون الأول/ ديسمبر 2021. فيما تشير أرقام منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسيف”، بحسب تقريرها الصادر في 24 كانون الثاني/ يناير 2021، إلى حرمان أكثر من مليوني طفل من التعليم في سوريا.

“أيلول الأسود”

قبل افتتاح المدارس، تجولت منى، 40 عاماً، رفقة زوجها، في أسواق دمشق “أكثر من مرة لتقدير تكاليف تجهيز أولادنا الثلاثة قبل بدء العام الدراسي”، كما قالت لـ”سوريا على طول”.

وبعد عدة جولات، اشترت معلمة الكيمياء، التي يبلغ دخلها الشهري 150 ألف ليرة (34 دولاراً)، نصف مستلزمات أبنائها، حيث اكتفت بتأمين القرطاسية والحقائب مقابل 170 ألف ليرة (38 دولاراً)، واستثنت اللباس المدرسي.

تشعر منى بـ”غصة في صدري”، كما عبّرت، لعدم قدرتها شراء لباس مدرسي جديد، مشيرة إلى أنها تحتاج راتب شهر كامل للملابس، لذلك “وعدتهم بشراء اللباس الجديد بعد بداية العام الدراسي وأخشى أن لا أفي بوعدي”، بحسب قولها.

أما بالنسبة للكتب المدرسية، اشترت منى نسخة كتب مستعملة لابنها في الصف الأول الثانوي (العاشر) من إحدى زميلاتها، بقيمة 12 ألف ليرة (2.70 دولاراً)، بدلاً من شراء نسخة جديدة بقيمة 48300 ليرة (10.85 دولاراً)، فيما سيحصل اثنين من أبنائها، في الصف السابع والتاسع، على نسخ جديدة مجاناً،  حيث تلتزم وزارة التربية بتأمين الكتب المدرسية مجاناً لطلبة المرحلة الإلزامية (الابتدائية والإعدادية).

يمكن أن يستفيد أبو عبدو ومنى من قرض القرطاسية، وهو قرض مخصص لموظفي القطاع الحكومي من دون فوائد، بحيث يُقسط المبلغ على مدار العام، شريطة شراء لوازم المدرسة من صالات “المؤسسة السورية للتجارة”، لكنهما رفضا الحصول على هذا القرض “لأنه يحتاج إجراء معاملة طويلة، ناهيك عن رداءة نوعية المواد الموجودة في صالات السورية للتجارة”، وفقاً لمنى.

وسبق أن انتقد دكتور الاقتصاد بجامعة دمشق، شفيق عربش، في تصريح لجريدة الوطن المقربة من النظام، نوعية البضائع والمواد الموجودة في الصالات الحكومية، واصفاً مؤسسة السورية للتجارة بأنها “كذبة كبيرة”، مشيراً إلى أن المعروضات تعود لماركات لا يوجد طلب عليها “ولم يعتد عليها المستهلك السوري”.

وبدأ العمل بهذا القرض في عام 2017، وكانت قيمته آنذاك 50 ألف ليرة، وارتفعت قيمته تدريجياً خلال الأعوام الماضية، إلى أن وصل العام الحالي إلى 500 ألف ليرة (113 دولاراً). 

انعكس الواقع الاقتصادي للمواطن السوري في مناطق سيطرة النظام على السوق، كما قال خالد، 45 عاماً، صاحب إحدى المكتبات في حي البرامكة بدمشق، شاكياً “الإقبال الضعيف جداً هذا العام مقارنة بالأعوام الماضية”، كما قال لـ”سوريا على طول”.

وعزا خالد ضعف الإقبال إلى “ارتفاع أسعار القرطاسية مقابل انخفاض دخل الناس جراء التضخم الحاصل”، كذلك منافسة “أصحاب البسطات” المنتشرين في شوارع دمشق، الذين “يبيعون أصنافاً ذات أسعار أقل ولكن نوعيتها رديئة، ومع ذلك يُقبل الناس عليها لأنهم يبحثون عن الأرخص”، وفق قوله.

أبو عبدو، كان من بين أولياء الأمور الذين اشتروا مستلزمات أبنائهم من “بسطات” شارع الثورة، ساعياً إلى دفع الحدّ الأدنى، ومع ذلك أنفق أكثر من نصف راتبه الشهري، لذلك يتوقع الرجل الدمشقي أن يعيش مع عائلته باقي شهر “أيلول الأسود”، كما وصفه مكتفياً بـ”الخبز والإندومي والبيض فقط”، من دون أي نوع من أنواع اللحوم.