مدة القراءة: 6 دقائق | ثقافة ومجتمع, دمشق, شتات ومهجر, مقابلات

الفيلسوف البرقاوي يتحدث عن المنفى، وأيدولوجيا القتل والديكتاتوريين “الكاريكتوريين” في عصرنا


يونيو 24, 2017

يتحدث الدكتور الفيلسوف أحمد البرقاوي عن دمشق ويتردد صدى صوت المنفى، ومدى بعده بداخله “صرت لاجئا، خارج الزمان والمكان الدائمين. ها أنا في المؤقت من الزمان والمكان بعيداً عن  فلسطين وسوريا ، بعيداً عن الشام” .

ولد الفيلسوف في هامة دمشق في ربيع نيسان عام 1950، ودرّس في جامعة دمشق لثلاثين عاماً. وألف البرقاوي كتباً تسبر غور الاستبداد وأصوله، وأبدية السلطة وقمع الفرد في العالم العربي، وغيرها مواضيع كثر. 

بدلاً من أن يصمت بأمر من مسؤولي أمن النظام، قرر أن يغادر دمشق في عام 2013 التي لطالما ظلت تكبر في قلبه وثقافته وحياته وتخاطر وحيه. 

ولم يقصد الرحيل عنها ولكن “في لحظة تركب الطائرة راحلاً لا تدري إلى أين سيحط بك الرحال، هارباً بقلمك ولغتك وآمالك. فدمشق التي هي دمشقي فرت مني، العسس والمخبرون صاروا قتلة، والقتلة عمموا طقوس القتل وتفننوا في ممارسته، الجامعة لم تعد تعطيك الهيبة أمام الرعاع”.

الآن، يقيم البرقاوي في دبي ويشغل منصب المدير الأكاديمي لمركز الشرق للبحوث، مقره في الإمارات.

وفي الجزء الثاني من الحوار المقسم إلى اثنين، يتحدث البرقاوي عن طبيعة الديكتاتوريين وعلاقتهم بالقتل واستمتاعهم بارتكاب الشر.

ويقول البرقاوي لـ فاطمة عاشور، مراسلة في سوريا على طول “لا تقتل؛ أمر موجود بجميع الشرائع الدنيوية والدينية من حمورابي إلى الإسلام. ولكن داخل خطاب منع القتل هناك مساحة لـ: اقتل؛ فأيديولوجيا القتل هي: أقتل من أجل”.

الجزء الأول من الحوار مع الفيلسوف أحمد البرقاوي هنا.

قلت أن والدك مدرس التربية الدينية لم يعلمك الصلاة، وأن والدتك مدرسة العربية علمتك اللغة. و”ذاك علمني وتلك علمتني”، كيف وما دورهما في تنشئتك؟

والدي مدرس التربية الدينية لم يكن سلطة أبوية شرقية، ولم يتدخل في خياراتنا الفكرية، بل لم يكن له رأي في اختيار مستقبلنا. كان له آراء في مسائل الحياة والموت والوجود والله والإسلام دون أن يحملنا على الأخذ بها ولكنه زودنا بموقف عقلاني أو بطريقة تفكير عقلاني. بهذا المعنى علمنا أن نكون أحراراً  مستقلين ومحترمين للآخر . 
فيما الوالدة كانت أكثر راديكالية في مواقفها، كان أثرها التنويري فينا قوياً، فهي لم تساوم أبداً على تنويرها، وكانت مدنيتها اليافاوية أو اليافية أثر كبير في بنيتنا الأخلاقية والسلوكية، ولا شك بأننا مدينون لها بحب العربية والشعر العربي. بل إنها رسمت لي طريق مستقبلي دون أن تدري ودون أن أدري.
جذورك في فلسطين وأينعت في دمشق، لأي البلدين تنتمي أكثر وأي النكبتين صقلتك أكثر وهل صنعت منك النكبة فيلسوفاً؟ ومتى يصنع الألم نهضة ومتى يصنع جحيماً؟

النكبة لا تصنع  فيلسوفاً ولا تصنع شاعراً، بل التعبير الفلسفي عن النكبة مهمة الفيلسوف.
وكذا الشاعر يجعل من النكبة نصاً. وبالتالي ليست النكبة الفلسطينية أو النكبة السورية أو الثورتين الفلسطينية والسورية وراء تفلسفي بل قل جعلت منهما وعياً فلسفيا.
لا شك أني لا أستطيع أن أميز بين فلسطينتي وسوريتي ولا أن أجيب عن أي من النكبتين كانت أقسى علي وإلى أي من الثورتين أشعر أكثر بالإنتماء. ولدتُ في هامة دمشق لاجئاً وعشت لاجئاً بكل ما أنطوي عليه من انتماء للشعب السوري. وحين خرجت من دمشق عشت تجربة اللجوء على نحو أقسى بوصفي لاجئاً سورياً. فصرت لاجئين، خارج الزمان والمكان الدائمين.  ها أنا في المؤقت من الزمان والمكان بعيداً عن  فلسطين وسوريا، بعيداً عن الشام  .
دمشق، ويغريك ارتباط البرقاوي بكلمة الدمشقاوي، متى خرجت منها؟ وكيف الحياة بعيدا عن دمشق؟

أنا ابن دمشق ودمشق عالمي الذي تكونت فيه والمدينة التي مشيتها على أقدامي الشوارع والأرصفة، البيوت، الثانوية، الجامعة، المكتبة الظاهرية، العشق، الأحلام، الحانات، التاريخ، بردى، الربوة، يوميات الكتابة، طقوس الحياة، الناس، العلاقات المعشرية،العادات، الدين الشعبي، الذاكرة، المكتبات، المقاهي، الأصدقاء، الشيخ محي الدين، المخيم، المزة، كوخ الفيلسوف، الحميدية، باب شرقي، باب توما، الأموي، مجلة الهدف، الثورة الفلسطينية، الحوارات، البسطاء، الروائيون، الشعراء، الفنانون، الزملاء، الطلاب،  بيت القصيد، الصبر، السخرية، الخوف، القهر، الأمل، الراحلون. دمشق حياتي بكل ثرائها. إنها مخزوني العاطفي والأخلاقي والمعرفي، إنها كاللغة، من ذا الذي يستطيع أن يهجر لغته ويعيش في بيت لغة أخرى. في لحظة تركب الطائرة راحلاً لا تدري إلى أين سيحط بك الرحال، هارباً بقلمك ولغتك وآمالك. فدمشق التي هي دمشقي فرت مني، العسس والمخبرون صاروا قتلة، والقتلة عمموا طقوس القتل وتفننوا في ممارسته، الجامعة لم تعد تعطيك الهيبة أمام الرعاع. الهروب صمتاً .
من أنا؟  أنا قلم وأوراق وصوت وجمهور. الصمت خوفاً صمت القلم وصمت الحنجرة  يقتل، إذا وداعاً دمشق على أمل اللقاء.
في عمر متأخر يكون ترك المكان تعذيباً، لكن الفلسفة تمنحك المعقولية في الحياة. حسبك أنك تعيش في بيتك الأصلي اللغة الحرة والمتحررة . وعبرها تحاول امتلاك الوجود بعقله وجماله: الفلسفة والشعر.

جامعة دمشق من علو. حقوق نشر الصورة لـ كنوز الفنون السورية.

قلت في مقابلة لك أن “الأنا بوصفها الإنسان الذي لم تولد بعد في ثقافتنا العربية”! برأيك إلى أي مرحلة ساهمت”الأنا” بمعنى الطغيان في السلطة الحاكمة بإلغاء “الأنا”، التفرد والإبداع؟وكيف سمحت هذه البيئة، التي ينتفي بها الإحساس بالفرد، بالقتل والإبادة الجماعية والاعتقال وفنون التعذيب؟.

في فصل من فصول كتاب “الأنا” تحدثت عن أيديولوجيا القتل ولقد أشرت إلى جوهر المسألة .

لا تقتل. أمر موجود بجميع الشرائع الدنيوية والدينية من حمورابي إلى الإسلام.ولكن داخل خطاب منع القتل هناك مساحة لـ: اقتل. فأيديولوجيا القتل هي: أقتل من أجل.
اقتل من أجل، هو التبرير الأيديولوجي للقتل. والقتل الذي يتم انطلاقا من أيديولوجيا القتل هو أخطر أنواع القتل. وذلك لأنه يعطي للقاتل حق القتل ويشرعن القتل باسم قيم أعلى من قيمة الانسان.
وأخطر شيء في أيديولوجيا القتل أنها تخفي أهدافها الوضيعة التي تدفعها للقتل خلف أهداف عظيمة. فالدكتاتور لا يعلن أنه يقتل من أجل الاحتفاظ بالسلطة بل من أجل الوطن.
إنها المفارقة اﻷعجب نظام يقتل أبناء الوطن من اجل الوطن! أو يقول لك اﻷصولي الديني أنه يقتل خلق الله من أجل الله.
تستل أدوات القتل السلطوية حنجرة قاشوش وتلقي جسده في نهر العاصي. أيديولوجيا القتل واجهت الحنجرة والنغم بالسيف. فخلقت عند الحنجرة قيمة الدفاع عن الذات.
وبالمقابل عبدت الطريق أمام أيديولوجيات القتل الأصولية لتدخل وطنا أهم عنصر من عناصر قيمه المتوارثة تحريم القتل.
وليعلم الجميع ان كل ايديولوجيا تعصب هي ايديولوجيا قتل. وكل متعصب هو مشروع قاتل. أيديولوجيا التعصب أيديولوجيا نفي اﻵخر بين نفي اﻵخر وقتله خطوة واحدة.

وفي كتابنا “كوميديا الوجود الإنساني” تحدثت عن متعة ارتكاب الشر، وضربت مثلاً على ذلك التعذيب في السجون وأوردت قصصاً من سجن تدمر.  

فإذا مزجتِ بين أيديولوجيا القتل والاستمتاع بارتكاب الشر تبين لك جوهر العنف اللامعقول الذي مارسته السلطة.

هل فكرة الأبدية أو حلم الخلود، على سبيل المثال أبدية السلطة، هي وراء الشر المطلق أو الخير المطلق، هل هي وراء جنونهم وبطشهم، وهل فعلاً يعيش من يسعون للأبدية استقراراً، فهم يعلمون في صميم ذاتهم أنهم يقتلون؟

في دراسة سلوك عدد من الدكتاتوريين كستالين وماتوتسي تونغ وهتلر وموسيليني وفرانكو وعبد الناصر تبين أنهم يتوافرون على أيديولوجيا شمولية يسعون لتحقيقها وبعضهم يفكر خارج حدود الدولة التي يحكمها عبر كل أشكال القوة، وتسير وراءهم في لحظة من اللحظات قوى شعبية كبيرة وكبيرة جداً أحياناً، فالشيوعية تقف وراء ستالين، والنازية تقف وراء هتلر، والفاشية تقف وراء موسيليني، وشعارات التحرر والقومية العربية تقف وراء عبدالناصر. هذا النمط من الدكتاتوريين يحتلون في وعي جمهور من الناس دور المخلصين، وشيئا فشيئا يتألهون.

كان الدكتاتوريون بكل قسوتهم وقسوة أجهزتهم الأمنية التي تصل حد القتل ينظرون إلى البلدان من زاوية قوتها. فلقد ارتبطت الصناعة السوفييتية بستالين، وارتبط تقدم ألمانيا التقني بهتلر وارتبط تقدم مصر بعبدالناصر حيث حقق الإصلاح الزراعي وأمّم قناة السويس وأشاد السد العالي، وبنى مصانع الحديد والصلب.

لا شك بأن الدكتاتوريين يخلّفون وراءهم خراباً مجتمعياً وثقافياً وإنسانياً وبخاصة بعد موتهم لكنهم كحالة تاريخية هم هكذا، فضلاً عن ذلك، فجميع الدكتاتوريين الأيديولوجيين الطغاة كالأسماء التي ذكرتها، يزهدون بكل شيء إلا السلطة السياسية، ولهذا فهم يموتون فقراء، ويتحدث العقل العامي عن زهدهم بنوع من المدح.

أذكر هؤلاء الدكتاتوريين الذين ما زالوا حاضرين في الوعي على أنحاء مختلفة، وأنا أتأمل دكتاتوريينا الكاريكاتوريين، الذين لا عصبية أيديولوجية شمولية عندهم، ولا هم شاعرون بأهميتهم، وكل ما يفعلونه سرقة العباد والبلاد، ويستدعون المجرمين من أوباش كل الطوائف، ويستقوون على شعوبهم بجيوش غريبة، ويلقون بالقنابل على قرى البلاد ومدنها. وحولهم مجموعة من المجرمين الخُلّص.

لا شك بأن كل دكتاتورية شر، ولكن هذا النمط من الدكتاتوريين المسخرة، ليس شراً عادياً، بل هو الوسخ التاريخي الذي ينشر وباء الشر المطلق لتدمير الحياة كلها.

آخر التقارير…