6 دقائق قراءة

المخاوف بشأن التعليم في شمال شرق سوريا تحفز هجرة القاصرين إلى أوروبا

منذ عام 2017، ازدادت وتيرة الهجرة غير النظامية (التهريب) للسوريين، نتيجة ازدياد تداعيات الحرب الدائرة في بلادهم، وتشير أرقام وإحصاءات دولية إلى أن فئة الأطفال تحت السن القانوني يشكلون نسبة كبيرة من المهاجرين.


القامشلي- على ألم الفراق وكثرة الاشتياق، تقضي أميرة الرفدي، 45 عاماً، من سكان بلدة الجوادية بريف محافظة الحسكة، أقصى شمال شرق سوريا، يومها، وعبثاً تحاول أن تطفئ شيئاً من شوقها لـ”صغيرون قلبي”، كما تصفه بلهجتها المحلية، باتصال فيديو عبر تطبيق واتساب.

قبل عشرة أشهر، هاجر ابنها القاصر أحمد، 16 عاماً، في رحلة تهريب شاقة إلى هولندا، رغم أن أمه كانت تفضل بقاءه إلى جانبها في سوريا، إلا أنها عدلت عن رأيها “لأنني كأم يجب عليّ التفكير في مستقبله أكثر من أي شيء”، وبما أن “مدرسته التابعة للإدارة الذاتية تعتمد مناهج غير معترف بها كان لا بد أن يكون مصير أصغر أبنائي مثل أخيه الأكبر، الذي وصل إلى ألمانيا قبل سنوات”، كما قالت الرفدي لـ”سوريا على طول”، معتبرة أن “أوروبا هي الحل لضمان مستقبل ناجح”.

منذ عام 2017، ازدادت وتيرة الهجرة غير النظامية (التهريب) للسوريين، نتيجة ازدياد تداعيات الحرب الدائرة في بلادهم، وتشير أرقام وإحصاءات دولية إلى أن فئة الأطفال تحت السن القانوني يشكلون نسبة كبيرة من المهاجرين.

منذ عام 2017 ، ازدادت الهجرة غير النظامية من سوريا عن طريق التهريب بسبب تداعيات الحرب المستمرة في البلاد. وفقاً لإحصاءات الاتحاد الأوروبي، شكل القاصرون 25% من جميع طالبي اللجوء لأول مرة في عام 2022 ، وكان السوريون يشكلون أكبر مجموعة ضمن هذا العدد، بنسبة 20%. من إجمالي 222,100 طالب لجوء قاصر في عام 2022 ، كان 19% منهم غير مصحوبين بذويهم.

الرفدي أمٌ لأربعة أبناء وبنتين، كانت مقيمة في مدينة تدمر بريف حمص الشرقي، حيث ينحدر زوجها من هناك، لكنها نزحت إلى مسقط رأسها في ريف الحسكة  بعد هجوم تنظيم داعش، عام 2016، على المنطقة.

قبل نزوحها آنذاك، ودعت ابنها الأكبر، عام 2015، الذي قرر الهجرة إلى ألماني، وكان بعمر 19 عاماً آنذاك، “بعد أن خسر دراسته الجامعية في سوريا وتعرض للاعتقال على يد أجهزة الأمن السورية في الأشهر الأولى للثورة السورية” بحسب الأم.

صراع تعليمي يدفع ثمنه الجيل الناشئ 

بعد اندلاع الثورة السورية في ربيع 2011، التي تحولت إلى حرب، وجد السوريون بلادهم مقسمة إلى عدة مناطق، تحكمها سلطات أمر واقع، وتعتمد كل سلطة من هذه السلطات على نظام إداري وخدمي، وأسست هذه السلطات أنظمة تعليمية بشهادات ومناهج خاصة.

مشهد الواقع التعليمي في شمال شرق سوريا لا يختلف عن عموم الجغرافية السورية، حيث يشهد صراع مناهج واعتراف بين الإدارة الذاتية والنظام السوري، كون الأولى تحظر مناهج الأخيرة بعد أن صارت المدارس، منذ عام 2014، تحت إدارتها، فيما لا تعترف حكومة دمشق بالشهادات الصادرة عن الإدارة الذاتية.

ترى هيئة التربية والتعليم التابعة للإدارة الذاتية أن من حق الطلبة السوريين الكرد وبقية الأقليات في شمال شرق سوريا التعلم بلغتهم الأم، فيما حصر النظام التعليم باللغة العربية ووفق المنهاج المعتمد من حكومته، وبين هذا يضيع مستقبل آلاف الأطفال، الذين يواجهون خطر “الأمية”.

ولم تقدم وزارة التربية السورية، التابعة للنظام، أية حلول أو تسهيلات لأبناء شمال شرق سوريا، حيث غالبية المدارس تابعة للإدارة الذاتية، وبقي نطاق اعترافها في المدارس الواقعة ضمن المربعين الأمنيين في مدينتي الحسكة والقامشلي، إلى جانب المدارس الخاصة، التي أصبحت حكراً على أبناء الطبقة الغنية نظراً لارتفاع رسومها، حيث تبلغ الرسوم الفصلية نحو مليون ليرة سورية (113 دولاراً أميركياً بحسب سعر الصرف الحالي البالغ 8875 ليرة للدولار الواحد)، وهو مبلغ لا يتناسب مع دخل المواطن السوري في المنطقة، حيث يترواح دخل الموظف بين 300 و700 ألف ليرة سورية (34 و79 دولار).

وكانت مديرة التربية في الحسكة، إلهام صورخان قد بينت في تصريح لموقع أثر برس، نشر في تشرين الأول/ أكتوبر 2022، أن عدد الطلبة في محافظة الحسكة 134,891 طالباً، يجب استيعابهم في 146 بناء مدرسياً وخمسة أبنية حكومية تمت الاستعانة بها لمواجهة الضغط الكبير، مشيرة إلى أن عدد الأبنية المدرسية في المحافظة بلغت 2285 بناء، لكن “قسم منها طاله التخريب والدمار… والقسم الأكبر تم تحويلها إلى مستودعات أسلحة ومقرات عسكرية لقسد”، على حد زعمها.

أمام أزمة التعليم في شمال شرق سوريا، وجد عايد الأحمد، 35 عاماً، نفسه مضطراً للمجازفة بإرسال ابنه وسام، البالغ من العمر 10 سنوات، إلى هولندا، مبرراً ذلك بأنه “على الأقل يتعلم هناك القراءة والكتابة”، كما قال الأب لـ”سوريا على طول” من مكان إقامته في مدينة القامشلي شمال شرق سوريا.

بيع الممتلكات لتمويل الهجرة

لا يوجد بديل عن هجرة وسام إلا “التعليم في مدرسة خاصة، بميزانية لا تقل عن مليوني ليرة سورية في السنة، وهذا مبلغ الرسوم المدرسية، ناهيك عن بقية التكاليف من قرطاسية وغيرها”، وفقاً لوالده عايد الأحمد.

كان الأحمد، الأب لأربعة أطفال، متردداً في موضوع هجرة ابنه، “خاصة أن الطريق خطر للغاية، وابني وسام ما زال طفلاً”، لكن وسام ألحّ على أبيه، وتأملت العائلة بأن “يستطيع وسام لم شمل إخوته لإخراجهم من المجهول في هذه البلاد”، بحسب أبيه، لافتاً إلى أن ابنه “هاجر قبل عام مع عائلة من معارفنا”.

المشكلة لا تقتصر على دفع الأطفال إلى خيارات خطرة، وإنما خسارة أملاك ذويهم مقابل تأمين تكاليف رحلة هجرة الأبناء، كما قالت أميرة الرفدي وعايد الأحمد.

الرفدي، التي تضرر منزلها بصاروخ خلال المعارك بين داعش والنظام في تدمر، عام 2016، أقدمت على بيع حصتها من الميراث، وهي عبارة عن محل تجاري، لتموّل رحلة ابنها أحمد، التي بلغت تكاليفها “20 ألف دولار أميركي”، على حد قولها.

فيما أقدم الأحمد على بيع سيارته وقطعة أرض بمبلغ 25 ألف دولار أميركي، “لدفع تكاليف هجرة ابني وسام، البالغة 22 ألف دولار”.

مستقبلٌ يستحق المخاطرة؟

أثناء حديثه عن هجرته إلى هولندا، قال أحمد بهاء الدين، ابن أميرة الرفدي، أن “رحلة الهروب من سوريا إلى أوروبا كانت أصعب بكثير من رحلة هروبنا من تنظيم داعش عندما كنا في تدمر، وكان عمري ثماني سنوات حينها”.

بدأت رحلة بهاء الدين في 17 أيار/ مايو 2022 من مدينة رأس العين، الواقعة تحت سيطرة فصائل الجيش الوطني (المعارض)، المدعومة من أنقرة، مروراً بتركيا، وصولاً إلى صوفيا عاصمة بلغاريا، ثم النمسا، إلى أن انتهى به المطاف في مدينة سنيك بهولندا، حيث يقيم حالياً.

خلال رحلته، تاه بهاء الدين ورفقاء رحلته في الغابات، واضطروا لشرب مياه البرك والمستنقعات الملوثة، ما أدى إلى إصابته بجرثومة يتلقى العلاج بسببها إلى الآن، كما أنه تعرض للاحتجاز في مخيم مغلق ببلغاريا، لمدة 15 يوماً، تعرض خلالها للعنف الجنسي والنفسي، كما قال لـ”سوريا على طول”.

يسلك المهاجرون طرق التهريب إلى أوروبا على شكل مجموعات، وفي مجموعة بهاء الدين “كان يوجد أكثر من عشرين طفل تتراوح أعمارهم بين 10 و16 عاماً، تقاسمناً معاً الجوع والخوف من المجهول”، وفقاً له، متسائلاً: “ما ذنبنا نحن الأطفال حتى ندفع ثمن ظرف لا علاقة لنا به؟”.

في عام 2022، أصدرت الحكومة النمساوية أرقاماً تظهر اختفاء نحو 4500 طفل، غير مصحوب بذويهم ممن تقدموا بطلبات لجوء في النمسا، عام 2021، وهو العام الذي شهد وصول نحو 5770 طفل إلى النمسا، منهم 1345 طفلاً سورياً، ويُرجّح أن غالبية المختفين التحقوا بأقاربهم في دول أوروبية أخرى، كما هو حال أحمد.

بدأت تنتشر ظاهرة هجرة الأطفال من دون ذويهم بعد عام 2017، كما قال الناشط في قضايا اللاجئين طه الغازي لـ”سوريا على طول”، مشيراً إلى أن “عمليات الهجرة قبل ذلك كانت لمجموعات شبابية متضمنة أشخاصاً بالغين”.

واستبعد الغازي أن يكون الواقع التعليمي في سوريا الدافع الأساسي وراء هجرة الأطفال، مشيراً إلى وجود أسباب أخرى، من قبيل “لم الشمل”، إذ إن “كل عائلة تهدف من إرسال ابنها إلى الحصول على لم شمل منه، خاصة بعد أن سهلت الدول الأوروبية كألمانيا وهولندا وغيرها معاملات لم الشمل”.

بغض النظر عن الدافع الرئيسي وراء هجرة الأطفال، إلا أن وجود حوالي 800 ألف طالب/ـة في شمال شرق سوريا، بحسب مصدر من هيئة التربية التابعة للإدارة الذاتية، يخضعون لمناهجها غير المعترف به رسمياً، يسهم في دفع مزيد من الأهالي إلى زجّ أبنائهم برحلات الهجرة غير النظامية رغم ما تحمله من مخاطر.

وسام الأحمد، ابن عايد، كان من بين الأطفال المهاجرين، ووصل إلى هولندا أيضاً “بعد رحلة استغرقت ثلاثة أشهر، كنت خلالها خائفاً جداً من الغابات والعسكر على الحدود”، وكان أشدّها عليه “ثلاثة أيام في غابات بلغاريا، عندما انقطعنا من الطعام والشراب لمدة ثلاثة أيام”، كما قال الطفل لــ”سوريا على طول”.

شغف وسام وطموحه بأن يصبح لاعب كرة قدم مشهور، وأمنياته بمستقبل أفضل له ولإخوته، الذي تمنى أن يلتمّ شمله بهم “ونتعلم أنا وإياهم هنا بأمان” كان يخفف من مصاعب الطريق نفسياً عليه، وفقاً له.

أما أحمد بهاء الدين، رأى أن رحلته تستحق المخاطرة، لأن “هولندا كانت المنفذ الوحيد لأكون مهندساً معمارياً ولاعب كرة قدم في المستقبل”، على حد قوله.

تم إنتاج هذا التقرير كجزء من برنامج مراس، الذي تنفذه “سوريا على طول” لتمكين الصحفيين والصحفيات في شمال شرق سوريا.

شارك هذا المقال