مدة القراءة: 6 دقائق | تقارير, جندر, دمشق

المعتقلات السوريات: ضحايا لـ”أوراق الضغط” في السجن.. وأسيرات لـ”وصمة عار” بلا خطايا في المجتمع


أبريل 11, 2016

اقتحمت قوات الأمن، قبل ثلاث سنوات، منزل ريما بركات، وهي من سكان مدينة اللاذقية الساحلية، لتصبح بعد دقائق واحدة من آلاف المعتقلين في سجون النظام.

وقضت ريما بركات (26 عاما)، تسعة أشهر في معتقلات النظام، لأن زوجها انشق عن الجيش السوري، وانضم إلى الجيش الحر، قبل أن يتم الإفراج عنها كجزء من عملية تبادل للأسرى بين كتائب الثوار والنظام.

 وقالت ريما (الاسم المستعار لها)، لسوريا على طول، “لم أكن أعلم بأن معاناتي واغتصابي ثلاث مرات داخل المعتقل لم تكن سوى البداية، فعندما خرجت واجهت ظلماً اضافياً لا ذنب لي فيه؛ طلقني زوجي، ورفضني مجتمعي”.

 وبحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، التي مقرها المملكة المتحدة، فإن عدد الأشخاص الذين تم اعتقالهم بشكل تعسفي، منذ بداية انتفاضة عام 2011، يقدر بما لا يقل عن 117 ألف شخص من نساء ورجال وأطفال.

ووفقاً للشبكة، فإن الحكومة السورية هي الجهة المسؤولة عن غالبية هذه الاعتقالات، كما وصف أولئك الذين أفرج عنهم طرق التعذيب والتجويع والاعتداء الجنسي الذي كانوا يتعرضون له داخل المعتقلات، في حين يعتقد أن الآلاف منهم قد لقوا حتفهم داخل المعتقل، وآلاف آخرين في عداد المفقودين.

كما أن إطلاق سراح المعتقلين من رجال ونساء وأطفال من سجون النظام، هو مطلب رئيسي لوفد المعارضة السورية المشاركة في الجولة الثالثة من محادثات السلام في جنيف، المقرر أن تُستأنف يوم السبت.

وبالرغم من أن غالبية المعتقلين هم من الرجال، إلا أن قوات النظام اعتقلت 7080 امرأة على الأقل، منذ عام 2011. وتقدر كلاً من الشبكة السورية لحقوق الإنسان والمركز السوري للإحصاء والبحوث، وهي منظمة بحثية مستقلة،  أن عدد النساء اللواتي ما زالن رهن الاحتجاز بـ2850 امرأة. كما تم توثيق مقتل 19 امرأة منهن على الأقل تحت التعذيب.

ويعتبر اعتقال النساء، منذ بداية الانتفاضة السورية، وسيلة ضغط على أفراد الأسرة. وكلا الفصيلين: النظام والثوار يستخدمان النساء كورقة مساومة في تبادل الرهائن.

 

 

 وتعاني النساء بعد اطلاق سراحهن الرفض من قبل المجتمع والزوج وأفراد الأسرة، ويعود ذلك إلى الاعتقاد السائد بأن جميع النساء يتعرضن للاغتصاب أثناء الاعتقال.

إلى ذلك، قالت ريما إن “مجتمعنا لا يتقبل المرأة المعتقلة، فبعد خروجي طلقني زوجي، ورفضني مجتمعي، وكنت أستشف من نظرات الناس نهايتي، وكنت أشعر أنني اغتصب في كل نظرة شفقة ممزوجة بالإهانة ينظرها الناس إلي”.

وبحسب تقرير نشرته الشبكة الأوروبية المتوسطية لحقوق الإنسان في أيار عام 2015، فإن “الناس يفضلون الابتعاد عن عائلات المعتقلين أو المحتجزين السابقين، وذلك بسبب وصمة العار المرتبطة بالاغتصاب والاعتداء الجنسي التي تلاحقهم بعد خروجهم”، وذلك بناءً على شهادة 53 امرأة أمضين وقتاً في سجون النظام.

وفي المقابل، فإنه لا توجد إحصائيات دقيقة عن عدد النساء والرجال، الذين تعرضوا للعنف الجنسي خلال هذه الحرب، من قبل فصائل الجيش الحر المتعددة، وذلك إما بسبب تردد الناجين بالبوح عما حصل معهم أو بسبب انعدام الثقة لديهم بأن العدالة ستحقق في حال بوحهم.

وأشار تقرير تم نشره، في شباط عام 2015، من قبل مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، إلى أن عمليات الاغتصاب منتشرة بشكل كبير من قبل قوات الحكومة السورية وتنظيم الدولة. كما شرح التقرير وبالتفصيل سلسلة الانتهاكات التي ترتكبها الأطراف المتحاربة المختلفة.

وكذلك، تحدث التقرير بشكل مفصل عن التعذيب الجنسي والاعتداءات التي يتعرض لها الشبان والرجال أيضاً، بالإضافة إلى النساء، حيث “تم العثور على النساء والفتيات اللواتي تعرضن للاغتصاب والاعتداء الجنسي في معتقلات النظام، وذلك يعتبر جرائم ضد الانسانية”.

وبالنسبة لنساء سوريات مثل ريما، يترافق العنف الجنسي الذي تعرضن له، مع نظرة العار من قبل المجتمع، وهو ما لم تترك لهن أي مكان يلتجأن إليه.

وأضافت ريما “كل هذه الأمور والضغوط من حولي جعلت العالم أسود في وجهي، رفضني مجتمعي ونبذني زوجي مع أنني اعتقلت بسببه”.

ولم يكن رفض المجتمع أو العائلة للمعتقلات بسبب الاعتداء الجنسي وحسب، كما هو الحال لدى هالة محمد التي تبلغ من العمر 30 عاماً.

اعتقلت قوات الأمن هالة محمد من منزلها عام 2012 عند الفجر، في مدينة جبلة، بسبب مشاركتها بالمظاهرات السلمية المناهضة للنظام السوري. وقضت هالة عامان داخل سجون النظام، وخلال ذلك الوقت أدمنت المهدئات التي كانت تعطى للمعتقلات من قبل السجانين بعد تعرضهن للتعذيب.

إلى ذلك، قالت هالة “في البداية كنت أرميها لشك مني بأنها حبوب مخدرة، ولكن بعد انقضاء عدة أشهر من الضرب والتعذيب الممنهج، يصبح جسدك منهكاً وجروحك المتقيحة تكويك ليلاً نهاراً، وتملؤك القذارة والجرب إلى أن تنهش جسدك حتى تسيل الدماء، عندها ستضطر لشرب حبوب الخلاص، ليهدأ الألم”.

وعندما تم الافراج عنها بصفقة تبادل للأسرى بين الثوار والنظام في ريف اللاذقية، واجهت هالة رفضاً من المجتمع الذي وصمها بالعار كونها كانت معتقلة وكانت تتعاطى حبوب المهدئات.

ووفقا لما قالته، فإنها لم تكن تعلم “يوماً أن ألم الجروح التي كانت تنهش جسدي, أهون بكثير من الألم الذي تراه بعيون أبيك وأمك وأصدقائك وهم يرمقوك بنظرات تكره بها نفسك وتتمنى الموت في كل لحظة”.

 “أنا لست مدمنة، أنا لست مذنبة” هذه آخر عبارة قالتها هالة على الحدود السورية التركية، قبل أن يتركها والدها لتواجه مصيرها، حيث قال لها “اذهبي أنت سبب جميع مصائبنا، سننساك قريباً”.

وغالباً فإن جميع المعتقلات السابقات، لا يتوفر لهن دعماً كافياً من المجتمع والأسرة، سواء كن قد تعرضن للاغتصاب أو لا، فجميعهن يواجهن صدمة نفسية حادة بعد الافراج عنهن، بالإضافة إلى تعرضهن للاكتئاب والقلق واضطرابات ما بعد الصدمة، وشعورهن بعدم رغبتهن بالحياة الذي يصل غالباً إلى الرغبة بالانتحار، وذلك بحسب تقرير، نشر عام 2015، لمنظمة الأورو (الشبكة الاوروبية المتوسطية لحقوق الانسان).

وتصف ريما نتائج مع تعرضت له بقولها “انعكس هذا الرفض على نفسيتي، فأصبح لدي شعور أنني منبوذة وناقصة، ولطالما تمنيت لو أنني مت في المعتقل، وأنا الآن أعيش على المهدئات وأنبذ رجال العالم بأسره، ولطالما فكرت بالانتحار”.

وأكدت شبكة المرأة السورية، التي تتكون من عدد من منظمات وناشطات سوريات داخل وخارج سوريا، في تقرير لها نشرته في شهر شباط الماضي، “أهمية افتتاح مراكز لإعادة تأهيل المعتقلات وتعزيز ثقتهن بأنفسهن ودمجهن في المجتمع وتمكينهن اقتصادياً وتوعية الأهالي من أجل تقبل أطفالهن”.

 كما سلطت الضوء أيضاً على أهمية “حماية المرأة من العنف الذي من الممكن أن يتعرضن له من قبل أسرهن”.

“سأواصل الطريق وسأكون قوية لأبدأ حياتي من جديد”

واصلت كل من ريما وهالة طريقهن في تركيا بمفردهن، دون أي دعم من أسرهن أو مجتمعهن.

وتحاول هالة الآن، أن تنسى ما حصل معها في الماضي وتبدأ حياة جديدة، فهي تعيش حالياً مع نساء تركيات وتعمل في صالون للسيدات، وتقول “سكنت مع بنات أتراك، كنت أرفض العيش مع سوريين لأنني لا أريد من أحد أن يسألني عن قصتي، وماذا حدث؟. لا أريد أن أتذكر، فأنا أحاول أن أنسى وأبدأ من جديد، لذلك كنت أبتعد عن أي شخص يعرفني”.

إلا أن هالة لاتزال تعاني من إصابة في جسدها، صعبت عليها ايجاد عمل، في بداية الأمر، حيث كانت تعتمد على المساعدات التي تحصل عليها من الجمعيات الخيرية من أجل العيش.

وتضيف هالة “في البداية لم أستطع العثور على وظيفة، بسبب عائق اللغة وإصابتي؛ فأنا أعاني من وجع في عمودي الفقري، ولدي فقرة مكسورة، بسبب ضربة تلقيتها داخل المعتقل بالروسية على ظهري، أثرت على مشيتي قليلاً، وكنت أتلقى العلاج والدعم والمعونات من المؤسسات الخيرية، إلى أن أصبحت نوعاً ما أستطيع التحدث باللغة التركية، فعملت بصالون للسيدات، كون الكوافيرة كانت أحد هواياتي”.

أما بالنسبة لريما، فعندما خرجت من المعتقل، لم ترجع لها الحكومة السورية أوراقها الرسمية، كالهوية وجواز السفر، التي أخدت منها عند اعتقالها، ولم تستطع الحصول على أوراق رسمية جديدة، مما جعل بقائها في الداخل السوري، أو سفرها للخارج أمرأ صعباً جداً.

وأخيراً وبعد وصولها بصعوبة إلى تركيا، لم يقبل أقرباؤها استقبالها في منزلهم، إلا بعد أن فرضوا عليها شروط كثيرة كعدم مغادرتها المنزل. وعن ذلك قالت “لعنة الاعتقال لاحقني إلى خارج سوريا، لكي أصبح رهينة اعتقال أفكار المجتمع المتعصب الذكوري، ولذلك لم أسكن عندهم. واليوم أنا أعمل في مكتب سفريات، وكنت طوال الوقت أحرم نفسي من جميع أنواع الرفاهية، لأدخر المال فقط من أجل أن أعالج جسدي من آثار التعذيب، فكنت كلما وقفت أمام المرآة ورأيت هذه الكدمات هنا وهناك، استعيد بذاكرتي لحظات التعذيب والاغتصاب التي دمرت حياتي”.

وحال هالة مثل ريما، فهي تحاول الابتعاد وتجنب الأشخاص الذين يعرفونها أو من الممكن أن يسألوها عن ماضيها وقصتها، قائلةً “أنا أهرب من الناس لأنني لا أريد أن أسرد قصتي، ولا أريد أن يسألني أحد ماذا حصل معك؟. أريد أن تنسى الناس قصتي أريد أن أعرف من أنا وما هي هويتي الآن، وحلمي الوحيد هو أن أكمل حياتي وأعود لدراستي وأن أنسى الماضي”.

وتضيف “أعرف بأنني لن أستطيع أن أنسى ما حدث معي، ولكنني أتمنى أن أكون قادرة على أن أعيش حياة طبيعية مثل أي فتاة أخرى”. ” فأنا لن أستسلم”.

( وللاطلاع إلى قصة ريما بركات، وهالة محمد الكاملة يمكن متابعة هذا الرابط)

 

ترجمة: بتول حجار

آخر التقارير…