مدة القراءة: 4 دقائق | اقتصاد, الرقة

المسافرون أدوات تهريب بين مناطق النظام و”قسد” شمال شرق سوريا


يوليو 5, 2021

عمان- خلافاً للمعروف والمنطقي بدفع المال (أجرة) لقاء استخدام وسيلة نقل عامة للتنقل بين منطقتين، فإن أم أحمد وزوجها، المقيمان في مدينة الطبقة بريف الرقة، شمال شرق سوريا، والواقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، يجنيان المال لقاء تنقلهما بين مدينتهما وبلدة دبسي عفنان الواقعة تحت سيطرة نظام بشار الأسد.

إذ منذ نيسان/أبريل الماضي، يعمل الزوجان مع أحد سائقي الحافلات على خط الطبقة-دبسي عفنان، ويقتصر عملهما -كما آخرين- على “مرافقة السائق باعتبارهما مجرد راكبين بين النقطتين، على أن ينقل السائق كميات من الوقود إلى مناطق النظام، ويعود بكميات من الخضار إلى مناطق قسد”، كما أوضح أبو أحمد لـ”سوريا على طول”. مضيفاً أنه يحصل على “15 ألف ليرة سورية [4.75 دولاراً أميركيا، بحسب سعر الصرف في السوق الموازية، والبالغ نحو 3,200 ليرة للدولار]، ومثلها لزوجتي”.

وكانت أم أحمد، 52 عاماً، وزوجها، 58 عاماً، قد عملا في مهنة التدريس لمدة 25 عاماً إلى أن بلغا سنّ التقاعد المبكر. لكن مصاريف المعيشة المرتفعة، خاصة وأن مصروف اثنين من أولادهما على مقاعد الدراسة الجامعية، قد يصل إلى 200 ألف ليرة (63 دولاراً)، قد أجبرهما على البحث عن عمل يسد عجز مصروف العائلة، كما قالا. إذ يتقاضى الزوجان راتباً تقاعدياً مجموعه 103 ألاف ليرة (32 دولاراً) فقط.

التقاء مصالح

مع أن تهريب المواد الأساسية بين مناطق “قسد” والنظام ليس بالأمر الجديد، إلا أن إغلاق الأخير للمعابر التجارية مع “قسد”، في آذار/ مارس الماضي، والذي أدى في المقابل إلى تشديد “قسد” إجراءات منع تهريب الوقود من أرياف دير الزور تحديداً، أفضيا إلى أزمة خضار ومحروقات في مناطق سيطرة الطرفين. ولتكون النتيجة تنشيط حركة التهريب عبر محافظة الرقة بشكل خاص.

وتجنباً لإثارة الشكوك على حواجز النظام و”قسد”، يلجأ سائقو الحافلات الكبيرة (سعة 50 راكباً)، والحافلات الصغيرة (الميكروباص)، إلى اصطحاب “مدنيين كبار في السن، ندفع لهم أجراً بدل مرافقتنا، مقابل نقل المواد الأساسية على أنها لهم”، كما كشف لـ”سوريا على طول” أبو علي (اسم مستعار)، سائق حافلة صغيرة تعمل على خط الطبقة-دبسي عفنان. 

إذ يعود أبو علي مع ركابه من مناطق سيطرة النظام محمّلين “بالخضار والمواد الأساسية الأخرى، لأبيعها لاحقاً في أسواق الطبقة”، كما قال.

أما فيما يخص نقل المحروقات من مناطق “قسد”، فإن السائقين يعمدون إلى تزويد حافلاتهم “بخزانات وقود إضافية تتراوح سعتها بين 500 لتر للميكروباص، و2,000 لتر للحافلات الكبيرة”، بحسب أبو علي. مضيفاً: “نبيع المازوت في دبسي عفنان بزيادة تصل إلى ثلاثة أضعاف سعره الأساسي”، إذ “نشتري لتر المازوت بـ 500 ليرة [0.16 دولاراً]، ونبيعه بـ 1,500 ليرة [0.48 دولاراً]”.

وإلى جانب الفائدة التي تعود على السائقين والركاب، يستفيد أيضاً تجار المواد الغذائية في أسواق مدينة الطبقة من فرق الأسعار، خاصة أن تلك المواد تصلهم “من دون الرسوم الجمركية المفروضة على البضائع التي كانت تدخل عبر المعابر بين النظام وقسد”، وفق محمود الخالد (اسم مستعار)، صاحب بقالة في الطبقة. موضحاً لـ”سوريا على طول”، تركيزه على أصناف من الخضار من قبيل “الباذنجان والبندورة والفلفل، كونها غير متوفرة في السوق المحلية، لكنها مواد أساسية لغالبية الأهالي”. كما يبيع “حليب الأطفال القادم من مناطق النظام عبر السائقين”.

مخاطر محتملة

في منتصف أيار/مايو الماضي، لقي غازي خلف العلي، سائق حافلة نقل ركاب على طريق الرقة- دمشق، حتفه في مدينة الرقة، أثناء قيامه بصنع خزان وقود إضافي لحافلته، بهدف زيادة كميات الوقود التي ينقلها من مناطق “قسد” إلى مناطق النظام.

وإذا كانت حادثة مقتل العلي تمثل تهديداً لمهربي الوقود عبر حافلات الركاب، فإن المخاطر تبدو أقل بالنسبة للركاب المرافقين، بحسب أبو أحمد. إذ منذ عمله الحالي لم يتعرض “لاعتقال أو تهديد على حواجز الطرفين”، كما قال.

ودرءاً لأي مخاطر على الركاب، يختار أبو علي وغيره من السائقين، كما أوضح، “ركاباً كبار السن أو يعانون أمراضاً مزمنة، لسهولة الحصول على تقارير طبية تخولهم الدخول إلى مناطق النظام”، كون الأخير يسمح بدخول من يحملون تقارير طبية، أو الموظفين العاملين في مؤسساته.

وأياً كانت المخاطر بالنسبة للركاب، فإن حصول أبو أحمد وزوجته على ما معدله نحو 700 ألف ليرة شهرياً (220 دولاراً)، من هذا العمل، يبدو حافزاً لقبول المخاطرة، في وقت يقدر دخل الموظف الشهري في شمال شرق سوريا بنحو 300 ألف ليرة فقط (95 دولاراً).

محاربة فساد أم دعمه؟

يومياً، تغادر 30 حافلة كبيرة وميكروباص مدينة الطبقة إلى بلدة دبسي عفنان، عبر معبر البوعاصي، بحسب ما ذكر موظف في مديرية النقل والمواصلات بمجلس الطبقة المدني لـ”سوريا على طول”.

وقد تحولت هذه الحافلات إلى وسائل “تهريب” محروقات ومواد غذائية بين منطقتي السيطرة، بمعرفة الجهات المعنية في مناطق “قسد”، وإقرارها بأن “الوقود في خزانات المركبات لا يتناسب مع المسافة التي تقطعها المركبة بين الطبقة ودبسي عفنان، والتي لا تتجاوز 100 كيلومتراً ذهاباً وإياباً”، بحسب الموظف في المديرية. معتبراً أنه “لا يمكن تفادي تهريب المازوت أو الحد منه، كون السائقين يدّعون أنه لمركباتهم وليس بغرض التجارة”.

من جانب آخر، فإن عملية التهريب تدر دخلاً لعناصر الحواجز في مناطق النظام و”قسد”، من خلال “حصولهم على رشاوى لقاء التغاضي عن الكميات المهربة أو عدم التشديد على الحافلات”، كما قال أبو أحمد.

وبرأي أبو أحمد، فإن تأثير عمليات التهريب عبر وسائل النقل العام محدودة على شمال شرق سوريا. أما إذ كان “لدى الإدارة الذاتية رغبة حقيقية في منع التهريب”، كما أضاف، فإن “عليها وقف عشرات الصهاريج التابعة للقاطرجي [مجموعة القاطرجي الدولية] قبل أن تحاسب المتكسبين من عمليات التهريب البسيطة”.

آخر التقارير…